MGPAP_Top

ديربي «مبلي» للمجهول

لم تعد الحكومة في حاجة للكرة، فهي تنتظر مرور غيمة شغب لترتدي الخوذة وتكيل الشتائم للرياضة والرياضيين، وتطالب بترحيل مبارياتها خارج المدار الكروي، وإعدام المسيرين في ساحة عمومية، واعتقال المشجعين بتهمة العشق الممنوع، وتسريح المدربين والحكام والصحفيين وتحويل الاعتمادات المالية للمؤلفة قلوبهم.
نسي المغاربة نتائج الحوار الاجتماعي، وأمعنوا في الحوار الصحفي الذي فجر فيه محمد بودريقة رئيس الرجاء البيضاوي عبوة ناسفة في وجه جامعة الكرة، واستنفروا عشرات المحللين لقراءة ما بين ثنايا سطوره. تأجلت الوقفات الاحتجاجية وأغلقت الملاعب في وجه الوداد والرجاء ومنحت لبوليس الكرة إجازة عرضية، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
أبعدوا مباراة الغريمين بعيدا عن الدار البيضاء، وجردوها من توابل الإثارة وحولوها إلى وجبة حمية تساعد على التخسيس وشفط الدهون، ومواجهة بلا جمهور وبلا عنوان وبلا طعم أو رائحة. لقد شيعوا الديربي بعيدا عن القلوب المكلومة، وطالبوا الجمهور بالدعاء سرا وعلانية للروح الرياضية بالمغفرة كي ترقد في قبرها راضية مرضية.
ذات يوم استيقظ الساعدي القذافي نجل الزعيم الليبي، وقرر متابعة مباراة الرجاء والوداد في مركب محمد الخامس بالدار البيضاء، على أن ينتقل إلى أبيدجان لمتابعة ديربي الكوت ديفوار بين أسيك ميموزا وأفريكا سبور، ويعرج على مصر لمشاهدة موقعة الأهلي والزمالك، فقد كان ابن الزعيم عاشقا للديربيات متيما بصخبها. لكن مستشاره اقترح عليه تنظيم دوري يمكنه من مشاهدة الوداد والرجاء وأفريكا سبور في طرابلس بدل قطع المسافات، وقبل أن تختمر الفكرة اقترحت اللجان الشعبية إطلاق اسم «الصقر الوحيد» على الدوري، ولأن معمر هو الصقر الذي لا خلاف حوله، فقد أقلعت طائرة ليبية صوب أبيدجان وحملت بعثة أفريكا سبور، وتوقفت في مطار محمد الخامس فركب في جوفها لاعبو الوداد والرجاء، وتوقفت في مطار تونس قرطاج ليركب الحكام، وحين نزلت الطائرة في مطار طرابلس الدولي يوم 22 فبراير 2002، كان الساعدي في طليعة المستقبلين، وحين شعر بالتعب أجل استكمال المصافحة إلى الملعب.
حقق نجل القذافي رغبة عبرت تضاريس أحلامه، ولأنه عنترة زمانه، فقد جلس في مقصورته يتابع أطوار ديربي البيضاويين بعيدا عن الدار البيضاء بآلاف الكيلومترات، قبل أن يضع أمامه حارس أمن رئاسي على كتفه «كلاشنيكوف» طبقا فضيا وضعت فوقه بعناية بذلة رياضية وحذاء وشارة عمادة، انصرف الرجل دون أن يلفت نظر نجل الصقر الوحيد، وقبل أن تنتهي المباراة نهض الساعدي من مكانه وتوجه إلى مستودع ملابس خاص حيث جهز نفسه لقيادة الاتحاد الليبي في مباراته ضد أفريكا سبور، فيما كان صاحب الكلاشنيكوف يزود الحكم التونسي بآخر نصائح السلامة الكروية. أما مذيع المباراة فنسي الديربي وتحول إلى شاعر من شعراء المدح التكسبي، وهو يتغنى بخصال الصقر ويتوعد الطرائد، قبل أن يفاجأ الجميع بالكشف عن أسباب النزول ويقول عبر إذاعة الملعب «إن ريع المباراة سيخصص لمساعدة العزاب على تغطية نفقات المهور».
انتهى الدوري بلا غالب ولا مغلوب، وبإحالة حكم ليبي على المصحة ابتلع الصفارة حين تجرأ وأعلن عن ضربة خطأ ضد ابن الزعيم. انتهى زمن عنترة وانسحب من ساحة الكرة والسياسة ليس لأن عبلة أصبحت مستعمرة بل لأنها أضحت أرملة، وابتلع المذيع أبيات فخره خوفا من ديربيات دامية تعرفها طرابلس بين الكتائب المسلحة.
منذ ذلك الحين كتب على الديربي «ممنوع الترحيل» إلا للضرورة الأمنية، بعد أن آمنت سلطات الدار البيضاء أن مباراة الغريمين شر لا بد منه، ووقعت مع الفصائل المشجعة إقرارا بالتسوية، وقيل لرئيسي الوداد والرجاء اخفضا جناح الخزي ففعلا.
هل تستحق مباراة في كرة القدم أن تحاكم في محكمة سياسية وتصدر في حقها قرارات نفي وترحيل؟ أليس من العبث أن تطلب الرجاء حق اللجوء الكروي إلى مراكش وأكادير والقنيطرة وطنجة ولا يتحقق الرجاء؟
ما الجدوى من مديرية برمجة تنتظر تأشيرة والي الأمن لتفرج عن جدول مبارياتها؟
إننا نعيش زمن بطولة بلا خرائط، ويحك يا عنترة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة