GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

ريع سياسي وريع ديني 43

ريع سياسي وريع ديني 43

المهندس الكبير «أبو إيمان» (الذي كان مسؤولا عني في الجماعة) أصبح واعظا ومرشدا أيضا.. ثم خطيبا مفوها بعدها..
«الأستاذ» المحترم، الذي كان معنا في الجلسة التربوية.. ولم يلتحق بها يوما.. وكنت سأصبح مسؤولا عن «تربيته».. أصبح واعظا ومرشدا بالمساجد.. ثم خطيب جمعة.. ثم عالما كبيرا.. ثم كبير العلماء.. ثم مفتيا.. ومحدثا.. ومؤطرا.. لم يعد يسعه مكان ولا يجود به زمان.. يتقاضى أجرا عن وعظه وإرشاده.. وعن خطبته.. وعن عضويته في المجلس العلمي.. وعن برامجه.. وعن تكويناته.. يأتيه المال من كل جانب واتجاه.. كل هذا بطبيعة الحال باسم الدين.. والدعوة إلى الله..
صاحبنا هذا حدث أن التقيته مرة فسلمت عليه.. لم يرد السلام.. وقلب وجهه في اتجاه آخر.. نزل لتوه من سيارة «السربيس».. تكاد وجنتاه تنفجران من انحصار الدم فيهما..
لم أسمع نصيحة أخينا «أبو إيمان».. رفضت أن أحصل على تزكية وزارة الأوقاف.. كيف أفعل ذلك وأنا لست عالما.. ولا واعظا.. ولا مرشدا.. ولا خطيبا.. إنما قرأت كل ذلك ولم يكن لي لقب جراء ذلك.. رفضت أن أقبض الثمن مقابل أن أمارس هذه المهام النبيلة.. والسامية.. والشريفة.. التي قام بها الأنبياء والصالحون والأولياء.. ولم يطلبوا يوما من الأيام تعويضات أو أتعاب عنها..
على الأقل أخي «محمد» كان منسجما مع نفسه.. فهو من بداية الأمر حفظ القرآن.. ودخل المعهد الإسلامي.. وتخرج منه.. ونال شهادات في الحفظ والرسم وغيره.. أصبح الآن خطيبا للجمعة.. وواعظا في المساجد حسب التعليم التقليدي.. التحق أخيرا بالمجالس العلمية التي أحدثتها وزارة الأوقاف.. يسكن في سكن وظيفي تابع للمسجد.. تزوج وأنجب أطفالا.. يعيش حياة هادئة منذ البداية.. يردد ما حفظه من فقه ومتون.. يقضي نهاره في قراءة كتب القدامى.. ويدافع بكل قوة عن «ثوابت الأمة».. لا يؤمن بالحركات الإسلامية.. جعل من هذا كله مهنته التي يعيش منها.. ولم أسمعه يوما يقول إنه سيقوم بالدعوة هنا أو هناك..
أما الذين يتهافتون على المال العام من الخطباء والوعاظ والقراء من «الجماعة».. ويتوفرون على أجور قارة يحصلون عليها بسبب الوظيفة أو التجارة أو مزاولة بعض المهن الحرة.. هل سألوا أنفسهم يوما، هل من حقهم أن يأخذوا تعويضات مادية نظير قيامهم بتلك المهام «الدعوية» و«الوعظية»؟؟
هل من مجيب؟؟
المهم أن «الإخوان» تفرقوا من حولي.. وتشتت تلك «الجلسات» التي ساهمتُ مع «أبو أيمن» وأخته «فاطمة» في تأسيسها داخل الكاريان.. فئة استهوتها كراسي المسؤولية، فتهافتت على المقاعد الانتخابية.. واستفادت من «الريع السياسي».. وفئة استحلت الكراسي العلمية.. ومنابر بيوت الله، فنالت حظها من «الريع الديني»..
انفجرت قنبلة مدوية في الكاريان.. ذات صباح رابطت «التراكسات» والشاحنات والحاويات على مداخل الحي.. خرج الناس عن بكرة أبيهم.. ماذا حصل؟؟ لقد جاء مالك أرض الكاريان يريد استرجاع ما ورثه عن الأجداد.. أشَّر سعادة رئيس المجلس الجماعي «حسن» على إقامة تجزئة سكنية واسعة محل الكاريان وضواحيه..
المشروع السكني الجديد تم إعداده في غفلة من الناس.. لم يفطنوا له إلا بعد أن فات الأوان.. المستثمر (يعرف أبو أيمن) صدر له حكم بإفراغ الكاريان من السكان.. هؤلاء يحوزون عقودا وهمية تثبت ملكيتهم للبراريك التي يسكنون فيها.. يعني فضيحة بـ«جلاجل» (أجراس) كما يقول أهل الكنانة..
الغريب أيضا أن هذه الأرض التي نسكن فوقها استحوذ عليها في الأصل معمر فرنسي.. أكل خيراتها.. وصدَّر منتوجاتها عبر الميناء إلى سلطته المركزية وراء البحار.. عندما جاء وقت الرحيل، باع تلك الأرض إلى مغربي بثمن زهيد.. ولم يرجعها إلى ملاكها الأصليين.. بقيت الأرض مثل المقبرة المنسية.. اشترى السكان «البراريك» الموجودة فوق جزء منها بعقود وهمية.. والدي المسكين بدوره باع أرض أجداده ليشتري «وهما» بدون سند.. عندما أصبح مرشح الإخوان «حسن» رئيس البلدية، تحالف مع ورثة الأرض، الذين ظهروا فجأة كأنهم سقطوا من السماء.. أبدعوا مشروعا سكنيا جديدا.. قالوا إنه سكن اجتماعي.. دشنوا المشروع فوق أرض يدعون أن المعمر الفرنسي اغتصبها من أجدادهم..
هل كان «زعيمنا» الإسلامي على علم بما حدث؟؟.. ألا يعتبر «أبو أيمن» شريكا في هذه الجريمة؟؟ وفي كل الجرائم التي يرتكبها المستشارون الجماعيون ورؤساء البلديات باسم «جماعته»؟؟
تذكرت والدي المسكين.. باع هكتارات من الأراضي بثمن زهيد من أجل شراء «براكة» فوق أرض لا يملكها البائع.. مات قبل أن يعرف هذه الحقيقة القاتلة.. لكنه على كل حال قضى نحبه متحسرا على قرار اتخذه وقت الغضب.. قرر أن يتخلى عن جميع أرضه.. والهجرة إلى أرض الغير.. وذلك ليس من شيم البدو «الأحرار»..
هكذا نال أهالي الكاريان جزاءهم بعد أن وثقوا في «ولدهم» «حسن» وصوتوا عليه.. تبعوا «ابنهم البار» «أبو أيمن» وفعلوا المستحيل من أجل أن يصبح برلمانيا، فكان جزاؤهم أن تم تمزيقهم.. وتشتيتهم.. وتشريدهم.. دون أن يجدوا من يدافع عنهم..
طيلة المدة التي قضاها «حسن» كرئيس للبلدية لم يغير شيئا من حال المكان.. ازدادت «البراريك».. وانتشر الغبار.. وبقيت «المخلفات الآدمية» تمر أمام «براكتنا».. نما العنف.. وتفشت السرقة.. التي كانت في يوم من الأيام محرمة في منطقتنا.. بدأنا نسمع أيضا عن حوادث الاغتصاب داخل الحي.. حدث أن فشا الفساد في الكاريان في فترة من الفترات، لكن الاغتصاب لم يكن مألوفا أبدا عندنا.. ولا السرقة كذلك..
شاع «التدين».. وكثرت «اللحى».. ونساء الكاريان نصفهن «تحجَّبَ» والنصف الآخر «تنَقَبَّ» (من النقاب).. جزء «تَأَخْوَنَ» وجزء آخر «تسَلَّفَ».. حمل الإخوان لواء الدعوة والتغيير.. و«الجهاديون» تأبطوا «السيوف».. لكن لا أحد استطاع أن «يُغِيرَ» على الفقر.. والهشاشة.. والتهميش.. والجهل.. والعنف المتنامي..
«سي حسن» مرشح الإخوان غدر بالأهالي وتحالف مع أعدائهم للقضاء عليهم بصفة نهائية.. وترحيلهم إلى أقاصي الأطراف.. المساكين صوتوا على «حسن» و«أبو أيمن» ليتحرروا من القهر الذي جثم على نفوسهم.. والظلم الاجتماعي الذي تعايشوا معه.. لكنهم في نهاية المطاف تم إفراغهم بالقوة.. وإرجاع الأرض إلى صاحبها.. ولم يجدوا في النهاية غير «المخزن» الذي آواهم.. هذا «البوغطاط» الذي نقمنا عليه كثيرا، كان هو من ساعدهم وقت الشدة، وسعى في أن تكون لهم «قبور الحياة».. فهي على كل حال أفضل من لا شيء.. وجد الناس أخيرا «الخير» في المخزن ولم يجدوه في الإخوان..
أصبح الكاريان أثرا بعد عين.. جاءته الجرارات والشاحنات من كل مكان.. هدموا المباني.. وأحرقوا البراريك.. والمخلفات.. وكل شيء وجدوه أمامهم.. انطلقت أعمال الحفر.. وتمديد الطرقات.. ونُصِبت أعمدة الكهرباء..
عاينت هذه التحولات بنفسي.. أنتقل إلى المكان كلما سمحت لي الفرصة لمتابعة مصير هذه البقعة التي عشت فيها طويلا.. وحلمت فيها كثيرا.. رأيت تلك الآلات التي حفرت الوادي الحار الخاص بالتجزئة الجديدة.. ووضعت فيها أنابيب عريضة.. حلمت طول حياتي باليوم الذي ندفن فيه «مخلفاتنا» تحت الأرض.. تحقق ذلك الحلم لكن في أرض غير الأرض التي اشتراها أبي.. أخيرا أصبح «وادي المخلفات» يمر تحت الأرض وليس فوقها.. لكن للأسف لن يستفيد منه أهالي الكاريان.. لقد تم تجهيزه وتزيينه لسكان جدد قادمين من مناطق شتى..
مالك أرض الكاريان.. بمساعدة «سي حسن».. وبمباركة «القائد الإسلامي الكبير».. حوَّل المكان إلى مجمع من البنايات الضيقة.. لا فرق بين الأمس واليوم سوى تعويض «البراريك» ببنايات من الياجور (اللبنة) والأسمنت.. لكن على الأقل السكان الجدد تخلصوا من الغبار.. والرائحة المقرفة.. والخيول.. والأبقار.. والعربات الخشبية…
«أولاد الكاريان» غدروا بالناس.. وتنكروا لهم.. استغلوا حاجتهم وفقرهم من أجل تحقيق طموحاتهم السياسية.. اغتنوا على حساب الثكالى والأرامل واليتامى.. ربحوا الكراسي وخسروا الناس.. فازوا بالمناصب وفقدوا مروءتهم وأنفسهم.. نالوا حظا من الدنيا لكنهم خسروا دينهم ونكثوا أيمانهم وتولوا مدبرين..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة