زعماء ووزراء ورجال أعمال لا يتوفرون على شهادة الباكلوريا

زعماء ووزراء ورجال أعمال لا يتوفرون على شهادة الباكلوريا

نال النقاش حول المستوى التعليمي للبرلمانيين المغاربة حيزا هاما من أشغال ممثلي الأمة، سيما بعدما اشترطت فرق الأغلبية الحصول على إقرار شهادة الباكلوريا كشرط لرئاسة الجماعات المحلية. لكن الجدل حول «الباك» حسم بالإبقاء على الوضع كما كان، وأكدت مجموعة من المداخلات على مقاربة جديدة: «الشهادة لا تصنع الشخصية» فآمن بها الراغبون في الجلوس على كراسي المسؤولية السياسية دون الحاجة إلى رصيد معرفي، رغم أن الاختصاصات الجديدة لرؤساء المجالس المنتخبة تفرض رصيدا من الثقافة واليقظة الفكرية.
حسب الباحث بودريس درهمان، فإن البنية المعرفية المهترئة للبرلمانيين المغاربة لا تساعد على الرفع من مستوى الإنتاج التشريعي المدعم لسياسة الدولة، ضاربا مثلا بالبرلمان الفرنسي الذي يتناول بالدرس خلال سنة تشريعية واحدة فقط، 27 ملفا تشريعيا، 17 تقريرا إخباريا، و16 نصا تشريعيا أوروبيا يخص إفريقيا وحدها.
فرق الأغلبية اعتبرت أن إلزام رئيس جماعة بالتوفر على شهادة الباكلوريا، قرار غير دستوري، ومن شأنه أن يحرم مواطنين آخرين من حقهم في الترشح دون قيود معرفية، سيما وأن أحزابا في المعارضة طالبت بمستوى «الباك» كحد أدنى للترشح لمنصب رئاسة جماعة حضرية كانت أم قروية، وتم الاتفاق على تحميل الأحزاب مسؤولية تقديم مرشحين لهم «مستوى تعليمي مقبول» دون أن تحدد طبيعة المستوى المقبول.
تعددت وجهات نظر الأغلبية، بين من طالب بشروط موازية للباكلوريا كالتوفر على صفة سابقة لرئيس جماعة محلية، أو لنائب رئيس جماعة محلية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، ومن الأحزاب من ربط الشرط التعليمي، بـ«التحديات التي ستواجهها الجماعات المحلية في موضوع التنمية».
حسب مسودة مشروع القانون التنظيمي للجماعات المحلية، فإن «الجماعات تمارس اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات منقولة إليها»، كما يمكن هذا المشروع الجماعة من التوفر على سلطة لممارسة صلاحياتها في مجال اختصاصاتها داخل دائرتها الترابية بالنسبة للميزانية، وبرنامج العمل الجماعي، وإحداث شركات التنمية المحلية، أو تغيير غرضها، أو المساهمة في رأسمالها، أو الزيادة فيه أو خفضه، أو تفويته، فضلا عن عقود التدبير المفوض للمرافق العمومية التابعة للجماعة، وكذا العقود المتعلقة بالاختصاصات المشتركة والمنقولة، وهذه اختصاصات جديدة لا يمكن لغير المتعلم فهمها أولا وتنزيلها على أرض الواقع ثانيا.

البطاقة الحزبية أم الشهادات
لم تخضع تعيينات الوزراء في بداية عهد الاستقلال لمنطق معين، فهي لم تخرج عن المنطق المعتمد في باقي التعيينات الحكومية الأخرى. والملاحظ أن التغييرات الحاصلة في استراتيجية التعيين ارتبطت أساسا بالظروف الاقتصادية والسياسية التي شهدها المغرب، إذ كانت الاستعانة في بعض الأحيان بالنخب الحزبية قبل أن يتم التحول إلى التقنوقراط.
ولم يكن الأصل الفاسي وحده محددا أساسيا في عملية الاستوزار، إذ إن 44 في المائة من الوزراء الذين تعاقبوا على تدبير شؤون القطاعات الحكومية ذوو أصول فاسية وأغلبهم استقلاليون.
وحسب الأنتولوجي الأمريكي جون واتربوري، صاحب كتاب «أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية»، فإن النخب الفاسية نخب مدينية «استطاعت أن تحافظ على تقاليدها وتحالفاتها ومكتسباتها، حتى عندما انتقلت إلى مدن أخرى».
في السبعينات أفرز إحصاء أن 60 عائلة مغربية تهيمن على الصناعة المغربية، كان نصفها عائلات فاسية.
لم يختر المغرب «سياسة تربوية تشجع الطبقة المتوسطة، وفضل سياسة حزب الاستقلال الخاصة بالتعريب»، حسب بيير فيرموران، لذا كان عز الدين العراقي الاستقلالي، صاحب تلك السياسة التعليمية التي وسعت الهوة بين (فّاسة) وغيرهم من العائلات الفقيرة.
صحيح أن الحاصلين على شهادة الباكلوريا كانوا يعدون على رؤوس الأصابع في تلك الفترة، إلا أن إجماعا على أن معيار القرابة كان حاضرا في توزيع كعكة المناصب عند مع مطلع فجر الاستقلال. يقول سعيد بونعيلات «سيطر الخونة على مقاليد البلاد حين حصل المغرب على الاستقلال.. آنذاك كان أغلب المقاومين وأعضاء جيش التحرير (حتى القادة منهم) غير متمدرسين ومتعلمين.. وقتئذ كان الخونة وأبناؤهم هم الذين درسوا وحصلوا العلم ونالوا بعض الشواهد، وهم الذين استولوا أيضا على السلطة ومقاليدها».
لم تكن شهادة الباكلوريا تكفي للجلوس على كرسي الوزارة، فالانتماء الحزبي هو المدعم الأول للاستوزار، يكفي أن نعرف مصير واحد من أوائل الحاصلين على شهادة الباكلوريا، ويتعلق الأمر بمحمد بن الحسن التونسي العفاني، الشهير بالأب جيكو، الذي حصل على «الباك» سنة 1918، رحل إلى فرنسا، حيث تلقى تكوينا بنكيا بين سنوات 1918-1922، أهله ليصبح إطارا بمؤسسة بنكية بالمغرب هي «القرض العقاري للجزائر وتونس»، لكن نهايته كانت على نحو سيء حيث مات دون أن يجد ما يشتري به كفنا.

 

الحسن الثاني والباكلوريا
حين ووري الملك الحسن الثاني رحمه الله الثرى، كشف محمد علال سي ناصر، أحد مستشاري الفقيد، عن وجود مسودة كتاب لم يكتب له أن ينشر آنذاك، حمل عنوان «عبقرية الاعتدال»، وهو عبارة عن حوارات أجراها الملك مع الصحفي الفرنسي إيريك لوران، وخصص حيز كبير منها لتقديم الإسلام بمظهر يليق به، والتأكيد على أن التشدد في الإسلام قضية دخيلة لا تمس في شيء سماحة الدين الحنيف كما عرفه المغاربة.
أرسل الكتاب إلى المغفور له الحسن الثاني، وكان وقتها مريضا، وبعد وفاته نشر الكتاب بأمر من الملك محمد السادس، عبر حلقات في صحيفة الشرق الأوسط، بناء على وعد من الحسن الثاني لعثمان عمير بنشر الصحيفة السعودية للنسخة العربية من الكتاب، على غرار ما فعل من قبل مع كتاب «ذاكرة ملك».
بين «عبقرية الاعتدال» للملك الراحل الحسن الثاني وكتاب «ذاكرة ملك»، قواسم مشتركة عبارة عن بوح ناتج عن محاورات قادها الصحافي الفرنسي إيريك لوران. في هذا الكتاب يرصد الراحل بكل جرأة أهمية التعلم في حياته ويشير إلى أن والده السلطان محمد الخامس حاول في أكثر من مرة منعه من الخلافة، خاصة عندما رسب في مادتين في الباكلوريا.  ويروي الحسن الثاني في كتابه «عبقرية الاعتدال» قائلا: «لما علم والدي برسوبي في مادتين من مواد امتحان الباكلوريا التجريبي، استدعاني وقال لي: هل تعرفون تاريخ بلدكم وأسرتكم المالكة؟ فأجبته نعم يا صاحب الجلالة. قال: وهل تعرفون ماذا فعل المولى سليمان؟ فأجبته: نعم يا صاحب الجلالة. فالمولى سليمان سلف من أسلافنا لم يول ابنه عرش المغرب لما رآه غير كفء له، بل جمع العلماء وعقد ولاية العهد لابن أخيه. وأضاف الراحل الحسن الثاني على لسان والده: «هل تخالوني عاجزا عن فعل ما فعله جدي؟ سأمنحكم ثلاثة أيام للتفكير. فإما النجاح في الباكلوريا وإما».
حين كانت الباكلوريا تصنع الوجاهة

يقول عبد الرحيم العطري، الباحث السوسيولوجي، إن «الطبقة المخملية لا تعتمد فقط على الانتماء العائلي وحده من دون الكفاءة، إذ تجمع بين المستوى التعليمي والكفاءات التقنية والأصل الاجتماعي اللائق»، أي أن الباكلوريا وغيرها من الشواهد التي كانت تصنف في خانة الديبلومات العليا ساهمت في صناعة النخب، إلى جانب مقومات أخرى لها ارتباط بالأصول، ومع مرور الوقت أصبحت الشواهد المغربية «دقة» قديمة، كما يقول المصريون، فهرع الميسورون إلى أوربا والمشرق للحصول على شواهد عليا، لذا يؤكد الباحث الجامعي المغربي موحا حجار على أن ما يزيد عن 90 في المائة من كبار المديرين في المغرب هم خريجو مدارس فرنسية.
تقول الدراسة التي أنجزها حجار حول «السياسة التعليمية لمدارس البعثة الفرنسية في المغرب منذ عام 1956 إلى 2004» إن 200 عائلة تحتكر تعليم أبنائها في مدارس البعثة الفرنسية منذ استقلال المغرب إلى اليوم، وكلها عائلات برجوازية من مدن فاس والرباط وسلا». وأشار العطري إلى أن الباكلوريا وحدها لم تكن تفضي إلى كرسي المسؤولية مشيرا إلى أهمية الانتماء إلى عائلة ثرية لمنح الرصيد العلمي المحصل عليه القيمة التي يستحقها، «من بين 339 رجل سلطة مخزنيا تتراوح أعمارهم بين 30 و70 عاما في المغرب، يتحدرون من 50 عائلة فاحشة الثراء».
اليوسي.. وزير داخلية لم يحمل شواهد
لا أحد يجادل في أن لحسن اليوسي هو سليل قبائل أيت يوسي، وهو ابن من الأبناء البررة لمدينة صفرو. ورث السلطة عن والده في مركز القيادة من سنة 1924 إلى الأربعينات من القرن الماضي. وكان لا يتردد في معارضة بعض القرارات غير اللائقة بكرامة الشعب المغربي ووحدته العقائدية التي تصدر عن رجال الحماية الفرنسية، ومنها الظهير «البربري» الذي يكرس التفرقة بين مكونات الأمة.
ويسجل التاريخ أن لحسن اليوسي رفض التوقيع على بيعة سلطان غير شرعي وهو محمد بن عرفة، وحالة الحزن التي سيطرت على لحسن من جراء النفي المفاجئ لمحمد الخامس الذي كانت تربطه به علاقة خاصة، وكان يتردد جلالته كثيرا رفقة ولي عهده الأمير مولاي الحسن على أسرة أيت يوسي بالأطلس المتوسط.
مباشرة بعد الحصول على الاستقلال، أسند الملك محمد الخامس لرفيقه اليوسي حقيبة وزارة الداخلية في حكومة يرأسها امبارك البكاي، كما أسند إليه عضوية مجلس التاج إلى أن انعزل عن السلطة وغادر المغرب إلى إسبانيا، جراء أحداث خطيرة جرت بتافيلالت لأسباب سياسية كادت أن تعصف باستقلال المغرب الفتي لولا تصدي الجيش للمحاولة الانفصالية التي تزعمها القائد عدي وبيهي.
لم ينل لحسن هذا المنصب الحساس لشواهده، فتعليمه لم يكن يتجاوز حدود الإلمام بالفقه والشريعة، بل إن مساعديه في وزارة الداخلية كانوا يخشون عليه من خطبه التي كانت تتم بشكل تلقائي دون سابق تخطيط، كما أنه لم يكن يعرف التعامل مع الهاتف والتكنولوجيا المتوفرة في تلك الفترة، إلا أن ما مكنه من المنصب هو قدرته على استقطاب عدد من المدن والقرى الأطلسية إلى الحركة الوطنية، التي كان يعمل معها ومع جيش التحرير في سرية تامة بنواحي الأطلس، ومساره النضالي الذي كلفه نفيا محليا في بن سليمان ثم إلى الصويرة إلى أن عاد محمد الخامس إلى عرشه.
ويذكر المغاربة الذين عايشوا فترة حكمه حواره مع إذاعة فرنسا الدولية عقب تمرد القائد عدي أوبيهي، سنة 1957، حين كشف عن دوره كمنفذ أوامر ليس إلا، «سأل الصحافي الفرنسي الوزير المغربي عن الدوافع التي جعلته يحشر نفسه في هذه الأحداث، فأجابه لحسن اليوسي قائلا: أنا لم أقم بأي شيء من تلقاء نفسي، بل تلقيت تعليمات من مولاي الحسن لكي أقوم بما قمت به، وأنا هنا لأنفذ ما يملى علي».
ولأن اليوسي كان يتعامل بحسن نية، ولم يكن يملك الحس الاستخباراتي المفترض توفره في رجل دولة يجلس على كرسي الداخلية، فإنه لم يتردد في الاستجابة لطلب القائد المتمرد على النظام، عدي أوبيهي الذي صرح أثناء محاكمته بأنه «تسلم السلاح من وزير الداخلية»، مما حوله من وزير إلى متهم بالمشاركة في مؤامرة ضد النظام، كلفته إعفاء من مهامه في دجنبر من سنة 1958 وبعدها بأيام أصدر قاضي محكمة العدل الخاصة أمرا باعتقاله وإحالته على جلسات المحكمة، إلا أن اليوسي غادر المغرب صوب إسبانيا وهو مؤمن بأن النية الإجرامية لم تكن متوفرة حين زود قائدا بالسلاح لضرب استقلاليين.
نص بلاصة.. «المعقول أكبر ديبلوم»
في أحد دواوير تمنار «حاضرة» منطقة حاحا وعاصمة الأركان، ولد عمر التيسير. في هذه الربوع من المملكة واجه الفتى قسوة الحياة وقسوة الطبيعة أيضا، لكنه تسلح بالتحدي وقرر القفز فوق كل الحواجز الطبيعية والبشرية، ليصنع لنفسه شخصية ملقحة ضد الإحباط الذي يظهر ويختفي في مغرب صنفه الاحتلال الفرنسي في خانة المغرب غير النافع.
ولأن عمر ولد وفي فمه عبارة «أغراس أغراس»، فإنه شمر مبكرا عن ساعد الجد، وقرر خوض معاركه مع كسرة الخبز وعمره لا يتعدى 12 سنة. كان يعرف أن مشوار الألف ميل يبدأ بالخطوة الواحدة، فقرر أن يبدأ مساره بالقفز لا بالمشي، سلاحه الطموح وفكر يقظ وذكاء خارق، استعان به لاختراق عالم رجال الأعمال من خم الدجاج.
بدأ عمر حياته في عالم «البيزنيس» بفكرة جهنمية، أعفى من خلالها نساء دواوير تمنار من التنقل إلى السوق، إذ كان يشتري منهن ما جمعنه من بيض، دون أن يسلمهن مقابل البضاعة.
انقطع عمر عن المسيد وعن جولاته بين الدواوير، وقرر الاشتغال في مجال بناء الطرق. شركة فرنسية كانت بصدد بناء طريق يربط المنطقة بأكادير، وكانت تحتاج إلى كمية من الحجارة المكسرة، لاستعمالها كأسس لبناء الطرق. قفزت إلى ذهن عمر فكرة جهنمية أخرى، فجمع حوله شباب الدواوير وشرح لهم المشروع المدر للدخل، طالبا منهم اقتناء مطارق كبرى والانشغال بكسر الحجارة، على أساس أن يشتري من كل شخص كمية الحجارة التي كسرها في نهاية كل يوم، وحين يجمع أكواما من «المكسرات» يبيعها للفرنسيين الذين يشرفون على شركة تعبيد الطريق، على أن يقوم بأداء ما بذمته لفائدة أبناء المنطقة الذين انشغلوا بكسر الحجارة في ما يشبه الأشغال الشاقة، لكنها منحتهم عائدا ماليا أفضل بكثير من مداخيل بيع البيض بالتقسيط.
لمس أحد المهندسين الفرنسيين جدية الشاب عمر، واقترح إلحاقه بالشركة التي عهد إليها ببناء طرقات المغرب غير النافع، وحين سأله عن مستواه التعليمي، قال عمر: «شهادة المعقول» أو أغراس أغراس بلهجة المنطقة.
ويروى عن عمر أنه منع من ولوج فندق في باريس، لكن حارس البوابة اكتشف أن الشخص المغربي الممنوع من ولوج الفندق هو أحد أكبر المساهمين فيه، ونسجت الروايات الشفاهية حكايات عن اقتنائه لمطعم لمجرد خلاف مع نادل، لكن كل هذه الحكايات تفتقد للحقيقة، لأن عمر لم يكن بهذه التفاهة الفكرية التي تجعله يشتري فندقا أو مطعما لمجرد الرغبة في الاستعلاء، إذ أن شخصيته هادئة وطباعه لا تميل إلى التسيد، وحسه الاقتصادي المتطور يمنعه من دخول متاهات المزايدات المجانية التي لا يجني منها سوى الوجاهة الزائفة.
لكن الرواية الصحيحة هي التي ارتبطت باستقباله من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، والذي سمع عن عصاميته، فوجه له سؤالا غريبا: ماذا كان سيصبح عمر لو تعلم وتابع دراسته بدل دخول عالم المقاولات مبكرا؟
رد عليه عمر بسرعة: كنت سأصبح ساعي بريد أو كاتبا عموميا في أحسن الأحوال.
ربت الملك على كتف الحاج وقيل إنها المرة الأولى التي ينحني فيها الملك لتحية مواطن.
العمراني.. ترأس ثلاث حكومات دون باكلوريا
لا ينتمي كريم العمراني إلى عائلة ثرية، بل له أصول فاسية أقرب إلى البساطة، فقد ولد أواخر سنوات عشرينات القرن الماضي، واشتغل في التجارة كمستخدم مساعد دون أن يشغل باله بالتعليم، وبعد أن أصبح عارفا بأمور البيع والشراء، التحق بمدرسة قرآنية نهل منها علوم الفقه والدين، بموازاة مع ذلك استفاد من شبكة العلاقات التي كونها مبكرا، خاصة مع أهالي فاس بالرغم من طراوته.
التحق كريم بالتعليم الأكاديمي إلا أنه كان يخصص للمحل التجاري حيزا زمنيا كبيرا، بينما كان الفصل المدرسي أشبه بفضاء لحصص إضافية تعينه على فهم الأمور المتعلقة بتدبير تجارته.
انتقلت الأسرة إلى الدار البيضاء، وهناك افتتح محلا لبيع أجهزة المذياع بالمدينة القديمة، و«كان أهم رأسماله، صداقاته التي استطاع أن يربطها بذكاء مع رجال أعمال، خاصة الفرنسيين، ليستفيد من طرق تفكيرهم، خاصة في مجال المال والأعمال، فكانت البداية الموفقة للرجل»، وأصبح بين عشية وضحاها مصنفا في خانة رجال الأعمال.
لم يكن تعليمه المتدني عائقا أمامه في رحلة الارتقاء للسلطة، إذ شغل منصب الوزير الأول خلال ثلاث فترات من تاريخ المغرب، وكان بمثابة وزير الأزمات، ومخلص البلاد من الاختناق الذي ينتابها بين الفينة والأخرى، بل إنه تمكن من قيادة فريق عمل من وزراء لهم تكوين عال دون أن يشعر بأي نقص، بل إنه عين في مناصب تحتاج لرجال علم وتجربة إذ شغل منصب الرئيس المدير العام للمكتب الشريف للفوسفاط. وأصبح دون الحاجة لشهادة علمية اسما مقترنا بالجاه وحسن التدبير، حتى أصبح اسم العمراني مقترنا بالثروة، لكن خلافا لمساره، اختارت ابنته سعيدة المزج بين الخبرة والدراسة، فاستلهمت من والدها طرق التدبير الميدانية ومن كبريات المدارس والجامعات نظريات التدبير مما مكنها من المحافظة على الإمبراطورية المالية، ناهيك عن انخراطها في مبادرات إنسانية تهم بالخصوص مرضى البرص وعضويتها في المجلس الإداري لمؤسسة محمد الخامس للتضامن.
جون أفريك تصنف قادة إفريقيا حسب مؤهلاتهم العلمية
قبل شهرين أنجزت مجلة «جون أفريك» الفرنسية، ملفا لغلافها حول الشواهد الدراسية للقادة الأفارقة، الذين يقضون عقودا في سدة السلطة. وكشفت التقارير الواردة من مختلف العواصم الإفريقية عن الوجه الآخر للزعماء، حيث تبين أن نسبة قليلة منهم حصلت على شهادة الدكتوراه بمناقشة فعلية لأطروحاتهم ومنهم عدد لا يستهان بها نال الدكتوراه الفخرية.
كشف الجرد عن معطيات غريبة، إذ تبين أن بعض الزعماء يجلسون على عروشهم دون الحاجة إلى زاد فكري أكاديمي، وأكدت المجلة أن ملك المغرب محمد السادس يتواجد في الفئة الحاصلة على الدكتوراه أو المتخرجة من مدارس كبرى، حيث حصل على الدكتوراه في القانون من جامعة «نيس صوفيا أنتيبوليس» بميزة «مشرف جدا» وذلك عن أطروحة حول موضوع «التعاون بين السوق الأوروبية المشتركة والمغرب العربي»، متبوعا بخريجي المدارس الفرنسية والأمريكية العليا، كالرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، والرئيس المالِي، إبراهيم أبو بكر كيتا، والرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، إلى جانب زعماء السودان ومالِي وغينيا والموزمبيق وإثيوبيا، علما أن رئيس موريتانيا درس في المدرسة العسكرية بمكناس وتخرج ضابطا منها قبل أن يبحث عن مسارات أخرى. وحل الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة في ترتيب متأخر، إذ تبين والعهدة على المجلة، عدم حصوله على أي شهادة أكاديمية، «شأنه في ذلك شأن رئيس جنوب إفريقيا، جاكوب زوما، وزعيم جيبوتي إسماعيل عمر كليح». ولقد رد الجزائريون على هذا التصنيف دون تقديم ما يثبت دفوعاتهم، واكتفى عدد منهم بالتأكيد على حصوله على شهادة الباكلوريا بميزة جيدة من ثانوية في مدينة وجدة.
تقول المجلة: «هناك زعماء أفارقة يديرون بلدانا لكنهم لم يحصلوا على الباكلوريا، حيث إن رصيدهم العلمي لا يتجاوز «مستوى الباكلوريا»، وهم رئيس رواندا، بول كاجامِي، والرئيس الأوغندِي، يويري موسيفيني، والرئيس الغامبي، يحيى جامع، وملك سوازيلاند، مسواتِي الثالث». بل إن البحث أكد أن أربعة قادة فقط هم الذين درسوا «العلوم السياسية والعلاقات الدولية».
الباكلوريا لم تعد شرطا للاستوزار
تعرض محمد مبديع، منذ تعيينه في منصب وزير منتدب لدى رئيس الحكومة مكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، لحملة انتقادات واسعة، لأنه لم يحصل على شهادة الباكلوريا. وقالت بعض المنابر الإعلامية إن خلافا بين أستاذ فرنسي الجنسية وابن الفقيه بن صالح تسبب في مغادرته قاعة الامتحان دون استكمال الاختبار ليصدر قرار بتوقيفه. لكن الرجل الذي كان يحلم بمنصب في مجال الطاقة والمعادن، قفز فوق حاجز الباكلوريا وحصل على شهادة في هذا التخصص من المعهد الفرنسي بعد إدراج اسمه ضمن لائحة الأشخاص المختارين للدراسة بمعهد فرنسي لمدة ستة أشهر على نفقة الدولة التي منحته «بورس».
السيرة الذاتية للوزير لا تشير إلى نكبة «الباك»، إلا أن الرجل لقي معارضة أثناء استوزاره، أو اقتراحه من طرف امحند العنصر ليخلف الحركي الكروج في منصب «تحديث الإدارة العمومية»، وقيل إن الاعتراض ناتج عن سوابق انتخابية في دائرته الفقيه بنصالح التي يرأس مجلسها البلدي، حيث سبق أن اتهمه حزب العدالة والتنمية، الذي يقود الحكومة، باستعمال المال لاستمالة الأصوات.
لكن حزب الحركة الشعبية يرفض هذه الفرضية ونشر سيرة الوزير إذ يؤكد حصوله على صفة «مهندس رئيس للمعادن حاصل على دبلوم المدرسة الوطنية العليا للتقنيات الصناعية والمعدنية بفرنسا». والتأكيد على اشتغاله في بداية حياته المهنية بوزارة الطاقة والمعادن حيث كان مكلفا بوضع مخطط كهربة العالم القروي، قبل أن يتقلد سنة 1987 منصب رئيس مصلحة الشؤون العامة والإدارية وبعدها تقلد سنة 1992 منصب الكاتب العام لمركز تنمية الطاقات المتجددة، وهي مناصب قال رفاق مبديع بأنها تتطلب علما واسعا.
ظل نموذج الثري عمر «نص بلاصة» حاضرا في الجدل القائم حول جدوى الشواهد والديبلومات، في نقاش بيزنطي يطرح إشكالية الحاجة إلى التعليم الأكاديمي أو الاكتفاء بالخبرة الميدانية والدروس المستقاة من مدرسة الشارع.
هناك العديد من الشخصيات القيادية من سياسيين ورجال أعمال وزعماء سياسيين، وقعوا على نجاحات باهرة وبلغوا أعلى درجات الجاه والشهرة دون أن يحصلوا على شهادة الباكلوريا، التي تعد الحد الفاصل بين التعليم الثانوي والجامعي وتأشيرة العبور إلى مرافئ التعلم الكبرى، لمن استطاع إليها سبيلا.
في مغربنا العديد من الشخصيات التي مارست السلطة السياسية والاقتصادية والرياضية أيضا دون أن تكمل تحصيلها العلمي ومنهم من اكتفى بالحد الأدنى من الزاد العلمي وفئة لم تبدأه أصلا فصرفت النظر عن الدراسة دون أن يصرف الزمن عنها واسع النظر.
شخصيا لست من هواة الترويج لهذا الطرح، الذي يجعل العلم والمعرفة أمرا ثانويا، فرغم أن كثيرا من الشخصيات المؤثرة لا تملك شهادة تعليمة، إلا أن اطلاع الأبناء على هذه النماذج الناجحة في غياب زاد معرفي يصبح أمر محبطا للعزائم، وقد يتخذونها ذريعة لصرف النظر عن التحصيل.
تروج عشيرة الكرة لمقولة «إلا ما جابها القلم يجيبها القدم»، في إشارة إلى أهمية الجمع بين الكرة والتعليم، والإيمان بقدرة الكرة على صنع شخصية تاهت في درب الدراسة. الكثير من النماذج الناجحة لم تحصل على شهادة الباكلوريا لكنها حققت من الشهرة والجاه والمكانة الاجتماعية ما لم يحققه حملة أكبر الشواهد وأعتدها في سوق الشغل.
وفي عالم السياسة برز كثير من القياديين الذين امتلكوا موهبة الخطابة، رغم أن عبورهم في الفصول الدراسية كان أشبه بعابري سبيل، وحين طرحت إشكالية المستوى التعليمي لرؤساء الجماعات وطلب من المرشحين الحد الأدنى من التعلم، ركضوا نحو أقرب مصمم شواهد لصناعة شهادة مدرسية أشبه بتوابل الوجاهة.
وعندما طرح الموضوع للتصويت في البرلمان تحول إلى نقطة خلاف بين فرق الأغلبية، إذ طالبت أحزاب منها بألا يقل مستوى رئيس الجماعة عن الباكلوريا، وشددت أحزاب أخرى على عدم تحديد المستوى الدراسي، باعتبار أن هذا المطلب غير دستوري، ويتعارض مع حق جميع المواطنين في الترشح دون قييد أو شرط، قبل أن تنتهي المواجهة لفائدة دعاة «الأمية لا تفسد للسياسة قضية».
في مجال المال والأعمال يعتبر عمر «نص بلاصة» نموذجا لمقاول تخرج من مدرسة الحياة، وتعلم المبادئ الأولية لأهم النظريات الاقتصادية في سوق القرية، دون أن تطأ قدماه المدرسة لسبب بسيط هو بعدها عن الدوار بما لا يقل عن خمسين كيلومترا.
أن تحصل على شهادة الباكلوريا، فهذا لا يعني نيل الزاد العلمي، فهي مجرد تأشيرة عبور نحو تخصص يسكن حامليها، بالرغم من إصرار حامليها على تدني قيمتها في سوق الشغل، في زمن يصطف فيه مئات الحاصلين على شواهد عليا في طوابير مكاتب الشغل.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة