صواريخ ذكية في حرب غبية

صواريخ ذكية في حرب غبية

الغرب مشمئز من منظر الأطفال والمدنيين السوريين وهم يختنقون بغاز السارين الذي يتهور النظام السوري بإطلاقه ضدهم في خان شيخون، لكن الغرب يتبرم من وصول جثث السوريين المشبعة بمياه البحر نحو شواطئه الآمنة.
فرنسا الأنوار غاضبة من استعمال الغازات السامة ضد المدنيين السوريين، لكنها ترفض إلى اليوم الاعتذار للمغاربة الذين تعرضوا لإشعاعات تجاربها النووية في الشرق المغربي على الحدود مع الجزائر.
ألمانيا وإسبانيا غاضبتان من استعمال الغاز السام ضد السوريين لكنهما ترفضان إلى اليوم الاعتذار للريفيين المغاربة الذين رشتهم القوات الإسبانية بغاز مصنوع في ألمانيا والذي مازال أبناء الريف يعانون من مضاعفاته إلى اليوم حيث إن أعلى نسبة من أمراض السرطان تسجل في الريف.
أما أمريكا التي ألقت القنبلة النووية على نكازاكي وهيروشيما لإخماد المقاومة اليابانية فهي تبكي اليوم الأطفال السوريين ضحايا الغازات السامة، رغم أنها ترفض إلى اليوم الاعتذار للشعب الياباني عن الإبادة الجماعية التي ارتكبتها القوات الأمريكية في حقه، ورغم أنها هي من يعطي الجيش الإسرائيلي الضوء الأخضر لإحراق الأطفال الفلسطينيين بالقنابل.
إنهم مجمعون على تجريم استعمال الغازات السامة في قتل المواطنين العزل في سوريا، لكنهم متفقون على قتلهم منذ ست سنوات بالأسلحة التقليدية، فمنظر جثة طفل سوري تخترقه رصاصات رشاش يبدو أكثر إنسانية من منظر جثة طفل تخرج من فمه رغوة بيضاء.
إذن فهم متفقون على إبادة الشعب السوري لكنهم مختلفون فقط حول الوسائل.
وكم هم إنسانيون هؤلاء الأمريكيون، فقبل أن يقصفوا بصواريخ طوماهوك الذكية موقعا للجيش السوري، انتقاما للسوريين الذين قضوا بسبب الغازات كما قال الرئيس دونالد ترامب والحقيقة هي أن استعادة الجيش السوري لعافيته ودخوله مناطق تعتبرها أمريكا نصيبها من الكعكة السورية التي تقتسمها مع روسيا هي السبب الرئيسي في القصف، وجهوا إنذارا لعناصر الجيش الروسي لكي ينسحبوا قبل بدء القصف، فما يهم الجيش الأمريكي هو قتل عناصر محدودة من الجيش السوري وليس الروسي، لبعث رسالة واضحة لساكن قصر الكريملين وملالي إيران وقائد العثمانيين الجدد.
ولعل أفضل ما يلخص ما يحدث اليوم في سوريا من دمار هو ما قاله «بول فاليري» عندما وصف الحرب بكونها «مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض لصالح أناس يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض».
لقد كانت فرنسا من أكبر الدول حماسا لإسقاط بشار الأسد ولو تطلب الأمر تدمير سوريا كلها فوق رؤوس السوريين، وهو ما حدث فتشتت الشاميون في الأرض هائمين على وجوههم، وأصبحوا يهود التاريخ المعاصر.
والواقع أن فرنسا وأمريكا تحاربان روسيا في سوريا وليس بشار الأسد، لكونهما يعتبران هذا الأخير مجرد ديكتاتور صغير يعمل لصالح بوتين.
لكن متى كانت فرنسا وأمريكا ضد الديكتاتوريين والديكتاتوريات، فقد كانت إلى حدود الأمس تتغنى بالنموذج التونسي البوليسي على عهد بنعلي، واستقبلت القذافي في الإليزي بخيمته وجنونه، وفرشت السجاد الأحمر لبشار الأسد وزوجته في قلب أفخم مطاعم باريس وأفردت لهما «باري ماتش» أطول روبورتاج مصور.
أليست فرنسا هي التي احتضنت أشد الديكتاتوريين الأفارقة دموية، إدريس دبي، دينيس ساسو نغيسو، بول بيا وبقية الطغاة ؟
ثم كيف تبرر فرنسا قصف الطيران الأمريكي لسوريا بكونه تحريرا للسوريين من طاغية متسلط، وهي تعقد الصفقات مع دول شرق أوسطية لا يقل زعماؤها ديكتاتورية عن نظام بشار؟ هل قطر دولة ديمقراطية مثلا، أم أن «مؤسسة قطر» للشيخة موزة أعمت عيون الساسة الفرنسيين بشيكاتها إلى درجة جعلتهم ينسون أن النظام القطري اعتقل شاعرا بسبب قصيدة، مجرد قصيدة ؟
إن داعش التي يريدون محاربتها اليوم لم تسقط من السماء، بل إنهم صنعوها مثلما يصنعون الفيروسات في مختبراتهم، المشكلة أن فيروس داعش هرب من المختبر وانتشر وأصبح يهددهم بالعدوى، تماما مثلما هرب في الفيلم الشهير المسخ «فرانكشتاين» من مختبر العالم المهووس الذي صممه.
إن قيام دونالد ترامب بإلقاء 59 صاروخا في ليلة واحدة في سوريا، وضرب اليمن والعراق، يعيد تكرار الخطأ السياسي الفادح نفسه، الذي ارتكبه الأمريكيون على عهد ريغان خلال الثمانينات عندما سلحوا الأفغان وساعدوهم في حربهم الطويلة مع الروس من أجل إخراجهم من أفغانستان.
وفي الأخير عندما انتصر الأفغان على «العدو» الروسي، اضطر البيت الأبيض على عهد بوش إلى الذهاب إلى أفغانستان للقضاء على من أسماهم «الإرهابيين»، الذين كان يسميهم في إعلامه «المجاهدين» عندما كانوا يحاربون عدوه الروسي اللدود بالوكالة.
لقد كشفت الأيام أن الاحتلال الأمريكي للعراق لم يكن بغاية حماية العالم من أسلحة الدمار الشامل، التي صنعها صدام حسين، بل فقط لتقسيم العراق من أجل السيطرة على مصادر النفط والغاز فيه. فالمناطق الوحيدة الآمنة في العراق، التي لا تسمح أمريكا بالاقتراب منها، هي مناطق حقول البترول والغاز.
وبإحكامها السيطرة، عسكريا وسياسيا، على أهم مصدر لإنتاج البترول وأكبر احتياطي معادن في العالم تكون أمريكا قد أحكمت قبضتها على مفتاحين مهمين من مفاتيح المستقبل.
إنها اللعبة الأمريكية في أفغانستان تتكرر اليوم في سوريا، مع تغيير بسيط في الأسماء والتواريخ والأمكنة.
وعندما اقتضت مصلحة أمريكا إسقاط صدام حسين من عرشه، اجتاحت القوات الأمريكية العراق، بمساندة الحلفاء وبمباركة من جيران صدام، الذين كانوا يرتجفون خوفا منه ومن بطشه، وهؤلاء هم أنفسهم الذين يهللون ويباركون قصف دونالد ترامب لسوريا اليوم، فاعتقلوا صدام وأخرجوه من الحفرة التي كان يختفي داخلها وضربوه وأهانوه وقدموه لمحاكمة هزلية قبل أن يسلموه إلى ألد خصومه لكي يشنقوه يوم عيد الأضحى أمام أنظار العالم، حتى يكون عبرة لمن لا يعتبر.
ولعل الجميع يتذكر كيف استقبلت هيلاري كلينتون ابن العقيد القذافي في البيت الأبيض استقبال الأبطال، وكيف ظل طوني بلير يشتغل كموظف صغير لمصلحة القذافي مقابل راتب وعمولات، وكيف قبل برلسكوني يد القذافي بأدب بالغ، مقدما للشعب الليبي اعتذار الشعب الإيطالي عن سنوات الاحتلال، وكيف اعتذرت سويسرا للقذافي بسبب تطبيقها القانون واعتقالها ابنه الذي عذب خادمه المغربي وضرب زوجته. ورأينا كيف استقبل ساركوزي العقيد القذافي في باريس في اليوم العالمي لحرية التعبير، وكيف أقفلت الجمهورية عيونها عن جرائم العقيد من أجل حفنة من الصفقات وبراميل النفط.
واليوم يجتمع كل هؤلاء الذين وقعوا صفقات مع كل الديكتاتوريين العرب وغير العرب من أجل الإطاحة ببشار الأسد من سوريا وتسليم البلد للإرهابيين المتنكرين في ثياب الثوار والذين يسلحهم ويدربهم عملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية.
سيكون صعبا علينا أن نقتنع بأن كل هذه «التضحيات» التي تقوم بها أمريكا ومعها فرنسا وحلفاؤها ليست وراءها سوى مصلحة الشعب السوري، والشعب الأفغاني، والشعب العراقي، والشعب اليمني، والشعب الليبي، إلا إذا كان هؤلاء المنافقون يعتقدون أننا أغبياء إلى هذا الحد.
لذلك لا تصدقوا سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية نيكي هيلي وهي تقف شبه دامعة أمام أعضاء الأمم المتحدة شاهرة صور أطفال ضحايا غاز السارين بخان شيخون، فالهدف ليس تنبيه العالم لما يحدث لأطفال سوريا من مجازر، فالعالم يعرف منذ ست سنوات ولا يهتم، بل الهدف هو تبرير الضربة الصاروخية ضد القاعدة العسكرية السورية.
تلك الضربة «الذكية» التي كان هدفها ليس تدمير القوات السورية بل بعث رسالة مفادها أن استعادة بشار لقواه العسكرية بعد دحره لعناصر جيش البغدادي ليس مبررا لكي يتنكر للالتزامات التي وقعتها روسيا مع الإدارة الأمريكية والتي تمنح أمريكا موطئ قدم على الأراضي السورية، في الرقة تحديدا.
هذا كل ما في الحكاية، مصالح اقتصادية كبرى لدول كبرى تريد أن توزع تركة رجل مريض اسمه أرض الشام.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة