رسم العقول

عبد الرزاق الحجوي

كاتب

تعرضت نوعية القيم المتفق عليها والمتداولة قبيل بداية تفسخ البناء الحضاري حتى لا ينزعج البعض من مصطلح الانحطاط، تعرضت مادة هذه القيم إلى استقلاب جذري مع بروز مصادر جديدة للحكمة الضارة والضالة، التي أسست لاستبدال قيم رفيعة كانت سببا في الرقي، بأخرى بديلة مهدت للانحدار ثم السقوط الذي لا تزال تداعياته مستمرة، فالتشبث بالقيم النبيلة ليس مجرد عملية تجميل معنوية، بل إنه ذا مردود اقتصادي واجتماعي وكوني كذلك؛ فأمة بدون تحضر لا تستطيع لا أن تخدم نفسها الخدمة الحقيقية ولا أن تقدم خدمة للبشرية عن طريق تأخرها. فالقيم البسيطة التي تهذب العلاقات وتدفع بالمعاملات نحو المستويات الجيدة هي المحرك الحقيقي للتقدم، وإلا كيف استطاعت شعوب بمقدرات طبيعية شبه منعدمة من احتلال مقدمة الترتيب، بل بأن تعيش أفضل من بعض الأمم الأخرى التي اجتمع لها التقدم مع الثروة الطبيعية.
فظاهرة استقلاب القيم هاته يطرح صمت الجهاز الديني خلال انتشارها استفهاما كبيرا بصفته المؤسسة التربوية والإعلامية الرسمية الوحيدة يومها، فكيف استطاعت فرض الهيمنة إبان حقبة معينة تلك الأعمال الأدبية المنسوخة عن سلف عبدة النار وعبدة البقر، الثقافتين المحدودتي الباع في الفلسفة والعلوم بالمقارنة مع أقطاب الفكر البشري من إغريق وعرب أنفسهم وعجم حديثا، والحديث هنا عن فجر بزوغ الطباعة السابق نسبيا لفترة الاستعمار، قلت كيف لهذه الأمة أن تبلغ درجة التخصص في الأدب الخرافي المبني على الأسطورة والحيلة والمكر، بالرغم من امتلاكها لتاريخ غني افتتحت ملحمته بترجمة رحيق الحضارة اليونانية وانتهت من حيث انطلقت الحضارة الغربية بترجمة التراث الأندلسي الغزير.
إن إبداعات العصر الذهبي للمسلمين لا تزال إلى اليوم حبرا تغمس فيه ريشة رسم العقل الغربي، حيث احتفلت مؤسسة العلوم والحضارة والتكنولوجيا البريطانية، أخيرا، عن طريق العرض التربوي وليس بأسلوب العرض الاستعراضي، بإنتاجها لكتاب: ألف اختراع واختراع التراث الإسلامي في عالمنا، الذي صفف عقدا من درر العقل الإسلامي، لما بين القرن السادس والقرن السادس عشر، وبإنتاجها لشريط قصير للصغار، لعب بطولته أحد نجوم هوليود من الحائزين على أهم الجوائز في التمثيل، تحت عنوان: ألف اختراع واختراع ومكتبة الأسرار، والذي ركز على نموذج أب الميكانيك الحديثة النابغة الجزري، الذي ما كنت لأعلم به شخصيا لولا إطلالة بالصدفة على قناة التاريخ الألمانية رغم جهلي الكامل للغتها، فقد كانت الصورة كافية للتنبيه إلى قيمة هذا العالم؛ فتجميع رحيق عشرة قرون في كتاب واحد بأسلوب ملهم، وتحفيز عقول الأطفال بشريط لا يتجاوز الربع ساعة، يطرح سؤالا عميقا عن طريقة الرسم التي تستعمل عندنا لتشكيل عقول الغد، وعن تلك التي استعملت بالأمس حين لم تجد أمة أي حرج من صناعة وترويج شخصيات كشخصية المجدوب التي هي ثمرة من ثمار ثقافة الخرافة والمكر؛ فقد أسست وقننت، فتن وليست حكم، هذا المجدوب للعصبية القبلية ولشيطنة المرأة ولاجتثاث الثقة في المعاملة وللتفرقة العنصرية بين الأجناس، وقد تسابق الفقيه مع الأمي إلى الترويج لها والدعوة إليها، مثلما لم تجد هذه الثقافة من حرج في تربية الأطفال بالترهيب بالغول وتنميط الذكاء بالمقالب اللاأخلاقية واللامتحضرة لجحا وحديدان.
ها هي النتيجة و الخلاصة ظاهرة بل تتحدث عن نفسها، ولن تحتاج لكثير بحث عن الأسباب، فالمقارنة بين ترجمة الرحيق وتطويره وتدوير النفايات واستثمارها تعفي عن الكلام، والحديث هنا عن التوجه العام لبوصلة الإنتاج الفني والمنتوج الإعلامي، وعن أهمية دوره في بناء العقل ورسم تضاريس الوعي، إن لم يكن تحديد سقفه النهائي مثلما وقع قبيل الانحطاط.
إن الفرق بين ألف اختراع واختراع وألف ليلة وليلة هو الذي يبرر ضرورة رج الوعي بكسر المسلمات، من أجل دفن الجثث بدل تحنيطها، فقد أصبح الفرز ضروريا لاستخراج الرحيق من الذي يخدم المستقبل فقط، بدل الخشوع أمام الماضي بتفاصيله وحيثياته كلها، وكأنه انفصام في شخصية مجتمع يسير للأمام بعنق ملتفتة إلى الخلف، فينشد التقدم ويمجد مقومات التخلف في نفس الوقت، في درب مفتوحة إلى اليوم بإحياء نوع معين من النماذج والنجاح في تسويقها رغم أنها لا تستحق حتى المرور بالمتاحف.
فالإلهام وحي، والوحي يصبح بعد ذلك وعيا تلبسه العقول، فلننتق بعناية ما تحيكه أناملنا لتلبسه عقولنا بين الأمم؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة