رائحة الشواء

kermah

ألقيت نظرة على الطواحين الهوائية في طريفة من سور «المعكازين» بإمعان وحسرة مغلفة في ثوب ضحل، في كثير من الأحيان تحجبها الغيوم التي تعانق المدى البحري فنشتاق لرؤيتها. كان هناك مسن متكئ على المدفع، ينقب الفول السوادني ويحدث الأجنبية الوديعة عن أمجاد طنجة وفضاءاتها التراثية. تفرغ مما كان ينقب وأخلص للأجنبية بكل جوارحه وهو يستطرد: «طنجة أشبه بحديقة ورود منتعشة هجرها عطرها ولم تعد تصلح إلا للصور». تجاوبت معه في خاطري، أعجبني تشبيهه وبلاغته في وصف مشهد هذه المدينة التي أخذت تبهت كل يوم مع تكالب الاستثمارات العقارية، ثم تفحصت ملامحه لأخبر كنهه قبل المغادرة، فمن يصدر منه مثل هذا القول جدير بالتصفح وبالتدقيق. ودعته بإيماءة وتركته ينبش في ذاكرة المدينة لقطف نياط عاطفة الأجنبية، وانحدرت نحو المرسى وأنا أفكر في كلامه الوجيز والمفيد، بدون أن أطرق معه باب حوارات تُختم بنهايات تمهد لبدايات حوارات لا تنتهي.
فعلا طنجة أمست كقلعة زاهية تئن تحت أعاصير الإسمنت، وتفقد أريجها مع تكالب الأطماع الجشعة، لكنها على العموم أفضل من كثير من المدن التي زرتها، وإن كنت أتمنى لها مضاهاة المدن العالمية لا أن تبقى مجرد قبلة لكل المضطهدين واليائسين والطامحين لبلوغ المدى البعيد.
في زحمة السوق الداخل كان متشرد يفرغ أمعاءه ويترنح بالباحة وكأنه أكل سما، يقال إنه حديث الجنون، ربما دست له إحداهن سما انتقاما أو تجريبا.. السُّحنات الشقراء الزائرة كانت تنظر إلى المشهد بكثير من الرهبة والأسف الممزوجين بالخوف والعجب. كنت أود احتساء شاي في مقهى «طنجيس» وقراءة فصل من الأسفار التي أحمل معي، لكن منظر الباحة الشاحب عجل بي إلى المرسى. رائحة السردين المشوي العالقة في مخيلتي تحيا كعبق الورد أو كثغر حسناء من اللواتي يصفهن الشعراء والروائيون في كتبهم بكثير من الافتتان والخدر. فالكاتب دائما في وصفه، وخصوصا إذا كان من الذين يستثمرون الواقعي فينطلقون من وسطهم الخاص في الحكي في رحلتهم نحو المجرد، يضفون هالة من البهار والتوابل على وصفاتهم الغزلية، أما إذا كان الأمر يهم التغني بالمحبوبة، فإنهم يسابقون الوهم بلا ملابس داخلية.
البحر الهادئ يرقد تحت الضباب في سكون، ورائحة الشواء تعانق الهواء في بهاء، تطغى على كل شيء، كلما اقتربت من المرفأ نفذت رائحة السردين إلى أهوائي تطرق نوافذ شهيتي. كان الكثير من البحارة، بعدما أفرغوا قواربهم، يحتسون الشاي الساخن ويطلبون البيض المسلوق من الأربعينية «مَلُّوكة» التي تدير المقهى الصغير بمثابرة وجهد.
في الصباح الباكر عندما آتي لأتسابق مع أصحاب السيارات الفاخرة على نسيم البحر وصقيعه، أجد المقهى فارغا إلا من بعض المتشردين الذين يلسعهم برد الصباح، والقطط التي تنتظر وليمة الصيادين، فتكون فرصتي متاحة مع «ملوكة» التي تطلب مني العمل معها مرارا. لا أجد في المقهى سوى حركات «ملوكة» المتنقلة كالنحلة النشيطة، تحرك «البيصارة» وتفرغ «المقاريج» من البيض المسلوق وتنقّع الشاي في «مقراج» كبير.
تسكب لي صحنا من «البيصارة» الدافئة وأقبع في كرسي كنورس وحيد، أنتظر «لعلاوة» ليسلمني كيسا من السمك الذي ما يزال ينتفض، ويوزع ما تبقى على القطط التي تعرفه كما يعرف الطفل ثدي أمه، وهي تنتظره مسترخية على القوارب حتى تشعر بقدومه فتتمطط في استرخاء، قبل أن تتعقبه كما تتبع الطيور محراث فلاح.
الطنجاويون لهم علاقة حميمة مع القطط، ينفقون عليها أكثر مما ينفقونه على آدمي أمام مسجد أو مخبزة. فطنجة جنة القطط. و«لعلاوة» الذي لا أدري سبب تسميته بهذا اللقب الذي يطلق على «التقليا أو الدوارة أو الشكانبا أو الكرشة»، حسب اللهجات والمناطق، يحب القطط كثيرا، ويقول إن هناك أمورا روحانية تجمعه معها، ويحذر كل من يحاول أذية قط ولو بنهره فبالأحرى ضربه. لقد أصبحت أنا والقطط سواسية، كلانا يربط علاقة متينة مع «لعلاوة» لتأمين توازنه في هذه الحياة.
لا آتي في الصباح الباكر إلى المرسى للتهافت على أكياس السمك الطري كما يفعل كثير من المرفهين الذين يتزاحمون كالبهائم عند الغدير، وهم ما يزالون بقمصان نومهم، فيتنكرون لِأُبَّهة ربطات العنق وكثير من التصنع الذي تولده بروتوكولات المكاتب وضرب المواعد والصراخ على السكرتيرة. وإنما، لا أعرف لمَ آتي إلى المرسى في الصباح الباكر؟ هل لأبحث عن عمل فلا أجرؤ على طلبه، أو لأهرب من شخير المدينة، أو لأكسر ملل السُّهاد الذي يخنق ليلي؟ فعندما أرى البحارة كيف يتسابقون على «البيصارة» لتدفئ أمعاءهم الجامدة والخاوية على عروشها، وعندما تنهمر الأمطار فيتعذر عليهم ركوب البحر، أعدل عن طلب أي عمل في هذا المرسى، وعندما أرى درَّاجات الكادحين تتسابق في الصباح الباكر نحو ورشات البناء تحت أمطار عاصفة أو رياح صقيعية لا تعرف يوم عطلة ولا عيدا وطنيا، أرجح كفة التشرد على هذا الجحيم المصيري.
التسكع ومطاردة السياح في المدينة القديمة لدلهم على فندق أو مرافقتهم في جولة عبر الأركان التراثية، أو حتى دلهم على بيوت اللذة، أفضل لي من شقاء ولعنات الاستغلاليين. الاسترخاء في كسل على كرسي مقهى «ملوكة» كل يوم وهي تقبلني همسا في الهواء وتغمز لي بعينيها النجلاوين، أفضل بكثير من ساعة في شركة تحول الإنسانية إلى آلة. سماع حكايات البحر وثرثرة المعاتيه أرحم من قمع الجلادين، كرواية هذا الصباح التي تدور حول بحار قبضت عليه الشرطة قبل أن ينطلق في مركبه، لأنه اغتصب زوجة ثري أعلى من حدود خياله وأمانيه، غير بعيد عن محيطه في فندق شجرة. وكما عبرت «ملوكة» في تهكم: «المعتوه، ابن الذين، كان يجمع كل شهوات الدنيا في عينيه، فانتقم من ذلك الشخصية المرموقة وتركه عرضة للنقاش في المدينة».
في كثير من الأحيان أوقن من سبب ارتيادي مقهى «ملوكة» الصغير الذي يعج بثرثرة البحارة والحديث عن الفلائك والشباك، وعدم احترام الفترة البيولوجية للسمك والخروقات والانتهاكات… «ملوكة» ممشوقة القوام كالرمح الخارق، وهي تتبختر في مشيتها بغنج مراهقة ما يجعلها تلهب نظرات كل الرواد، تنتعل حذاءً رياضيا مع قميص مثير يكشف اكتنازها الذي يضاعف نسبة روادها كل يوم، «ملوكة» التي تسحر بكلامها الذي ينساب عسلا رائقا تحرض على الجنون. فعندما يتحرك ذلك المجرم الذي يستوطن مملكتنا وهو يتربص بأنوثتها المصقولة في ثوبها الزاهي الذي يقبض على جسدها لئلا يهرب أو يضاعف من جرعات الإثارة حين يكشف عن شهوة مهتاجة في عيون البحارة.. عندئذ أدرك السبب الذي يطوح بي من المدينة القديمة إلى المرسى، ويحرضني على الكسل، ويجعل كمّا كبيرا من البحارة يستوطنون كسرب نوارس مقهاها، ويتركون «با المختار» في مقهاه، يتلهى بـ«سبسيه» الطويل رفقة نفر من الشيوخ.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *