شبعة خبز

 

 

خلال نزولي للشاطئ هذه الأيام أثارت انتباهي ملاحظة يكاد لا ينتبه إليها أحد، رغم أنها يمكن أن تشكل موضوع نقاش عمومي على درجة قصوى من الأهمية.

ببساطة لاحظت أن المغاربة “شبعو خبز”، ليس بالمعنى الشائع لهذا التعبير، أي أن المغاربة “ضصرو”، ولكن بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أن استهلاك المغاربة للخبز الذي يشترونه من المخبزات وصل حدا يمكن أن نسميه بالتسمم بالدقيق الأبيض.

وفِي سنوات السبعينيات والثمانينيات وبداية التسعينيات

كان من النادر أن ترى شخصا سمينا، فقد كانت مواد التسمين لم تغز بعد المواد الغذائية المصنعة،

وكان “بنادم تبدو لك الفورمة ديالو بحال الستيلو” بسبب سوء التغذية الناتج عن سوء الأحوال الاجتماعية، والذي كان هو السبب المباشر في هذه الحمية الطبيعية الإجبارية.

أما اليوم بعد انتشار المورطاديلا الرخيصة في كل مكان فأصبحت السمنة هي القاعدة وأغلبية المواطنين يعانون من أعراضها دون أن يعرفوا أن سببها الرئيسي هو الخبز الذي يستهلكونه يوميا ويحشونه بمختلف الأطعمة.

وإذا كان كليمونصو قد قال بأن الحرب مسألة جدية ولذلك لا يجب تركها بيد العسكر وحدهم، فيمكن أن نقول نحن في المغرب إن الخبز شيء جدي ولذلك لا يجب تركه بيد أرباب المطاحن لوحدهم.

وحسب اعترافات حكومية فالخبز الذي يستهلكه المغاربة اليوم هو المسبب الرئيسي لمرض السكري وما يرتبط به من أمراض القلب والشرايين.

وكثير من المخابز اليوم تضيف للدقيق الأبيض كميات كبيرة من السكر، وموادا مختلفة غير مرخص لها لمنح الخبز والحلويات نكهات مثيرة للشهية أغلبها يسبب الإدمان.

هكذا تحول ملايين المغاربة إلى مدمنين على الخبز بشكل مرضي، لا يهدأ لهم بال إلا عندما يرقرقون خبزة أو خبزتين في صحن من المرق ويرقدونه في معداتهم لكي يشعروا بالراحة والاسترخاء.

وبالعودة إلى التقرير الذي كشف عنه المسؤول عن البرنامج الوطني لمحاربة النقص في العناصر الغذائية الدقيقة في وزارة الصحة قبل سنوات، نكتشف أن ثلث الأمهات والأطفال دون خمس سنوات يعانون فقر الدم بسبب نقص الحديد في الطحين.

وربما لهذا السبب تفهم اليوم لماذا يمكن لمغربي أن يتعرف على أخيه المغربي وسط مئات المواطنين في أية بلاد أجنبية، فقط من خلال مشيته. فنحن المغاربة لدينا مشية مميزة عن سائر الأقوام، والسبب في هذا “الانفراد” العجيب هو كوننا “تعرضنا” في طفولتنا لتغذية تفتقر إلى المواد الضرورية لنمو الإنسان بشكل طبيعي، أي أن أغلبنا كبر بالخبز والشاي والقدرة الإلهية.

ولذلك عندما كبرنا اكتشفنا أن أغلبنا لا يستطيع المشي باستقامة، أو يمشي كما لو أن شخصا يدفعه من الخلف. وربما بسبب هذه التغذية السيئة أصبح لدينا ثلاثة ملايين معاق. فحسب دراسة وزارة الصحة فإن النقص في مادة الحديد لدى الأمهات يؤدي إلى تشوهات خلقية تصيب الجنين في بطن أمه. أي أننا في المغرب ينطبق علينا المثل القائل “من الخيمة خارج مايل”.

وأتذكر عندما كنت لا أزال تلميذا في مدرسة ابن زيدون في مدينتي الصغيرة، كنت محروما من الاستفادة من الوجبات الغذائية التي كان يخصصها مطعم المدرسة للأطفال الفقراء ولليتامى من أبناء الجنود الذين قتلوا في الحرب التي كانت مستعرة آنذاك في الصحراء. وإلى اليوم مازالت رائحة ذلك الرغيف المعجون بدقيق المساعدات الغذائية الأمريكية تداعب خياشيمي كلما مررت بجانب المدرسة. فقد كان ذلك الرغيف المقلي في زيت الصوجا الأمريكي لذيذا إلى درجة أنني كذبت وقتلت والدي في الصحراء ذات يوم ووقفت في صف التلاميذ اليتامى بانتظار الحصول على حصتي من الرغيف وحفنة من التمر ومثلث من الجبن الأبيض.

كانت المدارس في تلك السبعينيات تتلقى مساعدات غذائية أمريكية، وكانت مخازن مطاعمها مليئة بأكياس الدقيق المدعم بكل المواد الغذائية الضرورية من حديد وزنك ومنغنيز وحامض الفوليك وغيرها من المواد الضرورية لنمو الأطفال. لكن للأسف انقطعت تلك الإعانات فجأة عندما اكتشفوا أن موظفين جشعين كانوا يسرقونها ويعيدون بيعها في الأسواق. وأكمل التلاميذ اليتامى والفقراء نموهم بما قسم الله.

وبالإضافة إلى تلك الإعانات الغذائية كبرنا وقاومنا الانقراض بفضل تلك الحقن التي كانت تتبرع بها علينا منظمة الصحة العالمية، والتي كان ينشبها الممرضون في سواعدنا النحيلة مرة كل ثلاثة أشهر داخل القسم. حقن بيسيجي مضادة للسل، حقن مضادة لالتهاب الكبد الفيروسي، وأخرى كنا نسمع أسماءها ولا نعرف حقيقة لماذا تصلح. ولكثرتها كنا نكمل الشهادة الابتدائية وعلى أذرعنا ثقوب ودوائر كبيرة تشبه عضات الكلاب. مما سهل مستقبلا على شرطة مكافحة الهجرة السرية مهمة التعرف على المغاربة دون غيرهم من الأجناس. فبمجرد ما يضبطون مهاجرا سريا لا يطلبون منه أن يريهم جواز سفره، وإنما يطلبون منه أن يريهم ذراعيه. وعندما يعثرون على “آثار الجريمة” يعرفون أنه “صنع في المغرب”، فيعيدونه من حيث أتى. والحقيقة أنني لم أفهم لماذا كانت الأرغفة المصنوعة من الطحين الأمريكي والمقلية في زيت الصوجا لذيذة بذلك الشكل حتى زرت أمريكا بدعوة من وزارة الخارجية سنة 2006 واكتشفت أن التغذية هناك شأن سياسي على درجة كبيرة من الأهمية. فكل المواد الغذائية التي تصنعها الولايات المتحدة الأمريكية وتطرحها للاستهلاك الداخلي تحتوي على نسبة زائدة من المقويات والنشويات والسكريات. طبعا بالإضافة إلى كل المعادن والأملاح الضرورية لنمو الإنسان الأمريكي.

فالسياسة الأمريكية تقضي أن يكون كل شيء في أمريكا كبيرا وضخما، من المباني مرورا بالسيارات ووصولا إلى المواطنين. ولهذا فأغلب الأمريكيين ضخام الجثة. وهذا ليس راجعا بالأساس إلى إفراطهم في الأكل وإنما إلى أن الأكل الذي يتناولونه مزود بسعرات حرارية إضافية صنعت منهم ماكنات للأكل تساهم في ارتفاع أرباح شركات الصناعات الغذائية التي تحكم العالم وتهندس جينات سكانه حسب مؤشرات أسهمها في البورصات العالمية.

في السنوات الأخيرة فهم المواطن الأمريكي أنه كان ضحية تجارب غذائية جعلت منه أداة من أدوات الاستهلاك وإنتاج الثروة لصالح الشركات الغذائية ومختبراتها ومجلاتها العلمية وأدوات دعايتها العملاقة.

والنتيجة أن السمنة في أمريكا أصبحت قبل سنوات واحدا من أخطر الأمراض التي تكلف خزينة الدولة المليارات من الخسائر سنويا.

نحن اليوم في المغرب سائرون في هذا الطريق، فالسمنة تغزو كل البيوت بسبب الدقيق الأبيض الذي يصنعون منه الخبز، وبسبب الأكل الرديء والعادات الغذائية السيئة.

وطبعا فوزارة الصحة المعنية المباشرة بهذا الموضوع لا تتحدث مطلقا حول هذا الموضوع، مع أنه مشكل صحة عامة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.