MGPAP_Top

صالح أبو خليل حظوة كبرى ودغدغة لأحاسيس الضعفاء

صالح أبو خليل حظوة كبرى ودغدغة لأحاسيس الضعفاء

كريم الفحل الشرقاوي
من المسلم به عند كافة المسلمين أن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيئين، وذلك مصداقا لقوله تعالى: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين وكان الله بكل شيء عليما»، وقول النبي للإمام علي كرم الله وجهه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». غير أنه منذ «مسيلمة الكذاب» الذي ظهر في أواخر عهد المصطفى صلوات الله عليه و«مدعو النبوة» لم ينقطع نسلهم ولم تنقرض رسالاتهم ولم تخفت شطحاتهم إلى يومنا هذا. إذ ما فتئت الأخبار تفاجئنا بظهور أشخاص يدعون المهدوية أو النبوة أو حتى الألوهية، غير أن العجيب والغريب هو أن من بين هؤلاء السادة «الأنبياء» المعاصرين الذين سنكتشفهم في هذه الحلقات المثيرة، «متنبئون» ينتمون إلى شريحة المثقفين والأكاديميين من دكاترة جامعيين وأطباء مبرزين ومهندسين لامعين، بل إن من بينهم نساء أكاديميات ومثقفات يساريات ادعين النبوة أيضا.
ينشر أدعياء النبوة شطحاتهم وهلاوسهم وأساطيرهم عن طريق بيع الأحلام وترويج الأوهام وتأليف المسلسلات الفردوسية، التي تيسر كل عسير، وتستغل جهل الجاهلين وترضي أحلام الضعفاء وطموحات المحبطين، حتى ولو كان الأمر لا يتعدى الكذب والافتراء، هذا هو حال «صالح أبو خليل» المعروف عنه نفوذه القوي، خصوصا في عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، حيث كانت حظوته تتعدى سلطة الوزراء، بل الوزراء كانوا يخطبون وده وينشدون رضاه.
نبي الشرقية يصف نفسه بسر الجنة والمغفرة
في واقعة غريبة من نوعها حدثت في مصر، ادعى الشيخ الصوفي الشهير صالح أبو خليل النبوة، حيث صرح أمام جمع غفير من الناس (مسجل في فيديو): «اسمعوا ووعوا أنني أبشركم ألا واعلموا أن من دخل في عهدي فهو آمن، ومن مات وهو على حبي فهو آمن، ألا من كان في قلبه مثقال ذرة من حب أبو خليل فهو آمن. اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد».ويعتبر «صالح أبو خليل» من مؤسسي الطريقة الخليلية، وصرح بهذا الكلام في مهرجان في «الزقازيق» في محافظة الشرقية، ويزعم أنه نبي مرسل من عند الله، وأن من يلجأ إليه يجد الرحمة والمغفرة وما يتمناه. وقال أبو خليل في مهرجان حاشد: «ومن صدق في حبي فله الحسنى وزيادة، وله الجنة ويغفر الله له ولأبويه، ويهون الله عليه سكرات الموت ويرفع عنه عذاب القبر، ويأمن من أهوال يوم القيامة ويقضي له الله كل حوائجه، اللهم إني بلغت اللهم فاشهد، ألا أنه وقد أفاء الله عليه وأنا صاحب الأسماء ولا فخر، وأنا الغياث فاستغيثوا بي». وردد المدعو صالح أبو خليل قائلاً: «أنا من رحمة الله إليكم فاتبعوني يحببكم الله ويغفر الله لكم ذنبوكم، وأنا المصباح المنير فاستدلوا بنوري أدلكم على طريق الله، وأنا الربان فالتحقوا بسفينتي أوصلكم إلى شاطئ الرحمن، وأنا باب الأمل وباب الرجاء، وعندي يتوب العصاة ويعود إلى الله المقصرون، وأنا طبيب القلوب أعلم بدائها، وتمنح عندي ولايات وترفع عندي الدرجات فأقبلوا إلي عباد الله بجد، ليغفر لكم».
الشيخ صاحب الطريقة الخليلية
قبل أن يدعي النبوة كان قطب الأقطاب وشيخ الشيوخ – كما كان يدعي- محج كبار الدولة وأعيانها، حيث كان يزوره في «الزقازيق» وزراء وفنانون ورياضيون ومستشارون ولواءات شرطة.. وأشهرهم وائل نور وإيهاب توفيق وحنان شوقي، وكان الشيخ يعلن أنه قطب الكون، وولي هذا الزمان.. فكان الآلاف يتدافعون نحوه بمجرد ظهوره، كما كان يردد البعض أنه لا يصلي الجمعة في مدينته.. ويؤديها في مكة أو القدس ويقولون عنه إنه صاحب الطريقة الخليلية، إمام العارفين، ونقيب أشراف مدينة الزقازيق، إنه الشيخ صالح أحمد الشافعي أبو خليل، الذي ربط عدد من الفنانين والسياسيين وبعض كبار المسؤولين في مصر مستقبلهم الفني أو السياسي بنصائحه وتوجيهاته، وبعد أن اتسعت شهرته وأصبح يشار إليه بالبنان، وسط تشكيك كثيرين وتحفظاتهم على الشيخ وطريقته، لكون الشيخ صالح أبو خليل يبني طريقته على أساس ما يسمى بالإلهام، أي: إخبار المريد عن حوادث وقعت له في الماضي، أو ستقع له في المستقبل، ومعظم أتباعه مفتونون به لكونهم يظنون بأنه يعلم الغيب، وأن السعيد من أتباعه هو من أصابته نفحة من (سيدنا الشيخ) فصار يستلهم هو الآخر (أي يحدّث بما يدور في نفوس الآخرين) وهو يقيم لجده أو أبيه كل عام مولدًا كبيرًا، هذا بالإضافة إلى الحضرة التي يأمر أتباعه بها من حين لآخر. ويتحدث أتباعه بتوقير وتبجيل عن شيخهم المنتسب إلى كلية أصول الدين جامعة الأزهر، والذي يقولون إنه نذر حياته للدعوة لدين الله على الكتاب والسُنة، ويضيفون معلومات وحكايات تبدو غريبة على العقل؛ إذ يرددون أنه يترك صلاة الجمعة في مدينته، بحجة أنه يصلي في مكة، أو المدينة، أو القدس. ويقف البعض بتشكك عند قصائد المديح التي يُمدح بها الشيخ، والتي تنضح بأوصاف لا يستحقها إلا الله تعالى، أو نبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها قولهم: «يا سراجا مبينا وهداية للعالمين». ويتحدث أتباعه عن وراثة المدد النبوي، وكان يحج إليه الناس من كل حدب وصوب، وحتى رجالات الدولة الكبار ونجوم المجتمع وكواكبه، إلى درجة أنه يخيل إليك أنه لم يبق أحد من الكبار إلا وزاره. وأغلب مريدي الشيخ أبو خليل من الوزراء والمستشارين والقضاة وجنرالات الجيش والشرطة، بل والرياضيين، أيضا مثل النجم طاهر أبو زيد، وزير الرياضة السابق. وبالنسبة إلى الفنانين، فإن أشهر الفنانين الذين ارتبطوا بالشيخ أبو خليل، الفنان الكوميدي الراحل «علاء ولي الدين»، الذي كان محبـًا للزهد الصوفي بشكل عام، وقد نشرت الطريقة الخليلية نعيـًا له بعد وفاته. وأما باقي المريدين من المشاهير فيعتبرون أن علاقتهم بالشيخ صالح، وزياراتهم له أمر شخصي لا علاقة له بالشأن العام من قريب، أو من بعيد، باستثناء عدد من الفنانين الذين يحضرون له خصيصًا، مثل المطرب إيهاب توفيق الذي ظهر في مناسبات دينية عدة مع الشيخ صالح، وألقى مدائح وقصائد نبوية على جمهور الحاضرين. كما أن أغلب النجوم المصريين قاموا بزيارة الشيخ أكثر من مرة ولو على سبيل حب الاستطلاع، لكن أكثر الفنانين المرتبطين به هو الفنان محمود قابيل، والفنان وائل نور، والفنانة حنان شوقي، والفنانة أميرة العايدي، والدكتور رضا رجب، وكيل معهد الموسيقى العربية، والموسيقار سامي الحفناوي، والممثل إيهاب فهمي، بينما يتردد على المكان أيضا شعراء غنائيون مثل وائل هلال، ومجدي النجار، والسيناريست محسن الجلاد، وخالد علي، الذي تخلى عن عمله السابق كمطرب وأصبح يعمل منشدًا دينيًا في ساحة «سيدي أبو خليل».
في حضرة قطب الأقطاب
كان الجميع في انتظار إشراقة «ولي الله ابن النبي»، الذي يترك فيلته الفاخرة في أحد أحياء الزقازيق الراقية «القومية»، ليأتي إلى منزل أجداده القديم في حي «النحال»، يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ليمنح أحباءه فيضـًا من النفحات والنظرات الربانية التي اختصه الله بها. فجأة تضج الساحة بالتكبير والتهليل والزغاريد، وتتدافع الجموع نحو مدخل الساحة والخبير منهم يهرول نحو أبواب منزل الشيخ ليحجز مكانًا يعطيه قصب سبق الدخول أولا، بينما البعض يتساقط في خضم التدافع الشديد الذي يقابله عادةً دفع بعنف من جانب حراس الشيخ، الذين يحاولون شق طريق وسط الحشد وإخلاء المحيط لسيارة الشيخ.. وبسرعة خاطفة تندفع سيارة سوداء فاخرة، ويلوح من أحد أبواب منزل الشيخ، بجوار الساحة رجال يرتدون ثيابًا بيضاء وقبعات ذات خيوط مشبوكة ويشرعون في الإنشاد. نلاحظ هنا أن إنشادات الشيخ صالح أبو خليل مليئة بالاتحاد والحلول، وهناك تبجيل خاص للشيخ الصوفي محيي الدين بن عربي وغيره من أقطاب التصوف، كما أن صالح أبو خليل يعلن أنه قطب الكون، وأنه ولي هذا الزمان. ويظل الشيخ أبو خليل جالسًا داخل سيارته يحفه بجانب الأناشيد والتكبير والصلاة على النبي مجموعة من السكارى في حبه، الذين يتمايلون مع وقع دفوف المنشدين التي تصدح في أرجاء الساحة، وتتلامس أجسامهم بجسم سيارة الشيخ في خشوع وبكاء وهيام وجملة واحدة لا تفارق لسانهم: «بحبك يا عم». هناك، قد يقف أمامك وبجانبك وخلفك في الصف رجالات قضاء وشرطة ورجال أعمال وفنانون مشهورون لا يُعدمون وسيلة للدخول إلى الشيخ، فعندما يعرف حرس الشيخ أو عسسه أحدهم، فإنه يومئ لحارس الباب ويقول «المستشار فلان» أو «فلان بيه». يخرج الشيخ بعد «جلسة التسليم» إلى ساحة «جلسة الإلهام» في البيت ذاته؛ حيث يجلس مثل ملك على كرسي الحكم وأمامه مريدوه يفترشون الأرض، ويقفون في الخارج من كثرة الزحام. يرى الأتباع أن الشيخ صالح ليس وليـًا كسائر الأولياء، وإنما هو قطبهم أجمعين، وأن «حضرته» إذا أراد للشيء أن يكون فسيكون بإذن الله، غير أن الحدث الأكبر إعلان نبوة شيخ الطريقة المبجل، وهو ما سنراه في الحلقة المقبلة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة