MGPAP_Top

شظايا نووية تهبط في دمشق وبغداد

على مائدة غداء ضمت المستشار أحمد رضا كديرة، ووزير الخارجية عبد اللطيف الفيلالي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز، تساءل الأخير لماذا يبدي الملك الحسن الثاني كبير اهتمام بالسلاح النووي الذي تملكه بلاده؟ كان يستبعد الحصول على جواب، لأنه سمع ما يكفي من المؤاخذات، ولم يقنع محاوره بأن الردع النووي يصلح لحماية أمن الكيان الإسرائيلي، في غياب الأمن والسلم العادلين.
نحن في صيف العام 1986، المرة الأولى التي سيزور فيها مسؤول إسرائيلي المغرب علنا. فقد سبقتها زيارات ومباحثات جرت في سرية تامة، إلى درجة أن كبار مسؤولي الكيان الإسرائيلي كانوا يتعمدون إخفاء وجوههم وتغيير ملامحهم، واستعارة أسماء أجنبية تجنبا للحرج. وما بين زيارة ناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، وموشي دايان، وزير الدفاع الإسرائيلي، ونواب في الكنيست وشخصيات عدة.. اتسم قدوم شيمون بيريز بنكهة الصدمة المفاجئة التي تهز الأركان.
بين الفيلالي وكديرة تتقاطع الرؤى، لقد مر كل منهما بعتبة ومسالك الديوان الملكي، وبوزارة الخارجية، وتقاذفا الكرة في ملعب قطاع التعليم. غير أن المستشار كديرة لم يغادر المغرب في أي وقت للعمل في الخارج. وكان الوزير مولاي أحمد العلوي، حين يرغب في استمالته لتمرير فكرة أو مشروع، يقول له: «نحن شبيهان في البقاء داخل المغرب». وربما كان الفرق بين كديرة والفيلالي أن الأول حالم يجوب العالم نظريا ويحمل أفكارا لا يشاركه الجميع في سلامتها، بينما الآخر كان واقعيا يستند إلى رصيد كبير في المعاملات الدبلوماسية من الصين إلى الولايات المتحدة الأمريكية مرورا بأوروبا.
غير أن العمل إلى جانب الملك الراحل الحسن الثاني، فرض عليهما عند التفكير بصوت مسموع أن يرددا صدى واحدا. وبالقدر الذي كان الفيلالي حذرا ومرتابا إزاء خطوات «الانفتاح» على إسرائيل، كان كديرة متحمسا تغمره قناعة راسخة بأن الحوار يقرب المسافات بين الخصوم والأعداء، وأن المغرب لن يخسر شيئا إذا مشى في هذه الطريق، فهو أبعد دولة لا تجمعها أي حدود مع الكيان الإسرائيلي. لا أرض له محتلة ولا حساسية تحول دون إقدامه على المبادرة.
السياسة أيضا مثل الإدمان عند الشغوف بلعبة «البوكير» لا الربح يثنيه عن عدم استمرار المغامرة، ولا الخسارة تعفيه من تكرارها. وكان الحسن الثاني يردد بأن عليه أن يقتنع بفكرة ما كي يقنع بها الآخرين. ورافقته عادة الطرق بقوة على الأبواب الموصدة، إلى أن اكتشف أنها لا تنفتح إلا لتظهر أبواب أخرى مقفلة من بداية النفق إلى نهايته. والأهم لديه ألا يكون البادئ بإغلاق المنافذ.
«لا بد لصديقنا أن يفعل شيئا من أجل السلام»، هكذا سمعت النائب جوحنا أوحنا المتحدر من أصول يهودية، يتحدث عن كديرة، فقد كان يحول إقامته الفاخرة في آنفا بالدار البيضاء إلى منتدى حوار بين شخصيات إسرائيلية وأوروبية ومغربية. وحين عاد مرة من زيارة إلى تل أبيب، روى لي أن اليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل بإمكانهم الاضطلاع بدور لتقريب وجهات النظر. وأبدى أسفه لأن ليس هناك ما يكفي من الحوافز لتغيير نظرتهم إلى الصراع السياسي هناك. ولا شك أن تأثيره كان باديا على صديقه المستشار الذي كان يعتبره مثله الذي يحتذى.
لماذا إذن تساءل شيمون بيريز عن سر اهتمام الحسن الثاني بامتلاك إسرائيل سلاحا نوويا مدمرا؟ قد يكون قرأ تصريحات له قال فيها ذات سنة: «ماذا ستفعل إسرائيل بقنابلها الذرية. يكفيها أن تضرب بها كل العالم العربي من المحيط إلى الخليج، لكنها لن تسلم من شظاياها المتناثرة». والواقع أنها جربت الحروب بكل أنواعها، نظامية وغير نظامية، ولم تجلب لها السلم والأمن. فالحروب لا تكون إلا من أجل امتلاك أكبر أوراق الضغط في المفاوضات. وما لا تحققه فرقعات المدافع وغارات الطائرات وجنون الصواريخ المدمرة، يمكن أن يحقق السلام في حال ارتبط بالعدل. ولا يمكن لأي سلام أن يصمد أمام عربدة وتعنت كيان لا أحد يعرف حدوده الطبيعية، بما في ذلك الإسرائيليون الذين لا زالوا يحلمون بدولة من النهر إلى النهر.
قبل أن يفترق الحسن الثاني وشيمون بيريز اللذين اجتمعا في المنتجع الشتوي في إيفران، حرص الملك الراحل على سؤال ضيفه الثقيل جدا: ماذا تفكر إسرائيل في صنعه بقنابلها النووية؟ اقتطف من مذكرات الدكتور عبد اللطيف الفيلالي فقرة بليغة بهذا الشأن يقول فيها الحسن الثاني، بعد أن تعذر جواب رئيس الوزراء الإسرائيلي: «ليست هذه أول مرة نلتقي فيها، لقد ألفنا في الماضي التحدث بصراحة. لكن اليوم يبدو لي أنكم متحفظون. من جهتي سأقول لكم رأيي: إنكم تنفقون أموالا كثيرة بدون فائدة، لأنه في حالة تفجير قنبلة ذرية في حرب جديدة، ستكون النتائج كارثية على إسرائيل. وستكون مصر التي وقعتم معها معاهدة السلام أول ضحية».
ثم يضيف: «ربما دمرتم دمشق التي تقع منذ احتلال الجولان على بعد ستين كيلومترا من مواقعكم. ربما بغداد، لكن بما أنكم محاطون من كل جهة بالبلدان العربية، لن تستطيعوا مراقبة السماء ولا الهواء. وستتأثر إسرائيل في اليوم نفسه بالأشعة، وسيكون الشعب الإسرائيلي ضحية، على غرار البلدان العربية». ليخلص إلى القول: «قبل مغادرتكم اعتبرت أنه من واجبي تذكيركم بهذه المسلمات، لأنني رجل سلم».
افترق الرجلان من دون إحراز أي تقدم في مساعي بناء السلام العادل، وبعد مرور ثلاثة عقود، ها هي دمشق وبغداد وأجزاء من بلاد الكنانة تبدو وقد حلت بها كوارث نووية أفظع.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة