شكون الدجاجة شكون الفروج 2.2

 

 

كنّا قد أشرنا إلى الفضيحة التي تفجرت في اللحظات الأخيرة من عمر حكومة بنكيران، والتي تهم «أضخم» صفقة في تاريخ وزارة الصحة خُصِّصَت لشراء واقتناء معدات وآليات بيـو- طبية بقيمة قاربت 50 مليار سنتيم، وهي الصفقة التي حملت رقم: 12/2016/2 وتم فتح أظرفة طلبات العروض الخاصة بها بمكتب خلية التنسيق والصفقات بتاريخ 11/10/2016 على الساعة العاشرة صباحا، من أجل توريد أجهزة الفحص بالرنين المغناطيسي والراديو والسكانير.

وخلال ذاك اليوم كان الوزير الحسين الوردي، الذي وصفه بنكيران بأنه أحسن وزير صحة عرفه المغرب، في وضعية تصريف الأعمال بعد إجراء الانتخابات التشريعية ليوم 7 أكتوبر وتعيين بنكيران رئيسا للحكومة لولاية ثانية. والخطير في الأمر أن الوزارة قامت بمحو آثار هذه الفضيحة، بحذف محضر نتائج فتح الأظرفة من بوابة الصفقات العمومية، وكذلك محو دفتر التحملات والإعلان عن الصفقة.

المعطيات بخصوص الشركات التي فازت بالصفقة في حصصها الثلاث عشرة مثيرة بالفعل، فقد اتضح أن عملية تمرير تلك الصفقة تمت بطريقة «محبوكة» بقدر كبير من الدهاء من قبل مهندسي تلك «الفضيحة»، بحيث توجد شركة من بين هاته الشركات، رأسمالها لا يتجاوز مليوني سنتيم، وسمح لها بالحصول على صفقة خيالية بعد الفوز بالوحدة رقم 13 من الصفقة المذكورة، والتي بلغت قيمتها 47988000.00 درهم والتي همت توريد RADIO MOBILE+AMPLI ، وهو الثمن الذي يتجاوز بكثير الثمن التقديري للإدارة، وهي الشركة التي يبلغ رقم المعاملات السنوي الخاص بها «مليون درهم» لا غير، رغم أنها أحدثت قبل سنوات قليلة، في حين أن قانون الصفقات العمومية الصادر في 20 مارس 2013 بموجب المرسوم رقم 2.13.656 في المادة 18، يقضي بأن مقاييس قبول المتنافسين تأخذ بعين الاعتبار على وجه الخصوص الضمانات والمؤهلات القانونية والتقنية والمالية والمراجع المهنية للمتنافسين، وهو ما لا ينطبق على الشركة التي فازت بالحصة 13 من الصفقة، كما أن عدد العاملين بهاته الشركة أقل من عشرة أفراد في غياب أي خبرة أو مؤهلات كفيلة بتكوين الأطر الطبية التي ستشرف على استعمال هاته المعدات والتي خصصت لها الصفقة برنامجا تكوينيا يدخل في قيمة الصفقة، حسب ما تضمنه دفتر الشروط الخاصة.

وليس هذا فقط، فقد شاب أيضا خرق سافر الحصة 12 من الصفقة المعنية والتي خصصت لتزويد الوزارة بأجهزة الراديو المتعلقة بمرض السل، (8 وحدات)، إذ إن الشركة نالت الحصة بقيمة 13593600.00 درهم، والتي تفوق بكثير الثمن المرجعي للإدارة، إذ إن القيمة الحقيقية لا تتجاوز 4000000.00 درهم، بمعنى أن الشركة فازت بزيادة في الربح تجاوزت المليار سنتيم، لكن الغريب أن الشركة النائلة مجال اختصاصها في الاتصالات وإحداث الشبكات (Telecommunication et Reseau)  في الوقت الذي ينص فيه قانون الصفقات العمومية على ضرورة توفر المؤهلات التقنية والمراجع المهنية.

أما بالنسبة للحصة 7 والحصة 8 من الصفقة 12/2016/2، والتي فازت بها شركة مجال اختصاصها «الأصلي» هو الاستيراد والتصدير والتمثيل التجاري، فقد فازت بحصتين مجموع غلافهما المالي 78694800.00 درهم، أي قرابة ثمانية ملايير من السنتيمات من أجل توريد 70 وحدة من (Numeriseur multi cassette+repro) و8 وحدات Mammograghe numerique، وهاته الأثمنة تتجاوز بكثير ثمن السوق، علما أن هاته الشركة لا يتعدى عدد العاملين بها 10 أشخاص ورقم معاملاتها يتراوح ما بين 10 و50 مليون درهم.

أما في ما يتعلق بالحصة 3 من الصفقة ذاتها، والتي خصصت لتوريد خمس وحدات من جهاز (IRM Champ ouvert ) بقيمة مالية بلغت 39900000.00 درهم، أي ما يقارب أربعة ملايير سنتيم، في حين أن ثمن السوق بعيد كل البعد عن الثمن الذي مررت به الصفقة، مع العلم أن هذا الجهاز أصبح غير مساير للتطور الذي عرفته مثيلاته من الآلات الطبية، وهو ما يعني أن الشركة ستحصل على هذا الجهاز بثمن «بخس» من «خردة» مخازن الشركات المصنعة لهذا الجهاز لتقوم بتوريده بثمن خيالي، عكس ما ينص عليه دفتر التحملات الخاص بالصفقة 12/2016/2 والذي يشترط أن تكون المعدات والتجهيزات حديثة النوعية والطراز والجودة .

والمثير في ملف الصفقة أن من بين الشركات النائلة لإحدى الحصص بالصفقة المذكورة تعود ملكيتها في الأصل لابن مسؤول بارز بوزارة الصحة، سبق له أن استفاد سابقا من صفقة قدرت بالملايير، وحتى لا ينكشف «أمره» عمد إلى تغيير «القانون الأساسي» للشركة وتفويت حصصه قبل الدخول في هاته الصفقة التي جنى من خلالها الملايير في رمشة عين، من أجل تزويد مستشفيات المملكة بمعدات وآليات «مشكوك» في توافقها مع المعايير التي اشترطها دفتر التحملات الخاص بالصفقة، بالإضافة إلى التلاعبات الواضحة التي همت القيمة التقديرية، الأثمنة المرجعية، للمعدات البيوطبية، والثمن الذي مررت به بالمقارنة مع الثمن الحقيقي المتداول في السوق، وهو الفرق الذي بلغ أحيانا عشرات أضعاف الثمن الحقيقي، ناهيك عن «الخطة» الواضحة التي نهجتها خمس شركات مجتمعة في التباري على صفقات بعينها، بعدما كانت هذه الشركات تقوم بعملية تنسيق مسبقة بينها، وما يؤكد هذه الفرضية، كون الحصص التي تتنافس عليها الشركات المعنية بالخطة تتجاوز دائما الثمن التقديري للإدارة، وغالبا ما تكون الشركة الفائزة بالصفقة لا علاقة لها بالقطاع الصحي، وفي الحالات التي تشارك شركات منافسة أخرى في حصص معينة يتم دائما تقديم عروض أثمان موضوعية تقل بكثير عن الثمن المرجعي الذي تقدمه الإدارة، وذلك بتواطؤ مع مهندسي «الصفقة برمتها».

إن ما حدث في قطاع الصحة العمومية من فضائح خلال خمس سنوات من تولي الحسين الوردي لمسؤولية وزارة الصحة، والتي لم يكشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات سوى عن جزء يسير منها، يتطلب وقفة قانونية حازمة وصارمة لكي يعرف الجميع هل فعلا كان الوردي أحسن أم أسوأ وزير عرفه المغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.