كتاب الرأي

شبيبة الشيوخ

جنوحي

تنفس أعضاء الأحزاب السياسية الصعداء قبل أشهر عندما تقررت الزيادة في الميزانية المخصصة للأحزاب لتمويل حملاتها الانتخابية مع متم السنة الماضية. وأول أمس أعلن رئيس الحكومة رسميا نية الحكومة الزيادة في الأغلفة المالية المخصصة لبعض المشاريع ذات الطابع الاجتماعي، بعدما تم الإعلان سابقا، وبشكل رسمي أيضا، عن الزيادة في الميزانيات المخصصة لمشاريع أخرى ذات طابع اجتماعي.
صورتان متناقضتان تماما. وصدق المهدي المنجرة، عالم المستقبليات الراحل، الذي عاش المستقبل بكل مشاكله وويلاته قبلنا ورحل بعد أن تحققت الكثير من تنبؤاته، عندما قال إن الأحزاب لو تُركت لمصيرها لأفلست سياسيا وماديا أيضا. يشكل الدعم العمومي عصب حياة الأحزاب، خصوصا منها المفلسة سياسيا. قواعد شعبية واسعة، وأطر ومُنخرطون، لكن أغلبهم يدخلون السياسة ليس للاستثمار في الأفكار والمبادرات، وإنما لحلب الميزانيات الداخلية للحزب. حتى أن عائدات الانخراط وحدها لا تكفي اليوم لتغطية مصاريف نشاط حزبي واحد على المستوى الوطني.
الشبيبة. تلك الغابة المظلمة من الأغصان المتشابكة للعلاقات. وأكبر دليل على أن شبيبة بعض الأحزاب المغربية اليوم، بل أغلبها، ليست مستعدة تماما لخدمة الشباب، هو حجم تكتل الانتهازيين والوصوليين داخل كل حزب، ممن يتربصون بالمناصب الداخلية والريع الحزبي، ويضعون أنفسهم في أعلى لوائح المرشحين للعمل في المناصب المرتبطة بدواوين الوزارات والفرق البرلمانية، في إطار ما يُسمى «التواصل السياسي» للبرلمانيين وموظفي الدولة..
أما المناصب التي يتعين على الشباب فعلا الاضطلاع بها، فهي من نصيب شيوخ السياسة. الشباب اليوم تترك لهم الشمس وتأطير الحضور وتوزيع قنينات المياه المعدنية فوق المنصة، بينما الشيوخ والأشباح السياسيون، يتولون التنظير في قضايا الشباب، ولا يصدقون أنهم لم يعودوا شبابا إلا عند أول زيارة لطبيب المفاصل.
هناك أحزاب تتوفر على شبيبة كاملة من الشباب الذين لا علاقة لهم نهائيا بالسياسة. وإذا نسي هؤلاء «شوهتهم»، فلا بأس أن نُذكرهم بالمأساة الكبيرة التي وقعت فيها شبيبة حزب فتي، اكتشف الصحفيون الذين حضروا لتغطية المؤتمر، أن شبيبة الحزب لا تعرف معنى مصطلحات سياسية مهمة، ولا أدوار مؤسسات الدولة، وليست لديهم أية ثقافة عامة من أي نوع، حتى أن أحد هؤلاء الشباب المتزعمين للشبيبة، يعمل على مشروع واحد ووحيد وهو إصدار ألبومه في الأغنية الشعبية، والذي يتغزل فيه ببنات الدوار وازدهار الموسم الفلاحي، فيما الحدث السياسي الذي يحضره يتعلق أساسا بتخليق الحياة السياسية وإدماج الشباب، دون أن يكون لديه أي إدراك نهائيا لتاريخ العمل السياسي في المغرب ولا أدوار المكونات السياسية في المغرب.
وحتى في الأحزاب التي تتوفر فعلا على طاقات من الشباب، فأقصى ما تقدمه لهم هذه الأحزاب هو المناصب داخل المشاريع الإعلامية التي يمولها الحزب ويعتمد في استمرارها أساسا على دعم الدولة أولا ثم الإعلانات الإدارية والتجارية ثانيا. هذه الجرائد تمنح أجورا تكفي هؤلاء الشباب لحضور الملتقيات في الرباط واكتراء شقق قريبة من مقرات الحزب واقتناء قميص محترم لحضور الأنشطة والتقاط الصور التذكارية مع الوزراء. وفي أول منعطف توزع فيه المناصب، تعمل هذه الأحزاب بمبدأ المحسوبية. إنه فساد مصغر تعيشه أغلب الأحزاب المغربية التي تدعي محاربة الفساد وتأهيل الشباب، فيما تتوفر على قاعدة كبيرة من المُريدين، تعاملهم تماما كما يتعامل متعهدو الحفلات مع الكراسي البلاستيكية..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق