ستون عاما من الاستقلال

ستون عاما من الاستقلال

مرت الذكرى الستون لاستقلال المغرب هذه السنة بشكل محتشم، كما لو أنه ساد اتفاق عام على عدم إحراج مستعمرتنا السابقة فرنسا في هذه الظروف العصيبة التي تجتازها بتذكيرها بأنها استعمرتنا ذات وقت، وكان ضروريا أن يخوض المغاربة كفاحا مسلحا للتحرر من قبضتها الاستعمارية بقوة الحديد والنار.
عادة في الدول الديمقراطية تكون مثل هذه المناسبات الوطنية لحظة لإعادة طرح الأسئلة حول قضايا الوطن والوطنية والانتماء واللغة. لكن يبدو أن هناك اقتناعا بأن التبعية لفرنسا ما زالت سارية المفعول، وأن الاستعمار اللغوي الفرنسي للمغرب لم يزدد مع الوقت إلا قوة وتجذرا.
لقد غادرت فرنسا أراضي الدول التي كانت تستعمرها، وعوضت جيوشها ووزارة حربها بوزارة الفرنكوفونية، واعتبرت كل الدول التي كانت تستعمرها داخلة ضمن ما أسمته «الفضاء الفرنكوفوني»، ووضعت لهذه الوزارة ميزانية ضخمة ومنحتها الإمكانيات لكي تخلق حولها مثقفين وجوائز رفيعة وأذرعا إعلامية قوية كلها مجندة لخدمة اللغة الفرنسية.
لذلك فالاستقلال الحقيقي بالنسبة للمغرب هو أن نتحرر من هذا الفضاء الفرنكوفوني، وأن نحافظ على اللغة والثقافة الفرنسية بوصفها «غنيمة حرب»، كما كان يقول المفكر الجزائري كاتب ياسين، وأن نعتبر أنفسنا جزءا من الفضاء العالمي الفسيح بكل لغاته وثقافته بعيدا عن الشعور بالتبعية لأي كان.
إن الاستقلال الحقيقي هو الاستقلال اللغوي، والتحرر من عقدة الآخر، خصوصا المحتل السابق، والكف عن النظر إليه كمنقذ وكنموذج وكمخلص من كل المشاكل.
إننا نرى اليوم كيف يسعى المغاربة والمسلمون بشكل عام إلى اقتناص أي شهادة ينطق بها أجنبي يبرئ فيها الإسلام والعرب من تهمة الإرهاب، فيسارعون إلى تقاسمها في شبكات التواصل الاجتماعية كما لو كانت نصرا مبينا.
هذا يعني أننا نحمل في أعماقنا جينات عدم الثقة في النفس والحاجة الدائمة إلى أجنبي يشهد على صدق طويتنا. وهذا أفدح أشكال التبعية والاستعمار، العيش رهينة عدم الإحساس بأننا قادرون على الوجود بلا حاجة لتبرير حسن نيتنا طوال الوقت حتى لا يسيء الظن بنا الآخر، ذلك الأجنبي الذي نعتقد أن لغته وثقافته وحضارته هي المثال الذي يجب أن نحتذي به.
مشكلة اللغة في المغرب بدأت مباشرة بعد الاستقلال، فبعد حل جيش التحرير ومطاردة زعمائه من طرف ميليشيات حزب الاستقلال واغتيال الناشطين في المنظمات والأحزاب المعارضة لاتفاقية «إكس ليبان» وبنودها السرية التي سلمت بموجبها فرنسا المغرب استقلاله المشروط بالبقاء رهن التبعية الاقتصادية واللغوية والثقافية لها، تسلم حزب الاستقلال مقاليد أول وزارة تعليم تحمل حقيبتها محمد الفاسي.
فقد فهم الحزب، منذ البدء، أنه للاستمرار في احترام التقسيم الاستعماري للمغرب إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع، يجب تقسيم التعليم بدوره إلى تعليم نافع وتعليم غير نافع، تعليم مجدٍ وعلمي ينتج النخبة التي ستتحكم في الأغلبية التي ستتلقى تعليما متواضعا لا يحترم متطلبات سوق الشغل.
وهكذا، ففي سنة 1957 سيعلن وزير التعليم الاستقلالي محمد الفاسي عن قراره تعريب التعليم الإعدادي انسجاما مع روح حزب الاستقلال الذي يدافع عن الهوية الدينية للمغاربة. وعندما حلت سنة 1962، قرر المجلس الأعلى للتعليم الوطني، بضغط من حزب الاستقلال دائما، تعريب التعليم العمومي بجميع مراحله.
وبينما كان زعماء حزب الاستقلال يجربون تعريب التعليم في أبناء الشعب، كانت مدارس البعثات الفرنسية تستقبل أبناءهم بالأحضان. وعندما تسلم الاستقلالي عز الدين العراقي حقيبة التعليم في أكتوبر 1977، كانت حظوظ خروج نخبة متعلمة ومثقفة من مدارس التعليم العمومي شبه منعدمة. ولكي تصبح هذه الحظوظ منعدمة بشكل كامل، قرر الوزير الاستقلالي تعريب التعليم إلى حدود الباكالوريا. بعد تسع سنوات قضاها عز الدين العراقي في وزارة التعليم وست سنوات قضاها كوزير أول على رأس الحكومة، كان لديه الوقت الكافي لكي يضحي بجيل كامل من أبناء المغاربة وجدوا أنفسهم ضحايا نظام تعليمي عمومي لا منطق يحكمه سوى منطق الإقصاء والتجهيل.
وطبعا، خلال هذا الوقت كان أبناء الزعماء الاستقلاليين وأبناء العائلات يتلقون تعليما خاضعا لبرامج وزارة التعليم الفرنسية في مدارس البعثة.
والاتفاق الذي تم بين المفاوضين المغاربة والفرنسيين في «إكس ليبان» كان يقتضي أن تخرج فرنسا من المغرب، بشرط أن يبقى المغرب تابعا اقتصاديا ولغويا لفرنسا.
وطبعا، لضمان مصالح فرنسا الاقتصادية في المغرب، أو ما يسمى «الوجود الفرنسي» في المغرب، كان ضروريا خلق نخبة مفرنسة تتلقى تعليما متطورا وعصريا في مدارس البعثة الفرنسية، وبعدها في المعاهد الفرنسية المرموقة، كمدرسة «الطرق والقناطر» و«المناجم» و«HEC»، والتي تخرج منها أغلب أبناء العائلات الفاسية والرباطية العريقة وأصبحوا وزراء ورؤساء مؤسسات عمومية.
والذي حدث هو أنه طيلة السنوات التي تلت مفاوضات «إكس ليبان» قامت النخبة الحاكمة بالتدبير المفوض للاستعمار الفرنسي. هكذا، نجحت فرنسا في استعمار المغرب عن بعد وبتكلفة أقل.
ويكفي أن يراجع الواحد منا اليوم أسماء الشركات التي تتعاقد معها المؤسسات التي تسيرها الحكومات المتعاقبة، لكي يفهم أن الأغلبية الساحقة من هذه الشركات فرنسية، تستهلك منتجات فرنسية وتوظف مكاتب دراسات فرنسية بخبراء فرنسيين.
فرنسا ظلت تعتبر المستثمر الأجنبي الأول في المغرب. والاسم الذي تطلقه فرنسا على هذا الاستثمار هو «الوجود الاقتصادي الفرنسي»، وهي أرضية تجمع كل الشركات الفرنسية المتواجدة بالمغرب، والتي لديها ارتباط مباشر بالشركات الأم الموجودة بفرنسا. وبالإضافة إلى فروع هذه الشركات، هناك المكاتب التمثيلية والشركات الخاصة. باختصار، هناك ما يزيد عن 1000 شركة فرنسية، منها 400 فرع بالمغرب لشركات فرنسية كبرى، توجد كلها ضمن ما تسميه الحكومة الفرنسية «الوجود الاقتصادي الفرنسي».
الجميع يعرف أن الشركات الفرنسية الموجودة بالمغرب مجتمعة كلها، حسب غرفة التجارة الفرنسية والصناعة بالمغرب، ضمن تسمية كبيرة هي «الوجود الاقتصادي الفرنسي»، هذا الوجود تضمن استمراريته قوة حضور اللغة الفرنسية في مناهج التعليم وفي دواليب الإدارة.
هكذا نفهم لماذا رضخت اليوم حكومة بنكيران لقرار فرنسة المواد العلمية في مقررات التعليم العلمية بعدما ظلت طوال السنوات الماضية تجرب فيهم الدولة تدريس هذه المواد بالعربية.
هكذا نفهم أيضا جرأة التاجر نور الدين عيوش بالمجاهرة بمعارضته للغة العربية ودفاعه المستميت عن اللغة الفرنسية، في تعارض واضح مع دستور المملكة الذي يعتبر التعبير الأسمى لإرادة الأمة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *