GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

صناعة التطرف (2/1)

كانت زنزانتي الانفرادية توجد في الطابق الثالث من جناح بسجن عكاشة أطلق عليه السجناء بويا عمر، بسبب إيوائه لكل أشكال المجرمين والحمقى المحكومين وغير المحكومين.
وكانت الزنزانة الانفرادية التي توجد فوق زنزانتي بالطابق الرابع تؤوي معتقلا على ذمة قانون الإرهاب.
كان المعتقل الشاب عندما ينزل الدرج بمفرده، عكسي أنا الذي كنت لا أتحرك إلا برفقة حارس، يلقي نظرة خاطفة نحو باب زنزانتي ويهبط سريعا نحو الفسحة أو المصحة أو قاعة الزيارة.
ذات يوم قرع باب زنزانتي ففتحت له النافذة الحديدية التي وسط الباب الموصد بالمزلاج، سلم علي وطلب بعض الجرائد، منحتها له وصعد مسرعا الدرج إلى زنزانته، محاذرا أن يراه أحد الحراس فيبلغ الإدارة عنه، فقد كان الحديث إلي ممنوعا على الجميع وكل من يغامر بالاقتراب من زنزانتي ينال العقاب الذي يستحق.
وهكذا أصبح يأتي بحذر تقريبا كل يوم قبل إغلاق الأبواب ويأخذ الجرائد ويمضي، وذات مرة سألته عن تهمته فقال لي وهو يلتفت يمنة ويسرة إنه محكوم في ملف له علاقة بالإرهاب، وبالضبط ملف خلية «أنصار المهدي»، لصاحبها حسن الخطاب.
سألته عن المدة التي حكم عليه بها فقال إنه حكم عليه بست سنوات، لكنه راجع نفسه وقدم طلبا بالعفو، وفي الاستئناف خفضوا حكمه إلى سنتين ونصف، وإنه سيغادر السجن بعد بضعة أشهر لكي يبدأ حياة جديدة.
فسألته كيف تم استقطابه نحو هذه الخلية، فقال لي إنه كان جنديا في الجيش، وإن عناصر من السلفيين اتصلوا به ونظموا له لقاء مع الشيخ المغراوي الذي نصحه بأن الجيش الذي يشتغل معه جيش غير إسلامي ولذلك يجب عليه أن يستقيل منه، وفعلا هذا ما وقع بالضبط، حيث غادر الجيش وتدبروا له شغلا كبائع متجول، وبعد ذلك نادوا عليه للذهاب من أجل التدريب بجبال الناظور، حيث تم اعتقاله رفقة أفراد آخرين منهم ينتمون إلى القوات المسلحة الملكية.
سألته إن كان لا زال يؤمن بفكرة «الجهاد» المسلح ضد المؤسسات واغتيال الشخصيات التي كانت مسجلة لديهم كأهداف، فقال لي إنه قرأ الإسلام الصحيح خلال فترة سجنه في كتب لا علاقة لها بالكتب الصفراء والخطب الموتورة المحرضة التي حشا بها حسن الخطاب وأشباهه رأسه، وإنه اليوم نادم على كل الوقت الذي ضيعه مع هؤلاء الناس الذين غرروا به.
تذكرت هذه المحاورات السجنية من وراء القضبان وأنا أقرأ المقالات التي خصصت لخروج حسن الخطاب زعيم خلية «أنصار المهدي» بعفو ملكي وإعلانه تأسيس حزب سياسي سلفي بالمغرب.
كما تذكرتها وأنا أقرأ اعترافه بأخطائه السابقة وطلبه المسامحة عن كل الأفكار الهدامة التي كان ينشرها، خصوصا اعتبار الدولة ومؤسساتها طاغوتا يجب تدميره، واعتباره فرحته ناقصة لن تكتمل إلا بمغادرة بلعيرج، المحكوم بالمؤبد، السجن ومعانقته للحرية من جديد.
عندما تكون في السجن وتعاشر عن قرب معتقلي السلفية الجهادية تفهم أن أغلبهم ضحايا لهؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مشايخ، طبعا هناك الدمويون الذين يعتبرون القتل عقيدة.
وعندما ينجح هؤلاء المشايخ في إقناع الدولة بمراجعاتهم الفكرية، يحصلون على العفو ويخلفون وراءهم ضحايا كثر لأفكارهم السابقة.
وإذا كان حسن الخطاب قد استعان بنساء من المجتمع المخملي، منهن طبيبة، لكي يحصل على إعانات مالية فكر في استعمالها لاقتناء الأسلحة التي كان يريد بها تنفيذ مخططه الإرهابي، فإن عبد القادر بلعيرج اشتغل طويلا في مجال تهريب الأسلحة، وعرف عنه اشتغاله مع المخابرات البلجيكية، التي تعاني اليوم الأمرين بسبب هذا الإرث المزعج الذي خلفه تساهلها الكبير مع خلايا التنظيمات من كل نوع.
كان بلعيرج حسب الكثيرين هو وأخوه يرأسان شبكة للاتجار بالسلاح، سلاح الحكومات الأوربية ألمانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا، سلاح يعلن عنه مسروقا من بعض ثكنات هذه الدول وترفع عنه تقارير إلى علم جنرالات جيوشهم، فتطمس التحريات حتى قبل أن تبدأ.
آنذاك كانت هناك رغبة لدى الأوربيين أن لا تستقر الأوضاع في الجزائر بعد انقلاب العسكر على الانتخابات التي أعطت للإسلاميين الأغلبية.
كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في تلك الفترة تردد على لسان رئيسها عباسي مدني أن الغاز الجزائري سيباع بثمن البورصة وأنه سيزيل الأسعار التفضيلية التي كانت تحظى بها بعض الدول الأوربية، هذا الغاز الذي هو عصب التجارة والصناعة وكل شيء في حياة الأوربيين، خاصة في فصل الشتاء، وهو ما كانت أوربا لتفرط فيه ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية وانتخاباتها في الجزائر، فأجهضوا المسلسل الديمقراطي متذرعين بما قاله علي بلحاج من كون تلك الانتخابات التي أعطتهم الغلبة ستكون آخر انتخابات بحول الله في الجزائر، فساهمت هذه الدول الأوربية في إنشاء الجماعة الإسلامية المسلحة وكونت رؤوسها، الذين غسلوا أدمغة الكثيرين واستقطبوا آخرين بالأموال وصنعوا ما كان يسمى «GIA».
في ذلك الوقت كانوا يقولون لهم أدخلوا ما شئتم من السلاح نحو الجزائر فلن نحرك ساكنا، لكن لا نريد أن تبقى قطعة واحدة منه في بلداننا.
بعد اغتنائه قام بلعيرج بالاستثمار في العقار، وقام أيضا بتكثيف علاقاته مع سياسيين ونافذين في كل البلدان، وقد اشتغل لمدة من الزمن قبل أن يقبض عليه في تشييع المغاربة، حيث عمل بالتعاون مع القنصلية الإيرانية في بروكسيل التي كانت تبحث لها عن قاعدة وقوة ضغط في الغرب وفي المغرب، خصوصا أنها لم تكن تملك أي حضور، فتحرك المشيعون في استغلال سذاجة وجهل الجالية المغربية ببلجيكا، وحنق بعضها على النظام والمغرب عموما، فرشوا الطماعين منها، إذ كانت القنصلية الإيرانية تصرف مبلغ 5000 أورو شهريا للإمام المغربي الشيعي الذي قتل هناك، وهو مبلغ دون التعويضات وقد يصل إلى 10000 أورو.
وهكذا نشأت النواة الأولى للشيعة المغاربة في أحياء الجالية ببروكسيل ومساجدها المقسمة بين الطوائف والطرائق، تحت الأعين المتلصصة لمخابرات كل الدول تقريبا.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة