الرئيسية

زلزال المقاطعة يضرب الحكومة و«البيجيدي»… و المعارضة تشهر سلاح ملتمس الرقابة

 إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي – كريم أمزيان

 

 

 

 

 

 

وصلت ارتدادات حملة مقاطعة بعض المواد الاستهلاكية، إلى الحكومة، بعدما عصفت برأس الوزير لحسن الداودي، كما وصلت إلى داخل الأغلبية الحكومية وحزب العدالة والتنمية، ما ينذر بأزمة حكومية أخرى، بعد أزمة «البلوكاج» التي شهدتها الحكومة أثناء ولادتها العسيرة. وما يهدد بتعميق الأزمة شروع المعارضة البرلمانية في مسطرة تقديم ملتمس الرقابة، الذي يؤدي، في حال التصويت عليه بالأغلبية المطلقة، إلى سقوط الحكومة.

 

تمر حكومة سعد الدين العثماني بأول أزمة منذ تعيينها قبل سنة، وذلك بسبب استمرار حملة المقاطعة للمنتوجات الاستهلاكية لثلاث شركات، والتي وصلت تداعياتها إلى داخل الأغلبية الحكومية وإلى حزب العدالة والتنمية، الذي يعرف انقساما داخليا بخصوص طريقة التعامل مع الوضع، خاصة بعد تقديم وزير الشؤون العامة والحكامة، والقيادي بالحزب، لحسن الداودي، طلب إعفائه من مهامه الحكومية، بعد الضجة التي أحدثتها مشاركته في وقفة احتجاجية نظمها عمال شركة إنتاج الحليب «سنطرال» أمام البرلمان. وبذلك ستكون الحكومة في مواجهة ثاني تعديل في ظرف سنة واحدة، بعد الزلزال السياسي الذي أطاح بأربعة وزراء دفعة واحدة.

 

ارتباك داخل الحكومة و«البيجيدي»

أطاحت حملة مقاطعة بعض المواد الاستهلاكية برأس الوزير لحسن الداودي، الذي طلب إعفاءه من مهامه الحكومية، بعد حملة من الانتقادات التي تعرض لها على خلفية مشاركته في وقفة احتجاجية لعمال شركة «سنطرال» أمام البرلمان، بحيث سارع إلى وضع طلب إعفائه على مكتب رئيس الحكومة، قبل مرور 24 ساعة على مشاركته في الوقفة، التي أثارت الكثير من الجدل وسط الرأي العام الوطني، وعلى ضوء ذلك سارعت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية إلى عقد اجتماع استثنائي، لمناقشة الموضوع. وأكد بلاغ صادر عن الاجتماع، أنه بعد استعراض مختلف المعطيات ذات الصلة وتداول أعضائها في الموضوع، أكدت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن مشاركة الداودي في وقفة احتجاجية أمام البرلمان «تقدير مجانب للصواب وتصرف غير مناسب»، وأعربت عن «تقديرها لتحمل لحسن الداودي المسؤولية بطلب الإعفاء من مهمته الوزارية»، مشددة، في الوقت ذاته، على «رفضها لبعض التصريحات والتدوينات غير المنضبطة لقواعد وأخلاقيات حرية التعبير الصادرة عن بعض مناضلي الحزب والمسيئة له».

مناقشة الأمانة العامة للحزب لموضوع إعفاء الداودي من مهامه الوزارية، خلقت نقاشا وجدلا دستوريا حول أحقية الحزب في حسم موضوع الاستقالة من الحكومة قبل توصل الديوان الملكي بها، حسب المسطرة المنصوص عليها في الفصل 47 من الدستور، والذي ينص على أنه «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها»، ويضيف «للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم، ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم، الفردية أو الجماعية، ويترتب عن استقالة رئيس الحكومة إعفاء الحكومة بكاملها. تواصل الحكومة المنتهية مهامها، تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة».

وسارع سليمان العمراني، نائب الأمين العام للحزب، إلى إصدار بلاغ مرتبك لتصحيح البلاغ الأول، الذي تضمن فقرة تشير إلى مداولة الأمانة العامة للحزب في استقالة الداودي. وأوضح العمراني أن الأمانة العامة لم تتلق أي طلب إعفاء من المهمة الوزارية من الداودي، الذي اعتذر عن حضور الاجتماع، وإنما أخذت علما به، وثمنت موقفه الشجاع، مشيرا كذلك إلى أن الأمانة العامة لم تناقش طلب الإعفاء المذكور، لأن ذلك ليس من اختصاصها ولم يكن مدرجا في جدول أعمالها، ولم يعرض على المجتمعين بأي شكل من الأشكال. وأكد البلاغ أن الأمانة العامة حريصة كل الحرص على احترام اختصاص المؤسسات الدستورية والتقيد بمقتضيات الدستور الواضحة في هذا الإطار.

وفسر المحلل السياسي، عمر الشرقاوي، إصدار بلاغ ثان من طرف قيادة حزب العدالة والتنمية، بالارتباك الذي يعرفه الحزب، عندما أدرك أنه ارتكب خطأ دستوريا وسياسيا جسيما في موضوع حساس يحسم أمره في القصر وليس في مقر حزب، في الدستور وليس في النظام الداخلي للحزب، في علاقة رئيس الحكومة بالملك وليس في علاقة عضو الأمانة العامة بأمينه العام. وأوضح الشرقاوي أن الأمانة العامة أعلنت في بلاغها الأول تقديرها لتحمل الداودي لمسؤوليته بطلب الإعفاء وفي الوقت نفسه، خرج بلاغ ثان ليقول إن الأمانة العامة لم تناقش الإعفاء، وأضاف «إذن كيف يكون التقدير والتثمين دون مناقشة ومدارسة؟»، مشيرا إلى أن البلاغ الثاني يقول إن طلب الإعفاء لم يكن مبرمجا ضمن جدول أعمال الأمانة العامة، لكن البلاغ الأول يشير إلى الموضوع، ما يؤكد أنه كان مبرمجا في الاجتماع.

 

ارتدادات المقاطعة

من جانبه، يرى الأستاذ محسن إدالي، نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، وصول ارتدادات حملة المقاطعة إلى الحكومة وحزب العدالة والتنمية الذي يقودها، بأنها مسألة طبيعية في ظل واقع سياسي مرتبك. فبحسبه، العديد من المؤشرات منذ ولادة الحكومة الحالية تؤكد أن الانسجام الحكومي ضعيف وينهار يوما بعد آخر. وكل المتتبعين يؤكدون أن ما يحدث حاليا في بلادنا ليس إلا نتيجة طبيعية لهذا الاحتقان في الأغلبية الحكومية من جهة، وداخل مكونات الأحزاب المشكلة للحكومة من جهة أخرى، وخاصة حزب العدالة والتنمية الذي لا يختلف اثنان على أنه يعيش أصعب فتراته سواء على المستوى الداخلي من خلال تباعد وجهات النظر بين التيارات المتصارعة، أو على المستوى الخارجي في إطار رئاسة الحكومة وتدبير المرحلة التي تميزت بالعديد من الأزمات الاجتماعية والمشاكل الاقتصادية.

ويرى إدالي أن الصعوبات تعيشها أيضا الأحزاب الأخرى المشكلة للأغلبية بمقاييس مختلفة، وهذا في ظل معارضة لم توفق في لعب دورها إما بفعل صراعات داخلية أو بفعل عدم اتخاذ مواقف أساسية كفيلة بتصحيح الاختلالات وخلق التوازن السياسي، وافتقادها للقاعدة الاجتماعية وللامتداد الشعبي.

واعتبر المتحدث ذاته، أن المقاطعة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، لأنها كشفت واقع المشهد السياسي في عمقه الحزبي، مشيرا إلى أنه كان لطريقة التفاعل الحكومي معها، والذي تميز بالتحفظ والتبسيط وعدم الاكتراث، وتوظيف خطاب مبهم ومتشنج ومستفز… بالغ الأثر في تضخم الأمر بشكل جعل الحكومة في ورطة حقيقية، وفتح المجال على جميع التأويلات. وأورد المتحدث ذاته أن الارتباك الحكومي اتضح في خرجات العديد من الوزراء غير المحسوبة، والتي أساءت التقدير وأزمت الوضع أكثر، كان آخرها اصطفاف الداودي إلى جانب المتظاهرين أمام البرلمان، وما أفرزه من ردود فعل قوية اعتبرت الأمر مواجهة صريحة مع المقاطعين ودفاعا واضحا لشركة «سنطرال»، علما أن القراءة قد تختلف بين التشكيلات الحزبية والنقابية والمجتمع المدني، إلخ.. غير أن دفوعات الوزير لم تقنع الأغلبية على اعتبار أن عمال «سنطرال» والفلاحين وأيضا منتجي الحليب، لا يختلفون عن باقي العمال الذين عانوا ولا زالوا من التسريح وإغلاق المعامل وإفلاسها دون أن يكون رد فعل الداودي كما هو عليه الآن .

 

أزمة حكومية

بخصوص تقديم لحسن الداودي، وزير الحكامة، لاستقالته طبقا للفصل 47 من الدستور، فإن ذلك يؤكد، وفق إدالي، حجم الأزمة الحكومية في بعدها الداخلي والخارجي أيضا، كما أنها تؤكد تباعد وجهات النظر بين مكونات الأغلبية وداخل الأحزاب المشكلة لها. هناك من قرأها بوصفها شجاعة من الوزير وتحملا للمسؤولية، لكن البعض الآخر حذر من إضفاء صبغة البطولة على الفعل، مؤكدا على أن سوء التقدير والمواقف غير المحسوبة وما آلت إليه المقاطعة أضرت بالحكومة وبالحزب وبدأت ارتداداتها تطيح بالمسؤولين، إلا أن القراءة الصريحة هي أن ما حدث هو استمرار لأزمة الأغلبية وامتداد لضريبة نشأتها المعطوبة وغير المنسجمة، التي زادتها الأوضاع الاجتماعية تأزما.

وبرأي محسن إدالي، فإنها ليست أول أزمة، بل هي استمرار لها منذ انتخاب العتماني بعد «البلوكاج» الأول، علما أن الزلزال السياسي وما تلاه من «بلوكاج» ثان أربك التشكيل الحكومي في بنيته، وجعل الاختلال وعدم الانسجام سيد الموقف، حيث برز الصراع بين الأغلبية وداخل مكونات الأحزاب المشكلة لها، وامتد ذلك إلى المواقف المتضاربة للنقابات المنتمية لها، لتختلط المواقف ويلتبس الاصطفاف في المعارضة أو الأغلبية. هذا الوضع، وأمام شخصية رئيس الحكومة واستمرار تركة عبد الإله بنكيران وتصريحاته تجاه زعماء حزبي التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي، وما أفرزته تلك التصريحات من تجاذبات قوية داخل حزب العدالة والتنمية بين معارض لها ومؤيد، أربك كل الحسابات وجعل شخصية الحزب تفقد نسبة مهمة من خصوصيتها. واتضح ذلك بشكل واضح في أزمة المقاطعة منذ بدايتها إلى الآن. وما تؤكده التطورات الحالية هو أن حزب العدالة والتنمية يعيش مخاضا عسيرا، واختلالا بنيويا وأزمة تواصل في الخطاب، فهل سيمتد ذلك إلى قاعدته الاجتماعية وامتداده الشعبي؟

ويطرح كثيرون إمكانية سقوط الحكومة، فيما يعتقد محسن إدالي أن هذا غير مؤكد ورهين بمكونات المشهد السياسي بأكمله، مضيفا صحيح أن الحكومة تحملت الضغط الكبير بخصوص المقاطعة، وخاصة حزبا العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، إلا أن سوء تقدير الحكومة في خرجاتها للمقاطعة وعدم احتوائها سياسيا بشكل ذكي وتشاركي، إضافة إلى الاختلال البنيوي الذي ميز الحكومة الحالية منذ نشأتها.. كلها آليات قوضت الفعل الحكومي المنسجم، وساهمت في تباعد وجهات النظر وارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي وتراجع كبير لمؤشر الثقة الضروري لاشتغال الحكومة بشكل طبيعي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وعليه فكل الاحتمالات ممكنة في ظل الوضعية الراهنة .

وبخصوص أحزاب المعارضة، وخاصة «البام» وحزب الاستقلال، قال إدالي إنه قد يشتغل في هذا المنحى، خاصة إذا أثبتت قراءته للوضع السياسي أن الفرصة سانحة لحجب الثقة، علما أن المسألة ليست سهلة نظرا لوضعيتهما الحالية، فـ«البام» حديث تجديد أمينه العام بعد فترة من الفتور والصراع وصعوبات التموقع، إضافة لمساره منذ نشأته، والحمولات التي لا زالت لصيقة به، أما الثاني فوضعه لازال في طور الترتيب بعد مرحلة شباط وترؤس نزار بركة للحزب والانتخاب العسير لرئيس المجلس الوطني، وأيضا بعد أن قطع مع مرحلة الدعم النقدي للحكومة والتخندق في صف المعارضة، علما أن مسألة حجب الثقة لا تخلو من خطورة على المستوى السياسي وعلى مستوى موقع الحزب داخل المشهد السياسي حاليا، وأيضا ارتباطا بالسياق الحالي الذي فرضته العديد من الأحداث، وخاصة المقاطعة، دون إغفال القاعدة الشعبية الضرورية لتمرير الإجراء وإعطائه المشروعية في الشارع المغربي.

وعن السيناريوهات المطروحة، أكد إدالي أنه من المستبعد أن تكون هناك حكومة وحدة وطنية، على اعتبار تباعد وجهات النظر بين الأغلبية والمعارضة في الوقت الراهن، وأيضا نظرا لما تعرفه الكثير من الأحزاب من صراعات داخلية، ونظرا لتبادل الاتهامات في ما يرتبط بالمقاطعة في أصلها ومن المستفيد منها ومن وظفها أو ساهم في توظيفها… إلخ.. طريقة التعامل مع المستجدات هي الكفيلة بتوضيح الرؤية السياسية على اعتبار اللبس الذي يكتنف العملية برمتها في وقتنا الراهن، فالارتباك هو سيد الموقف والأحداث تتواتر، علما أن المرحلة لا تتحمل المزيد من اللبس والتسويف، فكرة الثلج يجب أن تقف عن التدحرج، وهذا يتطلب شجاعة سياسية ذكية منسجمة مع الواقع الاجتماعي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق