شوف تشوف

سقوط الأقنعة

 

لم يتساءل كثيرون عن فحوى استدعاء الحديث حول المرجعية الدينية للحزب الحاكم على لسان رئيس الحكومة المعزول بنكيران في مؤتمر شبيبة الحزب.

والسؤال المحير هو كيف استطاع بنكيران أن يؤكد مجددا على المرجعية الدينية لحزبه بعدما ظل لخمس سنوات ونصف يحاول التنصل من هذه التهمة ودفعها عن نفسه وعن حزبه، مرة بالادعاء أن حزبه كسائر الأحزاب أو بالقيام بحركات بهلوانية لإعطاء صورة السياسي المنفتح عن نفسه، كملاطفة النساء في المنتديات العامة أو إلقاء النكات التي يعتبرها مالحة فيما هي في الحقيقة حامضة.

مشكلة المغاربة أنهم عاطفيون، لذلك مع اقتراب موعد كل انتخابات ينجرفون مع ارتفاع منسوب التظاهر بالتدين عند قياديي الحزب الحاكم، فرصيدهم الحقيقي الذي لا ينفد والذي يتم استثماره في الحروب الانتخابية هو الدين.

وفي سبيل مداعبة المشاعر الدينية للمغاربة يبدو تجار الدين هؤلاء مستعدين لكل شيء.

فهم يعرفون أن المغاربة بمجرد ما يقسم لهم أحد بالله يصدقونه، ومن فرط تعلقهم بالمظاهر فهم يثقون بالرجل إذا أسدل لحيته وكف شاربه، ويصدقون المرأة إذا غطت جسدها بالحجاب أو الخمار، متناسين أن المسلم الحقيقي يعرف بسلوكه ومعاملاته وليس بمظهره الخارجي.

لهؤلاء الأغبياء نقول إن فضح المتاجرين بالدين هو من صميم الدين، لأن الله تعالى خصص للمنافقين في محكم كتابه آيات كثيرة وجعلهم يوم القيامة في الدرك الأسفل من النار، وقد بين الله لرسوله المنافقين ودلهم عليهم لأنهم أخطر عليه وعلى الدين من الكفار.

والمنافقون هم الذين يقولون شيئا ويأتون عكسه، وهم داخل الحزب الذي يقود الحكومة وحركته التي ترفده كثيرون، تسمع إليهم فيعجبك كلامهم وترى أفعالهم فتصعق.

السياسيون يشتغلون في مجال محفوف بالكذب، يعطون وعودا يعرفون أنهم لن يوفوها، ويرفعون شعارات هم متأكدون من عجزهم عن تنفيذها.

وليس الأخطر هو أن يعد السياسيون الناس بأشياء لن يحققوها، بل الأخطر هو أن يستعملوا الدين لإقناع الناس بتصديقهم.

ولعل العبارات التي استعملها عمدة مكناس “بو وانو” في إطار حديثه عن احتجاجات المستخدمين المطرودين من العمل، والتي استعمل فيها كلمات “المنكر” و”الحرام”،  تدخل في إطار استغلال المعجم الديني لتخويف الناس وجعلهم يعتقدون أن الاحتجاج ضد من يتكلم ويشتغل سياسيا بالدِّين عمل محرم ومعاقب عليه من الله.

وهذا يسير في المنحى نفسه الذي سنه بنكيران عندما ادعى أنه وحزبه هدية من الله للشعب المغربي، قبل أن ينكشف الدجل ويظهر أن بنكيران وحزبه نقمة على المغاربة، ففي عهدهم عاش الشعب ويعيش أسوأ أيامه.

لقد استغفل أدعياء الدين هؤلاء شرائح واسعة من الشعب المغربي، يستوي فيها الفقراء المعدمون مع الأثرياء المرفهين، ونصبوا عليهم بتقمصهم للمظاهر الخارجية للتدين، والتي لا تعني بالضرورة أن أصحابها مؤمنون صادقون، فالمظاهر ليست في النهاية سوى مظاهر والأهم في الدين هو العمق، أي ما يوجد في القلب.

والتجسيد الأمثل للمرجعية الدينية في السياسة ليس هو التشدق بها في الخطابات بل تجسيدها في الممارسة والمعاملات. وهي أولا الوفاء بالوعود التي يتم قطعها، والعمل على توفير الشغل الذي يضمن الكرامة للناس ويمنع عنهم الذل، وتوفير العدل الذي يصد عنهم الظلم. ولعل أكثر من يظهر في مثل هذه الظروف التي تنخفض فيها مناعة المجتمع اتجاه تجار الدين، هم هؤلاء الفاشلون المتلفعون بثوب الخلاص، ليقودوا الكل نحو الخراب المحقق.

كثير من المتحذلقين والوصوليين والطامحين على غير بصيرة والمتاجرين بالدين والقيم والمعتقدات، امتهنوا قبل هؤلاء مهنة “المخلص”، وتقمصوا دور “المنقذ”، فكان أن انتهوا كلهم، أو جلهم، نهايات مأساوية أليمة أقلها فداحة النبذ والازدراء والفضيحة.

مشكلة المغاربة أنهم حساسون جدا تجاه كل من يتكلم بالدين، ولديهم قابلية فطرية لتصديق أي شيء يصدر عن شخص يبدي مظاهر التدين، كالزي واللحية والقسم بأغلظ الأيمان.

وهذا طبعا ليس غباء من طرف المغاربة، بل يمكن أن نحسبه على ما نسميه “النية”، وبمجرد ما يكتشف المغاربة أن نيتهم التي وضعوها في شخص ما لم تكن في محلها يشطبون عليه نهائيا ويسحبون منه ثقتهم.

والواقع أن المغاربة يجب أن يتعلموا كيف يفرقون بين الدين ومظاهر التدين والمتاجرة به، وأن يتوقفوا عن الحكم على الآخرين بمجرد النظر إلى مظهرهم الخارجي، وأن يتعلموا الحكم على الناس من خلال أفعالهم وسلوكهم ومعاملاتهم.

فليس كل من يربي لحية هو موضع ثقة عمياء، وليست كل من تلبس برقعا أو تضع حجابا هي رابعة العدوية، فكم من ملتح يخفي تحت لحيته المصائب، وكم من منقبة ومحجبة تخفي تحت ردائها الويلات.

وكم من امرأة ترتدي النقاب أو الحجاب فقط لكي “يوقرها” الرجال في الشارع، فيما “تلقاها مكاتصليش حتى الصلا”، وكم من امرأة تضع “الدرة” فقط لأنها “ما فيها ما يمشي عند الكوافورة”، وكم من ملتح لو “حسن” وجهه لاكتشفت عدد “السيكاتريسات” التي يخفيها تحت لحيته.

وخلاصة الأمر هي أن المظاهر خادعة ولذلك لا يجب أن نحتكم إليها وحدها لاتخاذ موقف من الآخرين، سواء بالإيجاب أو السلب، وحدها الأعمال والسلوكيات والمعاملات تحدد قيمة الإنسان ومدى عمق إيمانه وتدينه وخوفه من الله.

والله تعالى قال في محكم كتابه “قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”، فالعمل في نهاية المطاف هو ما يهم وليس المظهر.

وصدق من قال “كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون، قيل وكيف ذلك، قال بأخلاقكم”.

وهذه التجارة، تجارة الدين، سبق أن تحدث بشأنها العالم والفيلسوف العربي ابن رشد عندما قال إن التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردت التحكم في جاهل عليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني.

وما يقوم به المعلقون والأتباع اليوم عندما يحاول بنكيران تغطية الباطل الذي يرتكبه حزبه الحاكم بغطاء ديني هو ما قصده ابن رشد تحديدا، أي أن هؤلاء يريدون التحكم في الجهلة الذين ما زالوا يصدقون أكاذيبهم بلف باطلهم بغلاف ديني حتى يلجموا أفواه الناس عن نقدهم ويكبلوا عقولهم بأغلال الجهل والتبعية والببغائية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق