رسائل من زوجة جندي

زوجي العزيز أين أنا منك، عندما أشتاق لك، أغمض عيني لعلي أسترجع صورتك، لم أنسك، لازلت بكل التفاصيل عالقا بذهني.. الشامة فوق عينك، أثر رمح مر بجبينك.. عندما شاركت في حرب أفغانستان تطوعا، كم كنت خائفة من ألا تعود. وعدت والندبة تخلد ذاك الأثر.. أنجبت منك بعد عودتك أطفالا يعمرون الأرض، ورحنا نستدين لنبني لنا منزلا يضم أحلامنا، أبعدوك من جديد وقلت لي من أجل الوطن لا بأس.. وكنت وطني فما ذنبي أنا حتى أضيع فيك، ليس الحب ما جعلني أرتبط بك، بل كان كل شيء تقليديا، حتى وجدتني أزف إليك، وافقت ليس لأن والدي أعلم مني بالأصلح لي، لكن لأني أومن بأن الجندي لن يكون إلا وطنا آمنا لي.. كنت كذلك، وبعد أقل من شهر وجدتني أعد لك مؤونة ستة أشهر من الغياب قادمة، غياب قاتل يساعدني على نسيان ملامحك وعلى العيش على ذكرى صوتك، ذاك الصوت الذي قيل هو أول ما ينسى من ذكرى رجل، لكني لم أنسك، صوتك يشبه كثيرا صوت المغني إيهاب توفيق، دافئ وعميق كمجرة لم يطأ كونها غيري. تتعاون الذكرى على وحدتي حتى تراق على تلال خديّ أنهار دموع، وأخرج من درج مكتبك منديلا أهديته لي، وأكتب لك: «زوجي العزيز. كيف هي أحوالك وأنت على الحدود الفاصلة بيننا ووطن شقيق؟ لم الحدود، يا حبيبي، لم توهمني أنك تحمي الوطن، لم تخبرني أن بذلتك تمزقت من حر الشمس التي تقضي فيها نهارك، تصارع قدماك ألغاما مخبأة، وأفاعي قاتلة، تعيش على خبز بارد وقهوة مرة، وتبلل فمك بالقليل من الماء المقطر.. رفيقك راديو ورسائلي. وعندما تشتاق لوطننا الصغير تغمض عينيك وتسرح في الخالات التي تزين وجهي واعتدت أن أراها عيبا جاز لي إخفاؤها بالمراهم التقليدية.. تفك ضفيرتي، وتضيع في ليل شعري، موحش عالمك، وكئيب عالمي، أتخيل عندما يكبر الأبناء وتصبح رجلا غريبا عنهم، سيعتادون الأقارب أكثر منك، أنت الذي وهبتهم كلك، ولم يعطوك سوى كلمة «من هذا ماما؟» ستسمع هذا السؤال منهم وهم يختبئون بأجسادهم التي تشبه نبتة فيتونا.. ناعمة وطرية خلفي خوفا من شاربك الكث، من سمرتك التي لا تمت لشقرتهم بشيء، حبك للوطن باهظ جدا.. هل كان من هم عليك مدركون لحجم هذا الوجع الذي أعانيه، ويعانيه أبناؤك؟ وتعاني منه زوجة توفي زوجها الجندي وتركت لها بضعة دريهمات تصرفها على نفقات الأبناء الأيتام التي لا تنتهي.. سلسلة من المعاناة تلك التي تعيشها زوجة خالك؟ فحب الوطن فيكم بالوراثة! لا أفكر في ماذا لو رحلت عنا، أي لون من ألوان الخبز سنسد به جوعنا.. لكن أفكر في كيف كل واحد منكما يفكر في وطنه، بالنهاية أنت وطني عد قريبا، الأبناء اشتاقوا لك أو اسمح لي أن أبني خيمتي بجوارك ونعيش في صحرائنا سعداء بحليب نوقها وظلال نخيلها، الوطن ربما يحتاجنا أسرا لا فرادى! أنا أحوج منك إلى وطني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.