GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

زمن الوزراء المعممين أصحاب كتب الفقه

زمن الوزراء المعممين أصحاب كتب الفقه

«بعضهم كانوا حاملين للقرآن الكريم وحافظوا على الجلباب واللحية الطويلة والمنظر التقليدي.. وجدوا أنفسهم هكذا وزراء في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال، وبعضهم جرب الوزارة قبل الاستقلال مثلما وقع لشيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي، لكن رجلا آخر مثل لحسن اليوسي وجد نفسه وزيرا للداخلية وما أدراك ما الداخلية؟ وآخرين كانوا إلى جانب هؤلاء في مجلس التاج الذي كان مجلسا استشاريا للملك شخصيا وكانوا كلهم فقهاء، إما مؤلفين في علوم الفقه وإما أنهم تقليديون يحفظون القرآن والأشعار واستحقوا لقب «الفقيه».

طرائف علماء دين أصبحوا وزراء
بالرغم من أن حياة هؤلاء لا تحتمل طرافة، إلا أن وصولهم إلى الوزارة وجلوسهم مع وزراء «حداثيين» في النسخة الأولى لحكومة المغرب بعد الاستقلال سجل قصصا تستحق أن تُروى.
تقول بعض الروايات إن رئيس الحكومة في 1956 امبارك البكاي الهبيل، كان مرة يجلس في جلسة خاصة مع وزراء من الحكومة وقتها، وكان معهم بعض أصدقاء الفقيه الذي كان مشهورا بلقب «شيخ الإسلام» محمد بن العربي العلوي، فكان أن همس أحد الحاضرين لامبارك البكاي، الوزير الأول، وقال له ممازحا إن الفقيه العلوي يصلح أن يكون وزيرا أول مكان امبارك البكاي إذا رحل عن منصبه، فأجاب البكاي بكثير من الذكاء، وهو الذي عرف عنه اطلاعه على مظاهر الحياة الفرنسية واحتكاكه بالفرنسيين وتكوينه العسكري: «سأكون محظوظا لو كنت فقيها». وكان كلام البكاي يحمل رسالة مبطنة مفادها أنه كان يعلم جيدا أن الاستقلاليين الذين كانوا يحاربونه وغير راضين عن حكومته، لا يستطيعون أبدا انتقاد شيخ الإسلام لأن قاعدة الذين يكنون له التقدير أكبر من أن تُجيش ضده ولا لأن تدعو إلى إسقاط تجربته. مرت الأسابيع وتحولت إلى أشهر، وكان البكاي محقا لأن تجربته الحكومية توقفت وتم تعديلها لتستأنف عملها لفترة قصيرة قبل أن تتوقف نهائيا ويدخل المغرب تجربة حكومية أخرى.
أما المهدي بن بركة، وهو الذي كان معروفا بانفتاحه واطلاعه على الثقافة الغربية وخطه الحداثي ورؤيته العصرية للدولة، فقد كان يحتفظ بعلاقة طيبة مع شيخ الإسلام العلوي، وكان يُنظر إليهما بكثير من الطرافة لأنه كان غريبا وقتها أن ينسجم يميني بأفكار محافظة مع يساري كتب عن الثورة وتصورات اقتصادية ومؤسساتية لتأسيس الدولة. فكان طريفا فعلا أن تجد شيخ الإسلام، الذي كان يجلس مع الحسن الثاني وليا للعهد على حصير واحد بدون «ترتيبات» احتراما من الملك الراحل لمكانته العلمية، يجلس لاحقا في كراسي وطاولات النقابة في مقرها لتنظيم ندوة عن ضرورة مقاطعة الدستور، وينبري بغضب لينتقد محيط الملك الحسن الثاني بداية الستينيات خصوصا رضا اكديرة الذي لم يكن يتردد هو الآخر في انتقاد شيخ الإسلام. كل هذا جاء بعد وضع الأخير استقالته من مجلس التاج احتجاجا على حملة اعتقال الاتحاديين وقدماء المقاومة في 14 فبراير 1960. وبدأت وقتها علاقته بدواليب القرار تزداد ارتباكا إلى أن توارى إلى الخلف، دون أن يفقد مهابة الفقيه التي أدخلته إلى مربع السلطة منذ البداية.
شيوخ آخرون، سنأتي إلى قصصهم كانوا يجمعون بين الحزم والجدية، وبين الطرافة التي تجد طريقها إليهم بمجرد ما أصبحوا وزراء في الدولة بالمفهوم الجديد للوزارة. فالفرنسيون كانوا يستغربون من بقاء النماذج القديمة للوزراء في ظل تشكيل أول حكومة عصرية بعد الاستقلال، ليمسك المعينون فيها تدبير شأن وزارات أسستها فرنسا بالمفهوم الحديث للوزارة.
أما اليوسي، القادم من الأطلس، فقد أسندت إليه وزارة الداخلية في أول حكومة عصرية في المغرب، وهكذا كان من الطريف أن يكون وزير الداخلية الجديد الذي لم يكن ينزع الجلباب، مطالبا بتدبير وزارة لا تزل تضم أطرا فرنسية ومهندسين في التوزيع الترابي وكتابة التقارير الداخلية بالطريقة الإدارية. كل هذه أمور لم يكن اليوسي يفقه فيها شيئا، لكن تعيينه وزيرا للداخلية وقتها كان من أجل ضبط القبائل، والاستفادة من التراكمات التي يتوفر عليها الرجل بناء على مساره السابق على رأس قبائل الأطلس، وعلاقاته الوطيدة برجال القبائل، فقد استمد الرجل شرعية كبيرة بناء على ما لحقه من مضايقات فرنسية عندما رفض التوقيع على مطلب نفي محمد الخامس ودعم بن عرفة. لكن أطرف ما رُوي عن لحسن اليوسي وزيرا للداخلية، أنه أثار حفيظة بعض موظفي الداخلية الفرنسيين، عندما رفض حضور حفل رسمي أقامه موظفو وزارة الداخلية الأوائل، عندما كانت تعج بالموظفين الفرنسيين، وكان رفضه للحضور مدعاة لسخرية أولئك الموظفين وشككوا في قدرته على حضور المحافل الرسمية وإلقاء الخطب المرتجلة، لكنه سيصفع توقعات الجميع، عندما اختار أن يكون رجل الظل رغم أنه وزير ويدبر، ما عجزت فرنسا عن تدبيره إداريا، فوق الميدان.

لماذا كان يخاف الأجانب من الفقهاء في مناصب وزراء الدولة

تسجل عدد من المراجع التاريخية، الأجنبية خصوصا، كيف أن ممثلي الوفود الدبلوماسية والسفراء والقناصلة، كانوا يتخوفون من فقهاء الدولة الذين كانوا في مناصب وزارية. مراجع كثيرة وقع أصحابها في أخطاء قاتلة، لأنهم اعتبروا أن بعض وزراء الدولة خصوصا في أيام الحسن الأول، فقهاء ورجال دين وصلوا إلى الوزارة، وسبب الالتباس هو توحد اللباس بين الفقهاء والوزراء، وهو ما جعل عددا من الرحالة والصحفيين الأجانب يخلطون بين الوزير والفقيه. لكن يبقى اشتراك الفقيه مع الوزير في اللباس إشارة قوية إلى تشبع وزراء الدولة القدامى بالمرجعية الدينية وحفظهم التام للقرآن الكريم وبعض العلوم الشرعية، لأن الوصول إلى الوزارة كان رهينا بهذه الأمور. وهكذا تكون جيل من الوزراء كانوا يحفظون الشعر وينظمونه، وبدا الأمر واضحا في رسائلهم الرسمية التي كانت ترفع إلى القصر، إذ كانت أشبه بالمواعظ ولا تخلو من لغة الفقهاء التي تعلموها بفضل تكوينهم الديني القديم. من أطرف ما روي في هذا الباب، أن السيد ماكلين الأسكتلندي الأصول والذي أصبح برتبة «قايد» بعد أن قرر الاستقرار بالمغرب نهائيا كان يجد صعوبة كبيرة في التفريق بين الفقهاء والوزراء الذين لم يكونوا كذلك، وكان يجد أنهم في النهاية كلهم فقهاء ما داموا يحفظون القرآن الكريم ويواظبون على الصلاة ويكتبون خطاباتهم بلغة دينية عتيقة.
كان ماكلين يتأسف لضيوفه الأجانب في كل مرة يزورنه فيها، خصوصا منهم القادمين من طنجة التي كانت منطقة دولية تعج بمقرات القنصليات والسفارات الأجنبية التي تبحث لها عن موطئ قدم في شمال إفريقيا، إذ كانوا يسألونه إن كان يستطيع تنظيم حفلة يحضرها وزراء مغاربة للتعرف عليهم، لكن ماكلين كان يضحك كثيرا قبل أن يشرح لهم أن الوزير المغربي، وقتها، سواء كان وزيرا للعدل أو وزير تجارة، فإنه ينام باكرا حتى يستيقظ لصلاة الفجر، ولا أمل في حضوره لحلفة يأتي فيها القناصلة بزوجاتهم، لأن رؤية زوجة الوزير كانت من سابع المستحيلات في ذلك الوقت، وهكذا تكرست أكثر تلك النظرة التي راكمها الغرب عن الوزراء المغاربة بكونهم فقهاء محافظين لم يكونوا يعرفون أي شيء عن عالم «البروتوكول»، وهو ما كان يزيد من توسيع الهوة التي وقعت في وقت سابق بين موظفي الدولة المغاربة والوافدين الأجانب إلى المغرب.
هذا الأمر جعل الأجانب يقررون التركيز على عقد وساطاتهم مع التجار وبعض المخزنيين الذين كانوا بعيدين تماما عن عالم الوزارة ليتولوا مهمة تسهيل إقحامهم وسط منظومة «المخزن» حتى يستطيعوا النفوذ إلى أصحاب القرار، والفوز باتفاقيات مع المغرب.
نهاية زمن الوزراء الفقها، تكفل بها الزمن، بعدما أصبحت الوزارة تتطلب أمورا أخرى، لم تكن تتوفر في الفقيه. في هذا الملف لن نتطرق إلا القدامى، لأنهم كانوا فقهاء بالضرورة، وسنمر إلى الذين شكلوا الاستثناء، منذ أول حكومة مغربية عصرية، ودخلوها بالجلباب بدل البدلة الرسمية وربطة العنق.

الفقيه بن العربي العلوي.. وزير العدل الذي درّس أبناء المولى عبد الحفيظ واستقال من مجلس التاج ودعا إلى مقاطعة الدستور

لم يكن الفقيه محمد بن العربي العلوي، الذي يعتبره الكثيرون مؤسس السلفية بالمغرب وأبا للحركة الوطنية أيضا، يعلم أن نهايته السياسية ستكون «اضطرارية» وهو الذي ألف خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، أن يتبوأ أعلى المناصب في القضاء قبل أن يصبح وزيرا للعدل سنة 1938. مكانته العلمية، وهو القادم من تافيلالت نواحي الرشيدية، كانت لتشفع له لكي يقتحم عالم الرباط والأعيان مبكرا، معتمدا على رصيده العلمي وعلى أصوله العائلية التي تنتسب لشجرة الشرفاء. لكن الفقيه محمد بن العربي العلوي كان واحدا من الذين قرّبهم الملك الراحل محمد الخامس منه، وشاركوه في استشارات مصيرية.
أما بالنسبة لمساره الوزاري، فبحكم تكوينه الديني وحفظه المبكر للقرآن الكريم في مسقط رأسه، فإنه كان يراكم لوازم «بروفايل» العالم الذي سيتبوأ القضاء، وهكذا بدأ في البت في القضايا في المحاكم الصغيرة التي كانت تقام في الأسواق، حسب المناطق. لكن قبل ذلك، من المثير أن نعرف أنه في 1912، بعد توقيع المغرب على معاهدة الحماية ورحيل المولى عبد الحفيظ عن فاس، فإن الفقيه محمد بن العربي العلوي كان قد غادر أيضا في اتجاه طنجة، ليقبل مهمة تدريس أبناء المولى عبد الحفيظ والإشراف على تعليمهم. لكنه سيعود بعد فترة قصيرة، لمزاولة مهامه في العدل بفاس، واستمر لسنوات ليتوج مساره بترؤسه لمحكمة الاستئناف بالرباط سنة 1928، وهكذا بدأ الطريق نحو الوزارة يتعبد، إلى أن أصبح رسميا وزيرا للعدل بعد عشر سنوات بالضبط، ليكون واحدا من الأجيال الأخيرة للوزراء التقليديين على الطريقة المخزنية العريقة، ثم تغير كل شيء في بداية الستينات، لأن الفقيه محمد بن العربي العلوي، كان خلال الأربعينات قد بدأ يميل في اتجاه السياسة ودعم المقاومة والحركة الوطنية، لتكون مكانته العلمية وميوله السلفي المعتدل، وسيلة لجذب الكثير من الأنصار. وبعد ذلك عادت عليه السياسة بالمشاكل، حتى أن الفقيه بن العربي كان قد تعرض للنفي بسبب موافقه الوطنية خلال الأربعينات، كما وقع للفقيه المختار السوسي الذي كانت تجمعه بالفقيه بن العربي علاقة وطيدة. وكلاهما جرب «لعنة» النفي والتضييق خلال تلك الفترة بسبب المواقف الوطنية أيام الاستعمار وعدم التطبيل لفرنسا.
لكن المنعطفات التي عرفها المغرب، منذ سنة 1960، أي سنة واحدة قبل وفاة الملك الراحل محمد الخامس، وبعد الاستقلال بطبيعة الحال، جعلته يعيد النظر في كثير من علاقاته خصوصا مع قياديين في حزب الاستقلال، حيث كان في ما قبل يحتفظ بعلاقة طيبة مع جميع الأطياف لأنه زاوج بين احترام السياسيين له كوزير سابق قبل مجيء الحكومات، وكرجل له كلمته المسموعة في أوساط المشايخ الذين دعوا من المنابر إلى اعتناق الحركة الوطنية ودعمها.
المنعطفات التي عرفتها السياسة أيام كان الفقيه محمد بن العربي العلوي عضوا في مجلس التاج، ومواقفه الداعمة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي أسسه المهدي بن بركة، كلها جعلته يحتفظ لنفسه بعلاقة متوترة، ليتكلل الأمر بدعوته الصريحة إلى مقاطعة الاستفتاء على دستور 1962، وكان وقتها قد انسحب من مجلس التاج ووضع استقالته احتجاجا على اعتقال بعض قدماء الحركة الوطنية والمقاومين، وكان قد سجل موقفا تاريخيا شجاعا عندما صارح الملك الراحل محمد الخامس بأنه لا يتصور كيف أن هؤلاء الناس الذين خرجوا في المظاهرات وغامروا بحياتهم للتعبير عن رفضهم لنفي محمد الخامس، يُسجنون ويحاكمون بعد الاستقلال ووضع استقالته من مجلس التاج. بعض المصادر تقول إن الفقيه محمد بن العربي العلوي كان مقربا جدا من الملك الراحل محمد الخامس، وأن موقفه الشهير من سجن بعض المقاومين سنة 1960 لم يؤثر سلبا على علاقته بالملك الراحل بل يقال إن محمد الخامس اعتمد على موقف الفقيه محمد بن العربي العلوي للتمحيص أكثر في الواقعة وطيها نهائيا بعد أن اتضح أن هناك مؤامرة «دنيئة» كانت تُحاك في الخفاء ضد بعض الوطنيين.
أما في استفتاء دستور 1962، والذي قاطعه الاتحاديون أيضا، فإن الفقيه، أو شيخ الإسلام كما يلقبه الكثيرون، محمد بن العربي العلوي، كان يشارك في المهرجانات الخطابية ويجلس في المنصات التي يجلس فيها السياسيون، لكنه كان فقيها معارضا، ويجهر بموقفه الداعي إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور الذي اقترح سنة 1962 لأنه، حسب الفقيه محمد بن العربي العلوي، لا يناسب المرحلة التي كان يقبل عليها المغرب ويكرس حكم طرف واحد فقط.
بسبب موقفه هذا، كان مستشار الملك الحسن الثاني، أحمد رضا اكديرة، ينظم مهرجانات خطابية وتجمعات كبيرة يقول فيها دائما إن الفقيه محمد بن العربي العلوي يدعو إلى الضلال. لكن الفقيه لم يكن يرد على اكديرة، وحسب بعض المصادر فإنه كان قد قرر ألا يخوض في أي جدال مع جهة مقربة من القصر مع الاحتفاظ بالدعوة الصريحة إلى المقاطعة التي كان مقتنعا بها حد اليقين.

المختار السوسي.. الفقيه والمؤلف الذي أصبح وزيرا للأوقاف ورحل عن الحياة في عز اشتعال الأحداث

المختار السوسي كان فقيها واشتهر بغزارة التأليف في الفقه وجمع معه الأدب أيضا، ليتحول إلى مؤرخ، عندما ألف كتابه الشهير «حول مائدة الغداء» والذي جمع فيه وقائع تاريخية عن طريق الرواية الشفوية، ولقي الكتاب وقتها استحسانا كبيرا، لينخرط بذلك المختار السوسي في أسلوبه الفريد في التأليف، ويصبح، دون وعي منه ربما، من أوائل الذين كتبوا مذكراتهم في المغرب.
وُلد في بداية سنة 1900 بالضبط، وسمع وهو طفل عن الأحداث التي كانت تصنع وقتها المخاض الذي سيدخله المغرب عندما سيصبح هو شابا، لينشأ في ظل الحماية. خطا أولى خطوات الحياة في مسقط رأسه إيليغ، وغادرها، كأي باحث عن موطئ قدم ليتحدى ليس فقط الجغرافيا، وإنما التاريخ أيضا، ولولا نزعته الثائرة والبحث عن الذات لانتهى منسيا في سوس شأن آخرين، لكنه آثر أن يخرج ليرى محيطه، ويتلقى تعليمه الديني في أكثر من نقطة، ليجمع ما لم يُجمع لأقرانه، كما يشهد بذلك مؤرخون من أمثال عبد الهادي التازي.
في سنوات شبابه، كان المختار السوسي قد وصل درجات علمية تفوق سنّه بكثير، وهو ما جعله يقتحم مبكرا عالم الكبار، ويصير في نهاية عقده الثاني من أكثر الأسماء شهرة في مراكش، ويبدأ مشواره مع التأليف، ولكن شهرته لن تبلغ قمتها إلا عندما اشتهر بمواقفه الرافضة لفرنسا والداعمة للحركة الوطنية.
خلال إقامته في فاس، والتي كان طبيعيا أن يقيم بها ما دام سعيه خلف العلوم الشرعية لا يتوقف، كان نشاط المختار السوسي قد بدأ يزداد، إلى درجة أنه كان يتواصل مع بعض الداعمين للمقاومة والذين كانت فرنسا تلاحقهم ليل نهار وتستهدفهم بالاعتقالات.
لا يتسع المجال هنا لذكر تفاصيل علاقات المختار السوسي كفقيه وعالم، بعدد من الذين أسسوا لجبهة المواجهة مع فرنسا، إلا أنه كتب كثيرا عن علاقته المتوترة مع السلطات الفرنسية عندما حكى في مذكراته عن علاقته ببعض رجال السلطة بحكم مركزه العلمي، وتحاشيه لمجالستهم ومعاشرتهم، وحكى أيضا عن قصة طريفة للقائه بأحد أبناء المولى الحسن والذي كان يبحث عنه ليتتلمذ على يديه، وبدا واضحا من خلال ما كتبه المختار السوسي أنه كان يتخوف من كل ما له علاقة بالسلطة.
سيجد نفسه منفيا، بسبب علاقته بالمقاومة، والتي لم تكن لتخفى عن الفرنسيين، وهكذا أبعد المختار السوسي عن المراكز، ووجد أن انقطاع علاقاته بإمكانه أن يخدمه على مستوى التأليف، وهكذا مرت فترة المنفى مثمرة، لينضج المختار السوسي أكثر، وينشط في مجال التأليف حتى أنه كان مشهورا بالغزارة في الكتابة ليس فقط في العلوم الشرعية وإنما في التاريخ والتراث بحكم علاقاته الوطيدة وجلساته مع الأعيان.
وهكذا سيتقرب بعد الاستقلال أكثر من الملك، لأن المختار السوسي دفع ثمن ابتعاده عن السباحة مع التيار الذي دعت له فرنسا أيام نفي الملك الراحل محمد الخامس. وسيصبح بذلك المختار السوسي أول وزير للأوقاف في تاريخ البلاد، وسيحاول التأسيس لعمل هذه الوزارة شديدة الحساسية، كما أنه كان أيضا عضو في مجلس التاج، ليكون بذلك الفتى القادم من إيليغ قد ضمن لنفسه مكانا فسيحا في مربع الكبار مثل الفقيه محمد بن العربي العلوي، ليبقى المختار السوسي جامعا بين المنصب والتأليف والانكباب على تكوين جيل ممن سيرثون إرثه العلمي، إلى أن توفي بشكل مفاجئ أحزن الكثيرين في نونبر 1963 عندما كان في طريقه لزيارات نظمها لعدد من أصدقائه، كما كانت عادته كل سنة، حتى أن جزءا من مؤلفاته، كان يعتمد في مواده على ما يدور بينه وبين أصدقائه في تلك الزيارات، خصوصا أن عددا منهم كانوا يتحدرون من أسر مخزنية وعلمية، وكان ينقل رواياتهم التاريخية عن أجدادهم والأحداث التي عرفها المغرب، ليسجلها في مؤلفاته. وهكذا رحل السوسي الفقيه والوزير، باكرا لكنه عاش في كتبه، بعد أن أنهى جل مشاريعه التي كان يطلع عليها الملك الراحل الحسن الثاني شخصيا. يقال إن في رحيله حكمة له، خصوصا أن التوترات التي عاشها المغرب خلال بداية الستينات، كانت لتؤثر سلبا على الفقيه المختار السوسي، وهكذا خدمه موته بعد أن كان بصدد إنهاء جولته التفقدية على أصدقائه الموزعين في مختلف الربوع.

عبد الحي الكتاني.. مؤلف كتب الحديث الذي انتهى متهما بالخيانة العظمى

ليست كل المسارات سارّة بالنسبة للذين جاؤوا إلى السياسة من المساجد ودور العلم. فالكتاني الذي كان معروفا في شبابه داخل أروقة القرويين بفاس، وهي الجامعة التي لم يكن ليدخلها أيّ كان، لم يكن يعرف أن الحياة كانت تخبئ له مطبات كثيرة ستنهي مساره بشكل غير متوقع، خصوصا للذين كانوا يتفاءلون بمستقبله عندما كان في البدايات.
الكتاني، ببياض جلابيبه ولحيته الكثة ونظراته التي يوزعها بكثير من الحرص، كان يعلم أن أيامه في المغرب باتت معدودة عندما انتهت مفاوضات إكس ليبان، وفطن إلى أن الملك محمد الخامس عائد لا محالة إلى المغرب، فكان عليه بكل روح رياضية، بما أنه خسر اللعبة، أن يحزم أمتعته على عجل ويغادر إلى فرنسا وفي ذهنه أن الأمور ستهدأ ربما ليعود إلى البلاد، لكنها لم تكن كذلك. كان الأمر مؤسفا، أن ينتهي شخص مثله تلك النهاية. فماذا وقع.
عبد الحي الكتاني، كان من الجيل الذي يكبر أعضاء مجلس التاج الذين تحدثنا الآن عن بعضهم، لكنه كان يراكم أقدمية تفوق أغلب الذين كانوا يمثلون التيار المحافظ في السلطة، خصوصا أنه مدين في مساره في السلطة، لرصيده العلمي، لأنه دخل من باب القضاء بعد أن ألف كتابا في الفقه بناء على تخصصه العلمي في القرويين، وهو في عنفوان شبابه، وكان مشهودا له بالكفاءة، وتدرج في المناصب إلى أن وجد نفسه مقربا من دوائر القرار ليتسلم زمام أمور القضاء، ويكون ممثلا لسلطة القصر، ويتقرب أكثر من الملك الراحل محمد الخامس. وهكذا استقر في الرباط، دون أن يودع ماضيه في فاس، وكان هدفا للفرنسيين بحكم الرقم الذي كان يمثله في معادلة السلطة في المغرب، وهكذا وجد نفسه بعد نفي الملك محمد الخامس أمام خيارين، إما أن يتضامن مع الملك المنفي، وهذا يعني أنه سيمارس عليه التضييق، وإما أن يواكب الموجة، وهذا معناه أنه سيقامر برصيده، خصوصا أن علاقته بالملك الراحل كانت طيبة، كما بولي العهد. لكن كل شيء سينقطع بمجرد ما قبل الكتاني بأن يكون عضوا في اللعبة الجديدة ليظهر في الصور إلى جانب الباشا الكلاوي وبن عرفة، وهكذا مباشرة بعد عودة الملك محمد الخامس، كان مصير الكتاني هو أن يحال ملفه على لائحة «الخونة» الذين كان منتظرا أن تدرس ملفاتهم ليقرر القضاء تجريد أغلبهم من الجنسية المغربية وتصادر ممتلكاتهم، لكن الكتاني كان قد وصل إلى فرنسا، وجلس من هناك، يتأمل المنظر العام للوضع الجديد، مستحضرا ربما، ما كان سيكون عليه وضعه لو أنه انهمك في التأليف الذي بدأه مبكرا، بدل هم السياسة الذي جعله يتمرغ بجلبابه الأبيض، في نهاية لم يكن يتوقعها له أكثر أعدائه تفاؤلا.

اليوسي.. رجل القبيلة الذي كان صديقا للملك محمد الخامس وكافأه ليصبح أول وزير داخلية للمغرب

لم تكن العلاقة بين الملك الراحل محمد الخامس، ولحسن اليوسي، رجل القبيلة التي استقرت تاريخيا في منطقة الأطلس، تحتاج إلى كثير من التمحيص. فمحيط الملك الراحل محمد الخامس علموا مبكرا أن سر احترام الملك محمد الخامس لليوسي لا يعود فقط إلى الفترة التي رفض فيها الأخير التوقيع على عريضة المطالبة برحيل الملك محمد الخامس وتنصيب بن عرفة مكانه، ولكن العلاقة بينهما تعود إلى أصول تاريخية بحكم صداقة متينة جمعت زعماء قبيلة اليوسي في الأطلس مع القصر الملكي، لقرون خلت. إذ كانت قبيلة اليوسي معروفة بقربها من القصر، وتوصل أعيانها وزعماؤها الذين توارثوا الزعامة لقرون، بظهائر ملكية ورسائل وتوصيات وإشادات بالأدوار التي لعبتها القبيلة في احتواء صراعات كثيرة.
لذلك كان الملك محمد الخامس يتردد بين الفينة والأخرى على إقامة لحسن اليوسي في الأطلس، قبل أن يقرر الأخير التحول إلى الرباط ليسكن في مكان قريب من القصر، لكنه بقي دائم الوفاء لأصوله الأطلسية، وبقي يتردد على الأطلس إلى آخر حياته.
بالنسبة للحسن اليوسي، فإنه كان حظي بشرف كونه أول مغربي يتعين بعد الاستقلال وزيرا للداخلية بالمعنى الحديث للوزارة. رغم أنه لم يكن يتوفر على أي تكوين سياسي، خصوصا أن المغرب كان يحتاج بعد الاستقلال إلى أطر لإمساك إرث وزارة الداخلية بالشكل الذي أحدثتها به فرنسا، وليس بالمفهوم العتيق للداخلية المخزنية. لكن الملك محمد الخامس، كان مصرا على إقحام اسم لحسن اليوسي في لائحة الاستوزار في أول حكومة في تاريخ المغرب، ويمنح لقبيلة اليوسي شرف الجلوس على كرسي وزارة الداخلية في نسختها الأولى في المغرب.
رغم أن بعض الوزراء المغاربة كانوا قد تشبعوا بمظاهر الحياة العصرية، وتأقلموا مع الإيقاع الأوربي في الحياة، وارتدوا البدلات العصرية وجلسوا في الصالونات، إلا أن لحسن اليوسي كان رجلا عتيقا مشبعا بالتاريخ، لذلك فقد ظهر في أول تعيين وزاري له بالجلباب المغربي، ولحية لا تختلف أبدا عن لحية الفقهاء، ليعكس بذلك منظر رجل القبيلة القادم من الأطلس إلى قلب البلاط، بناء على إرث تاريخي، ويختلف بذلك عن قصص التقليديين الآخرين في السلطة مثل شيخ الإسلام الفقيه بن العربي العلوي، والذين جاؤوا بخلفية أخرى، لكنهم التقوا جميعا في نقطة الجيل التقليدي في السلطة إلى جانب السياسيين الذين درسوا عند الفرنسيين وتشبعوا بمظاهر الحياة العصرية. لكن الاختلاف في قصة لحسن اليوسي أنه جاء بإرث تاريخي لعلاقة القصر بقبيلته ونجاحه في تأسيس صداقة متينة بالملك الراحل محمد الخامس، ليس لأنه اختير كعضو في مجلس التاج فقط، والذي أسندت إليه المشورة إلى جانب الملك الراحل محمد الخامس، ولكن لأنه أسس صداقة متينة مع الملك وبقيت علاقته بالملك الحسن الثاني وليا للعهد وملكا، متينة إلى أن توفي سنة 1970.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة