كتاب الرأي

شعب مضيوم

شامة درشول
احتفل العالم، يوم الأربعاء من هذا الأسبوع، باليوم العالمي للسعادة، وتسابقت منظمة الأمم المتحدة إلى تصنيف الدول الأكثر سعادة في العالم، وتلك الأكثر تعاسة، وطبعا صنف أجمل بلد في العالم في اللائحة التي تضم الدول الأضعف في مؤشر السعادة.
ترى الأمم المتحدة أن مؤشرات السعادة تختزل في مستوى البنيات التحتية، ووسائل النقل، وخدمات الصحة، والتعليم، والدخل الفردي، وحرية التعبير، ولذلك تصنف الهيئة الدولية بلدانا مثل السويد وسويسرا، والنرويج، وفنلندا وكندا، ضمن الدول الأكثر سعادة في العالم، في الوقت الذي تصنف دولا أخرى غالبا تتواجد في إفريقيا، أو كانت مستعمرة من الدول الإمبريالية، دولا يفتقد أهلها للسعادة بسبب ضعف ما توفره الأنظمة في هذه البلدان لشعوبها. ويبدو أن الأمم المتحدة عليها أن تراجع مفهومها للسعادة، لربما انتبهت إلى أن الدول الاسكندنافية هي دول شعوبها تصنف من أكثر الشعوب تجهما، ولا تعرف وجوههم الابتسامة، وأن الدول التي تحتل المراتب الأولى في مؤشر السعادة من أكثر البلدان التي يقدم فيها مواطنوها على الانتحار رغم ما تقدمه لهم أنظمتهم من مساعدات ودعم.
مرة، وأنا أتجول بجنيف رفقة مواطن سويسري من أصل جزائري، سألته عن السبب الذي يجعل أبناء هذا البلد يقدمون فيه على الانتحار، أجابني الرجل أننا نحن القادمون من مناطق صعبة مثل شمال إفريقيا والشرق الأوسط، اعتدنا أن نبذل مجهودا كبيرا من أجل الحصول على ما نريد، وأن نقاتل من أجل تحقيق أحلامنا، هذا القتال والكفاح ساعدانا على أن نكتسب مناعة ضد الانتكاسات ومصاعب الحياة، في الوقت الذي تقوم دولة مثل سويسرا بتقديم كل الحماية لأطفالها، وتوفر لهم كل ما يحتاجونه، وتسهل عليهم تحقيق أحلامهم، لذلك حالما يتعرض هؤلاء حين يكبرون لانتكاسة، ويصطدمون بأول مشكل يقابلونه، يجدون أنفسهم لم يكتسبوا مناعة ضد صعوبات الحياة، لذلك يسقطون بسهولة في شعور الخيبة، ويتطور هذا الشعور حتى يصل إلى اكتئاب حاد يؤدي بهم إلى التخلص من حياتهم.
كان الرد شبيها بما أخبرني به ذات يوم صديق سويدي، طرحت عليه السؤال نفسه ونحن نتجول بين شوارع استوكهولم، قال لي: «هنا، المواطن يشعر بأنه ليس من حقه الفشل لأن الدولة توفر له كل شيء لكي يكون إنسانا ناجحا، لهذا هو يشعر بأن عليه بذل الكثير من الجهد ليصل إلى المراتب الأولى، وإلا سيعتبر إنسانا فاشلا لا يقدر ما تقدمه له الدولة. لهذا السبب هو ينتكس حالما يشعر بالتعب من جراء الشعور بكل هذا الضغط عليه، ولا يجد حلا سوى الانتحار».
في دولة مثل الإمارات، أوجدت وزارة السعادة، تعتمد الوزارة في فلسفتها على توفير كل ظروف الرفاهية لمواطنيها والمقيمين على أرضها، مثل تقديم البنوك لبطاقة السعادة تحتوي على اشتراك في ناد رياضي فخم، أو في منتجع طبي للعناية بالجسم، أو خصم على سيارة غالية، أو الحصول على تذاكر طيران بأثمنة منخفضة. السعادة في هذا البلد مرتبطة بالرفاهية، بما هو مادي، وهو ما ستجد فلسفة مثل البوذية تحاربه، وتدعو إلى البساطة والتقشف، وعدم ربط السعادة بما هو مادي، بل العناية بالروح وبصفائها، حتى يبلغ المرء الخلاص، حسب ما يعتقده أنصار بوذا.
زرت بلدانا كثيرة، ووجدت أن كل بلد ينهج وصفة خاصة به للسعادة، في بلد مثل غانا، ورغم أنها بلد غني يمتلك ثروات ضخمة، إلا أن هذه الثروات تظل بين أيدي الأقلية، لذلك ستجد أنه في عاصمتها أكرا المواطنون أكثر ميلا للعزلة، وللحصول منك على الكثير من المال، حتى أجسامهم تميل إلى البدانة ووجوههم عابسة، في حين أن قرى غانا تمتلئ بالابتسامة، مواطنون يرسمون على أوجههم الفرحة، أجسادهم ممشوقة وقوية. تجد الموسيقى تعزف في كل مكان، ويرقصون في أي وقت.
ظلمت منظمة الأمم المتحدة الكثير من البلدان في حساب مؤشر السعادة، ومنحت ترتيبا متقدما لدول تغوص في التعاسة، لكنها ربما تكون قد أنصفت بلدا مثل بلدنا حين صنفته في قائمة الدول الأقل سعادة، ليس بسبب ضعف الخدمات التي يشير إليها مؤشر السعادة، بل بسبب أننا حقا «شعب مضيوم». جرب أن تسأل أحدا من هذا البلد عن فن الحياة، وما هي وصفة السعادة لديه، ستجد أنه سيكتفي بالقول: «إوا نلقاو خديما، وشي بنت الناس، أو ولد الحلال، ونديرو وليداتنا، إوا نصبرو حتى يدي مول الأمانة أمانتو». هذا رد سيجيبك به أغلب المغاربة، في الوقت الذي سيكتفي آخرون بالرد عليك: «نخوي هاد لبلاد ونتزوج شي زعرا».
في أجمل بلد في العالم نربط سعادتنا بالمال والإنجاب، ونلخص فن الحياة في شرب الخمر، والرقص في الملاهي، واقتناء أفخم سيارة، حتى أن شخصا سمعته يقول يوما: «بنادم إذا مشى للحج خاصو منلي يرجع ميعودش يبقى يضحك وإلا بطل حجه». ألم أقل لكم إن الأمم المتحدة لم تظلمنا وأننا حقا شعب مضيوم؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق