CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

صحيفة باسم الصحراء والاتحاد المغاربي وإفريقيا والبحر المتوسط

بحثت عن صورة فريدة، يظهر فيها الوزير مولاي أحمد العلوي، يرقص إلى جانب زوار يتحدرون من أصول يهودية تعود إلى حفل استضافه فندق في الرباط، فلم أعثر عليها. حدثت مصورا في صحيفة «لوماتان» عن رغبتي، فرد بأنه لا يستطيع أن يمدني بها، من دون موافقة مولاي أحمد العلوي. فقد كان يعرف أنه ربما كان المصور الصحفي الوحيد الذي أتيح له التقاط صور الحفل.
يصعب إقناع الوزير بالهاتف، إن لم تربطك به معرفة غير عابرة. إنه يعرف الصحفيين المغاربة والأجانب بأسمائهم وميولاتهم ونزواتهم حتى، لكن الوصول إليه بلا ترتيب، أي موعد، يكون أجدى. فقد يضرب لك موعدا في الرباط، ثم تشاهده في نشرة الأخبار في اليوم نفسه يدشن مشروعا سياحيا في قلعة مكونة. وقد يحدد لك لقاء في فندق في الدار البيضاء، وما تلبث تكتشف أنه طار إلى طنجة، أو توقف في العاصمة السينغالية دكار.
الصدفة وحدها جعلتني أمسك بجلبابه في الدار البيضاء، من دون مقدمات حدثته عن تلك الصورة، فانفجر ضاحكا وهو يردد: «هل تسمعون ماذا يقول، إنه يريد صورة لي أرقص فيها مع يهود». ثم أمعن في القول على طريقته التي تجمع بين الدعابة والجدية: «لماذا لم تفكر في نشر صورتي وأنا أرقص على نغمات أحيدوس أو أحواش؟ لا فرق بين الأهازيج والرقصات والإيقاعات، فكلها تنبع من تراث إنساني».
لم يشأ أن يمنح الموضوع أكثر من التفاتة، قال بعدها: «إذا كنت تريد صورة أرقص فيها، فاطلب من نادل الفندق أن يعزف رقصة الكدرة، أو يأتي بفرقة عيساوة، وسترى أن كل الحضور ينهض للرقص». ثم انغمر في أحاديثه التي لا تترك مجالا لغير الإنصات، حيث يمتزج التاريخ بالسياسة والحفريات بالأنثربولوجيا، كما الفكاهة بالحكمة والعبرة. ولا بأس من نبرة غضب أو انزعاج فهي في مثل ملح الطعام، كثيره يقتل وقليله يفقد النكهة.
في تفاضل الصورة الراقصة على غيرها من المشاهد أن الرباط احتضنت مؤتمرا علنيا لشخصيات إسرائيلية يتحدر غالبية وجوهها من أصول مغربية، من بينهم وزراء وأعضاء في الكنيست الإسرائيلي. كانت المرة الأولى التي يحدث فيها لقاء بهذا المستوى، من دون أن يتستر الضيف، أو يحرج المضيف.
ففي وقائع مماثلة كان المسؤولون الإسرائيليون يستعيرون أسماء وأقنعة، حرصا على عدم إثارة الانتباه إلى وجودهم في بلد عربي، ملتزم مبدئيا بأنه دولة مواجهة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، سلما أم حربا.
كان الحدث مثيرا بالنسبة إلى بلد يرأس القمة العربية التي صاغت أسس أول مشروع سلام في مؤتمر فاس، الذي انعقد على دفعتين. وبرره مسؤولون مغاربة بأنه لا يوجد ما يمنع يهودا يتحدرون من أصول مغربية من زيارة بلدهم الأصلي، عدا أن المفاوضات لا تخرج بدورها عن نطاق المواجهة بلغة السلم الذي يصبح سلاحا في الدفاع عن الحقوق المشروعة.
ستختلف ردود الفعل عما سبقها لدى زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز منتجع إفران الشتوي، وسيكون من أبرز تداعياتها تعليق اتفاق «الاتحاد العربي ـ الإفريقي» المبرم بين المغرب وليبيا، علاوة على أن الملك الحسن الثاني سيقدم استقالته من رئاسة القمة العربية، في سابقة لم تعرفها الساحة العربية من قبل. وستتم بعد ذلك أولى زيارة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى إفران تحديدا، وجلوسه على نفس الكرسي الذي اقتعده بيريز، للدلالة على رغبة الفلسطينيين في معاودة الرباط لدورها في استئناف مفاوضات السلام.
مولاي أحمد العلوي لم يكن وزير خارجية في أي من الحكومات المتعاقبة، إلا أن دوره في تعبيد الطريق أمام مفاوضات السلام المغربية ـ الإسرائيلية كان متميزا. وروى الكاتب الفرنسي المرموق، جان دانييل، أنه أشهده على أول زيارة قام بها رئيس المؤتمر العالمي لليهود، ناحوم غولدمان، إلى المغرب، في وقت لم يكن فيه أي قائد عربي يتجرأ على الاجتماع بشخصيات إسرائيلية متنفذة. وأذكر أنه دافع بقوة عن فكرة تأسيس «جمعية هوية وحوار» التي كان المستشار أندريه أزولاي من بين روادها، ورأى وقتذاك أنه إذا كان الحوار السياسي متعذرا فلا أقل من البدء بحوار ثقافي يقرب المسافات، في إشارة منه إلى الدور الذي كان يعول على أن يلعبه أعضاء الطائفة اليهودية المغربية في هذا المجال.
أحتفظ بكلمة قالها في لقاء التأسيس في قصر التازي في الرباط، مفادها أن الأمازيغ مغاربة والعرب كذلك مغاربة، واليهود المغاربة لا يحتاجون إلى شهادة إثبات هويتهم المغربية. وسواء بالنسبة للذين يتفقون أو يختلفون معه في فرضيات الحوار السياسي الذي يمكن أن يقود إلى التعايش، في ظل تعثر كثير من المبادرات والمساعي، فقد كان أشد ميلا لإدخال مكونات المسألة اليهودية في تقاليد المعيش، من دون تعصب أو شوفينية.
عندما لم يجد بديلا في الدفاع عن فكرته. اقتطف إشارات موحية ألصقها بعنوان صحيفة «لوماتان»، ومن ذلك أنه نشر تقويما بالعيد اليهودي إلى جانب العامين الميلادي والهجري. تماما كما أضاف إلى الاسم قرينة الصحراء، ثم البعد المغاربي. من يدري لو أطال الله في عمره لكان أضاف البعد الأوروـ متوسطي والإفريقي لذلك، فتصبح «لوماتان الصحراء والمغرب العربي وشمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة