ركائز السعودية: سادت وشاخت… وما بادت! (1/2)

sobhihd

ذات يوم، مطلع العام 2008، شاء الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن أن يقلق عظام الكاتب اللبناني أمين الريحاني (1876ـ1940)، حين جعله مسك الختام في الخطاب الشامل الذي ألقاه في أبو ظبي؛ فاقتبس الجزء الأوّل من عبارة الريحاني الشهيرة، أمام تمثال الحرّية في نيويورك: «متى تحوّلين وجهك نحو الشرق أيتها الحرّية؟ متى يمتزج نورك بنور هذا البدر الباهر فيدور معه حول الأرض ويضيء ظلمات كلّ شعب مظلوم»؟ في الآن ذاته، في غزّة، ليس على مبعدة بحار أو قارّات، كانت البربرية الإسرائيلية ترتكب المزيد من المجازر: ليس بأوامر من مجرمي حرب أمثال إيهود باراك وإيهود أولمرت، فحسب؛ بل انطلاقاً من غمزة التفويض التي منحها بوش نفسه، هذا المتيّم بمجازات الحرّية عند الريحاني!
يومذاك رأى البعض، وفي عدادهم كاتب هذه السطور، أنّ بوش، في اقتباس الريحاني، كان يقصد ما يشبه القول العربي الشهير: إياك اعني، فاسمعي يا جارة!
والجارة تلك لم تكن إسرائيل، حاشا لله، بل المملكة العربية السعودية، التي كانت محطة بوش التالية في جولته الشرق ـ أوسطية الماراثونية الأولى؛ وكان كاتب خطبة بوش يعرف موقع الريحاني في تاريخ الخليج العربي عموماً، والسعودية بصفة خاصة. لم يكن من اللائق، في المقابل، أن يعمد كاتب الخطبة إلى اقتباس الريحاني مجدداً على أرض المملكة؛ لأنه كان سيذكّر بما أشار إليه الريحاني مراراً: المعارضة الإسلامية المسلّحة، والجهادية المتشددة، التي تواجهها أمريكا؛ فضلاً عن التيارات الأصولية والصحوية والسرورية، داخل السعودية ذاتها؛ ليست بعيدة عن أن تكون إعادة إنتاج معاصرة لتلك التيارات الأمّ، التي تعيّن على عبد العزيز آل سعود أن يواجهها في مطالع القرن الماضي. تلك كانت مفارز فيصل الدويش وسلطان بن بجاد وضيدان بن حثلين، كبار زعماء حركة «الأخوان» الوهابية المتشددة، أي الميليشيات الدينية المسلحة («رُسُل الهول ورسل الموت في كل مكان»، حسب الريحاني)، التي شيّدت العمود الثاني في السلطة السعودية، والتي اضطرّ ابن سعود إلى قتالها.
وفي كتابه «صقر الجزيرة»، يسجّل أحمد عبد الغفور العطار الصورة التالية عن تلك الميليشيات: «كانوا جامدين يعيشون في ما يشبه الجبّ لا يبرحونه. وبلغوا من العنف والجهل أن حرّموا ما أحلّه الله، وأفتوا بغير ما أنزل، وكفّروا المسلمين، وأعلنوا الحرب على كل ما أنتجته الحضارة، وأنكروا على المصلحين إصلاحهم».
والأرجح، بذلك، أنّ معركة ابن سعود مع العشائر لم تنتهِ حتى يومنا، أو هذا على الأقلّ ما يستنتجه أندرو هيس في دراسة موسعة نشرتها «مجلة الشؤون الدولية»؛ ولم يتمكّن من بسط السلطة المركزية على العشائر و»رسل الموت» والدعاة الوهابيين المتناثرين هنا وهناك في أرجاء المملكة، إلا بعد العام 1930.
وإذا كانت أسلحة الحديد والنار قد نجحت في تطويعهم عسكرياً، فإن «أصول الدين» واصلت بقاءها في نفوسهم، واتخذت شكل مؤسسة عقائدية مستقلة جبارة، تتبادل التأثير والتأثر والشدّ والجذب مع بيروقراطية الدولة وشروط العصر وعواصف التحديث التي كانت تهبّ بين الحين والآخر لأسباب موضوعية صرفة. وهكذا فإنّ صيغة التعاقد بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية فرضت على النظام اعتماد مزيج من سياسات القوة، بما تتضمنه من إضعاف للامتيازات القبلية وتوطيد للقرابات والولاءات، من جهة أولى؛ ودعم الأسس الإدارية وللبيروقراطية الضرورية الوليدة، وإتمام للزواج الناجح بينها وبين شركات النفط العملاقة، واستيراد التكنولوجيا، والتسلّح العالي، والارتباط أكثر فأكثر مع الولايات المتحدة، من جهة ثانية.
في هذا السياق، أو ضمن خيارات هذا المزيج، ارتأى ابن سعود توفير «سلطة» ما، مرئية، دينية ودنيوية معاً، للمؤسسة الدينية الوهابية؛ فكانت «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، التي تأسست سنة 1940، لكنها بقيت أسيرة صياغات قانونية غائمة، لا تُخرجها من إطار التابعية المباشرة للحكومة ولرئاسة مجلس الوزراء، ولكن لا تُسقط عنها سلسلة صلاحيات واسعة، بينها مداهمة البيوت وتوقيف الناس في الشوارع، دون أمر قضائي. ومنذ تأسيسها ارتكبت الهيئة سلسلة انتهاكات فضائحية بحقّ المواطنين (أحدثها واقعة مطاردة «فتاة النخيل» في الشارع، وتعرية جسدها بدل ستره، والتي أطاحت بمسؤول الهيئة في الرياض)؛ وأخرى ترقى إلى مستوى جنائي (كما حين منعت الهيئة رجال الإطفاء من إنقاذ طالبات داخل مدرسة للبنات تعرّضت للحريق، بذريعة أنهن لم يكنّ محجبات، مما تسبب في وفاة 14 طالبة)؛ أو مستوى سوريالي مضحك/ مبك في آن معاً (اعتقال دمية كرتونية تمثل امرأة، أمام متجر في الرياض!).
ولم يكن غريباً، والحال هذه، أن تتداعى أصوات من داخل المملكة، لا تطرح الأسئلة حول وظائف هذه الهيئة وحدود صلاحياتها، فقط؛ بل تطالب بإلغائها نهائياً. الإعلامي قينان الغامدي اعتبر أنّ»هيئة الأمر بالمعروف بوضعها الراهن جهاز نشاز، ولا مناص من إلغائه نهائيًّا وفوراً»؛ وكان زميله عبد الله بن بخيت قد سبقه إلى الدعوة إياها، وقيل يومها إنّ رأيه هذا قد تسبب في إيقافه عن الكتابة في صحيفة «الجزيرة» السعودية؛ زميلهما محمد الرطبان اتخذ الموقف ذاته، داعياً إلى الإلغاء النهائي: لا نريد أن نرى شاباً يدعي أنه محتسب ليحدد لي في معرض الكتاب ما الذي يجب أن أقرأه»… لافت، مع ذلك، أنّ غالبية المطالبين بإلغاء الهيئة جنحوا إلى خيارات تنتهي إلى «تلطيف» المهامّ ذاتها، تقريباً، عن طريق الدعوة إلى إنشاء أجهزة أكثر تخصصاً، سيما الرقابة على المطبوعات!
والحال أنّ قرار مجلس الوزراء السعودي ـ الذي قضى مؤخراً بتقليص صلاحيات الهيئة، وحظر على رؤساء مراكزها أو منتسبيها «إيقاف الأشخاص أو التحفظ عليهم أو مطاردتهم أو طلب وثائقهم أو التثبت من هوياتهم أو متابعتهم»، لأنّ هذه الإجراءات «من اختصاص الشرطة والإدارة العامة لمكافحة المخدرات» ـ إنما يسير في المنحى التلطيفي، دون سواه. ذلك لأنّ أربعة عقود من التصارع بين ركائز الحكم التأسيسية في المملكة ـ السلطة القبلية، وسلطة الفتوى، والسلطة المركزية ـ كانت قد أقنعت ابن سعود باستحالة إغفال أيّ منها لصالح أخرى؛ فأوصى أبناءه بإدامة توازن دقيق بينها. ولكن تحوّل المملكة إلى منتج أساسي للنفط في عهد الملك سعود، خاصة بعد تجاوز سقف المليون برميل يومياً، أسند إلى العائدات النفطية وظيفة سوسيولوجية جديدة وخطيرة، هي تدمير بعض هياكل التوازن التي شيّدها الملك المؤسس؛ خصوصاً ذلك التشارك القلق بين القِيَم القبلية، وأصول الدين، ونظام الإدارة.
ورغم انزلاقه إلى مقدار فاضح من النفاق، فإنّ بوش لم يكن في حلّ من اقتباس الريحاني، لأنّ المملكة. يومها، كما اليوم أيضاً ـ لم تكن قادرة على تزويد سيد البيت الأبيض بمادّة نفاق ملموسة في الحدود الدنيا. والخبرة التي راكمتها الأسرة الحاكمة في تدبير الشأن القبلي لم تستطع تقديم إجابات مناسبة عن أسئلة وتحديات العمران والتحديث (التي أضعفت الأواصر القبلية بالضرورة)، وتوزيع عائدات النفط (التي ضاعفت إيقاع الولاءات الشخصية وعلاقات الاستزلام)، والظواهر السياسية الإقليمية والدولية في كلّ حقبة عاصفة تقريباً.
والعاصف الشديد الذي يكتنف المملكة، اليوم، ليس عاصماً أقلّ من مخاطر الخارج الإقليمي فقط، بل لعله أدعى إلى العصف بالداخل أيضاً، ومن قلب ركائزه العتيقة؛ هذه التي سادت، وشاخت، فما بادت!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *