GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

ذاكرة كثيرة الأصفار

يجب أولا أن نبارك للشيخ المغرواي الصفقة الكبيرة التي باع بها عقار «دار القرآن» الذي كان محشورا في بقعة صغيرة داخل حي شعبي. فالرجل أبان عن مواهب أخرى، إلى جانب مواهبه العلمية. إذ ليس من السهل أن تكون مفاوضا بارعا في البيع والشراء. وكان الله في عون الذين اشتروا العقار منه، لأنه استطاع الحصول على مليار ونصف مليار كسعر بيع نهائي، بعد أن كان العرض المقدم له لا يتجاوز 900 مليون سنتيم علما أن المفاوضات تجاوزت السنة.
وهكذا تخلى المغرواي عن مقر «دار القرآن»، مقابل «وسخ الدنيا» والكثير من الأصفار، ولا بأس أن يساهم في عملية التطاول في البنيان التي تعتبر علامة من علامات الساعة. فالساعة آتية على كل حال، ومقر الجمعية التي كان يعتبرها هو وأصدقاؤه مسألة مصيرية واستنكروا إغلاقها ذات يوم، لا يمكن أن تصمد أمام إغراء المليار ونصف، ولا شك أيضا أنه يمكن إنشاؤها في أي مكان آخر.
ليسمح لنا سي المغرواي وأصدقاؤه، أن نذكرهم بالمشكلة التاريخية التي نعاني منها جميعا، سواء كنا ملتحين أو حليقي الذقون، والتي تتعلق باستسهال التاريخ والتنكر له. لا أحد يخفى عنه أن مراكش تحولت إلى مدينة شبه تاريخية بعد أن كانت تاريخية بامتياز. ولم يجد المغاربة صعوبة في التخلي عن منازل أجدادهم مقابل حفنة من الدولارات أو الأورو، يدفعها سائح سخي لكي يحصل على ملكية تاريخ بأكمله من تاريخ واحدة من أقدم المدن في العالم.
كان حريا أن يبقى المكان الذي تقع فيه جمعية القرآن التي باعها الشيخ المغرواي إرثا تاريخيا حتى تحافظ المدينة القديمة وأحياؤها الشعبية على ملامحها التي صنعت سمعة مراكش سياحيا، قبل أن تدخل أشياء أخرى على الخط، وتصبح مراكش قبلة للذين لا قبلة لهم.
هل يعلم الشيخ المغرواي أن شيوخا غيره، عاشوا قبل أن يولد هو وغيره من الشيوخ الجدد، ماتوا من أجل أن تبقى مكتباتهم آمنة داخل بيوتهم، ولم يبادروا يوما إلى بيعها للأغراب مقابل المال؟
وإذا نسي أن هناك شيوخا جعلوا من المدارس القرآنية التي اشتغلوا بها، وقفا لا زال يستفيد منه طلبة العلم إلى اليوم، فلا بأس أن نذكره بشيوخه القدامى الذين اطلع على مؤلفاتهم بدون شك، ورأى كيف أنهم عاشوا حياتهم من أجل العلم وماتوا وهو يطلبون العلم، ولم يتركوا خلفهم إلا الكتب والمخطوطات التي رفضوا بيعها قيد حياتهم.
مليار ونصف مليار، من شأنها أن تجعل البعض يغير دينه. لكن الشيخ المغرواي يلام لأنه قبل سنوات كان يعتبر نفسه من الممنوعين عندما نزل عليه قرار غلق دور القرآن، وتضامن معه الكثيرون، محافظين أو يساريين، حتى تعود جمعيته إلى الاشتغال. وهاهو اليوم يبيعها بمبلغ كبير، يفوق قيمتها العقارية بكثير. ماذا سيقول المغرواي لكل هؤلاء الذين يحاولون وضع أرجلهم على أولى سلالم الحياة، ولن يجدوا في حيهم الشعبي مدرسة قرآنية كالتي تعلم فيها السواد الأعظم من المغاربة أولى حروف الهجاء؟
لا يختلف ما قام به المغرواي في شيء عن السلوكات المقززة التي يقوم بها يوميا آلاف المتسولين الذين يحملون في أيديهم ألواحا تحمل آيات قرآنية يطوفون بها مقاهي المدن وحاناتها أيضا.
عموما، يمكن الآن للشيخ المغرواي وأصدقائه، أن يقتنوا مقرا جديدا لجمعية دار القرآن، في جزيرة سياحية أو على يخت عائم، ويستثمروا في تحفيظ القرآن، لتصبح الكتاتيب شبيهة بمصحات التدليك والماساج، وهكذا سيصبح حفظ القرآن عبارة عن جلسات بالساعة، تماما مثل دروس تعليم البيانو، وحينها يمكن للمغرواي أن يستثمر في كتابة السور القرآنية فوق الألواح الذكية، مثل التي يروج لها الداودي، وزير التعليم العالي، بدل الألواح الخشبية التي كُسرت فوق رؤوسنا أيام الطفولة، والكتاتيب القرآنية التي تكون في العادة موروثا شعبيا قبل أن يأتي هؤلاء الذين يتاجرون في كل شيء ويحولونها إلى ملحقات عقارية مقابل أرقام جهنمية باسم الجنة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة