آخر الأخبار
TM_Top-banner_970x250

شطرنج القوة

السلطة لها نفس مفاتيح وأسرار لعبة الشطرنج لمن يدرك ذلك، ولكن الكثير من العباد أمي في هذه اللعبة المشوقة المغرية؛ فيلعب به من يعرف اللعبة، والكون مسخر فيه كل شيء، بما فيه الناس والدواب والأنعام؛ فمن لم يحسن لعبة التسخير تحول إلى جملة المسخرات. كان ذلك في الكتاب مسطورا.
كان (مكيافيلي) صاحب كتاب (الأمير) متفائلاً وسط الفوضى الطاحنة مع مطلع القرن السادس عشر، بأن تكون الظروف مهيأة لولادة عبقرية إيطالية؛ فمع اشتداد الظلام يقترب الفجر، ومع اشتداد الأزمة يأتي الفرج. فهل هي كذلك في ظلمات العالم العربي وهجرة 11 مليون سوري من بلدهم؟
يقولون أنه عندما تنحبس الذبابة في زجاجة يزداد نشاطها حتى تنطلق من العنق المفتوح أمامها وهي لا تبصره، وعندما كان (مكيافيلي) يحدق في الظلمات المطوقة للوضع، أدرك بعمق أن هذا التردي يخلق الحاجة للتفكير في الإصلاح، وأنه من الضروري لإيطاليا أن: (يكون أهلها مستعبدين أكثر من اليهود، ومضطهدين أكثر من الفرس، وممزقين أكثر من اليونانيين، لا زعيم لهم ولا نظام، مغلوبين على أمرهم، ومسلوبة أموالهم، وأذلاء، وأن تكون بلادهم قد احتملت من الدمار والخراب كل شكل ونوع)؛ ليخلص إلى نتيجة ذات بال؛ فقد كان من الضروري لظهور قوة موسى (أن يكون الإسرائيليون عبيدا في مصر؟؟).
هل يذكر هذا بوضع العالم العربي، بحيث يدفعنا إلى تفاؤل مكيافيلي من القرن السادس عشر؟
إن القرن الثامن الميلادي كانت لعنة على بريطانيا، عندما حل على رؤوسهم الفايكنج، ولكنه كان السبب في وحدة الجزيرة.
ولم تنبثق الحضارات إلا في جو التحدي، كما وضع المؤرخ البريطاني (توينبي) نظريته في قانون (التحدي والاستجابة).
وفي علم النفس يرى العالم (هادفيلد) أن (الإرادة) تتحفز مع وجود (المثل الأعلى)، كما تتحرض الخلايا العصبية بالضوء والصوت.
ونزل القرآن على (مكث) لأنه كان يحدث نقلة نوعية، في تربية جيل كامل، يقطع به عملية تكرار إنتاج الثقافة الجاهلية.
لم يطبع كتاب (الأمير) لمكيافيلي إلا بعد موته بخمس سنوات عام 1532م، وعلى الرغم من مرور خمسة قرون على إصداره؛ فهو مازال يعتبر من الكتب التأسيسية في علم السياسة بثلاثة أسباب: صراحته وبساطته وأنه خير مرشد لكل من يمسك رقاب العباد.
ويقول عنه الزعيم الفاشي (موسوليني) الذي حصل على درجة الدكتوراه من أطروحته حول الكتاب أنه: (ملازم لرجل الحكم). ولكن لماذا كان الكتاب تحت وسادة الكثير من الحكام؟ بحيث تحول إلى نبع تغذية لا ينضب لكل من خاض في أوحال السياسة؟
الجواب يأتي من قواعد اللعبة السياسية التي فهمها الرجل. إنه يشابه ابن خلدون في فهم طبيعة العمران والاجتماع البشري. إنه يريد فهم كيف (تجري) الأمور، وليس كيف (يجب) أن تسير الأمور.
ومن بضع فقرات نراه يدرك الطبيعة الإنسانية؛ فهو يرى أن (الشح هو إحدى الرذائل التي تمكن من الحكم)، وأنه من الأفضل (أن يخافك الناس على أن يحبوك)، كما يؤكد على أن لا يسلب الأمير ممتلكات الناس لأن (من الأسهل على الإنسان أن ينسى وفاة والده، من أن ينسى إرثه وأملاكه). وأن من الواجب (اقتراف الإساءات مرة واحدة بصورة جماعية؛ فهذا يفقدها مزية انتشار التأثير، وبالتالي لا تترك أثرا سيئاً) وأن (المنافع يجب أن تمنح قطرة قطرة، حتى يشعر الشعب بمذاقها ويلتذ بها) مقابل صب العذاب صبا.
كما عقد فصلا عن (أولئك الذين يصلون إلى الإمارة عن طريق النذالة) كما حصل مع (أغاتو كليس) الذي ارتقى عرش صقلية و(استدعى ذات صباح أهل سراقوسة ومجلس شيوخها للتشاور معهم في قضايا بالغة الأهمية بالنسبة للجمهورية، وعند إعطائه الإشارة المقررة، قام جنوده بذبح جميع الشيوخ وأثرياء المدينة، وبعد أن تحقق من قتلهم، تمكن من احتلال المدينة، وحكمها دون أن يخشى المنازعات الداخلية).
وهو قانون استتباب الأمن في برنامج الدول القمعية، عندما تموت الأمة ويتحول المجتمع إلى متحف حي محنط، يتقن الصمت إلى يوم يبعثون.
كما أن الحكام (تمكنوا بالمكر والدهاء من الضحك على عقول الناس وإرباكها وتغلبوا على أقرانهم من الذين جعلوا الإخلاص والوفاء رائدهم) وأن ثمة طريقين للقتال (القانون والقوة) ومن الضروري للأمير أن يعرف استخدام الطريقتين معا، وهو ما نصح به الأقدمون مشيرين إلى (شيرون القنطور الخرافي) الذي كان نصفه إنسان ونصفه حيوان.
وعلى الحاكم أن يقلد الثعلب والأسد معاً: (بأن يكون ثعلبا ليميز الأفخاخ وأسدا ترهبه الذئاب).
ولأن الناس سيئون ولن يحافظوا على عهودهم فإنك (لست ملزما بالمحافظة على عهودك لهم، والبابا ألكسندر السادس لم يقم بأي عمل سوى خداع الآخرين).
وعلى الحاكم أن (يتظاهر) بصفات خمسة: (الرحمة المجسدة، والوفاء للعهود، والنبل، والإنسانية، والتدين، ولعل الصفة الأخيرة أكثرها لزوما؛ لأن الناس عموما يحكمون بعيونهم أكثر من أيديهم، ولأن في وسع كل إنسان أن يرى) وأما القلة التي تحس بالحقيقة فلها حساب عسير مستقل. إذ أن (من عادة الدهماء أن تغرهم المظاهر ونتائج الأحداث ويتألف العالم من الدهماء، أما القلة الذين لا يعتبرون من الدهماء فهم معزولون عن الناس).

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة