ضربة خطأ طبية

ضربة خطأ طبية

أصر عبدو على دخول السجن رغم أن قاضي التحقيق قرر تمتيعه بالسراح المؤقت، فقد تأبط حقيبته ورابط أمام مكتب الوكيل العام للملك بالدار البيضاء، وهو يعلن استعداده لدخول المعتقل ضدا على قرار القاضي.
أصل الحكاية يرجع لإحالة عبدو على المحكمة بتهمة القتل دون نية إحداثه، لكن قاضي التحقيق وبعد سلسلة من جلسات الاستماع لأطراف النازلة، قرر متابعة الضنين في حالة سراح وهو ما اعترض عليه الوكيل، فحصل تصادم بين الهيئة القضائية، قرر عبدو أن يحسمه باستبدال السراح بالاعتقال، معلنا استعداده الإقامة في سجن «عكاشة» كي لا يتسبب في إشعال فتيل النزاع داخل المحكمة، سيما وأن وجود عبدو داخل السجن أو في بيته لا يفسد للود قضية، فالحياة في غياب الحد الأدنى للعيش الكريم عقوبة سالبة للحرية والكرامة.
قال عبدو للوكيل العام: «سيدي أنا مستعد للإقامة الجبرية في السجن، فهو أرحم علي من غضبة عدالتكم»، وكشف عن محتويات حقيبته اليدوية التي تضم لوازم الاعتقال الأساسية. جلس الوكيل حائرا أمام إصرار المتهم، فيما اعتبر قاضي التحقيق النازلة من نواقض القضاء.
بالأمس عرضت على محكمة عين السبع قضية مماثلة حيث وقف ثلاثة أطباء، أمام رئيس الجلسة لتبرير موقفهم من تهمة القتل غير العمد، على خلفية وفاة مريضة إثر خطأ طبي، فقد دار سجال فقهي حول الأجل، قبل أن يطالب دفاع الهالكة باستدعاء الهيئة الجهوية للأطباء لجس نبضهم حول قضية كشفت أن كثيرا من الأرواح قد زهقت بسبب تغليب الوازع المالي على الوازع الإنساني.
دخلت والدة صحافية «راديو مارس» خديجة الحريري إلى مستشفى ابن رشد من أجل علاج ألم بسيط في ركبتها، إذ كانت تصر على العلاج التقليدي وتتشاءم من «ملائكة الرحمة»، فصدق حدسها حين غادرت المستشفى جثة هامدة، أمام استغراب أفراد أسرتها الذين لم يصدقوا الخبر، وحين طالبوا إدارة المستشفى بتوضيحات حول الموت المفاجئ، قيل لهم عليكم بتشريح الجثة فهو الكفيل بكشف الخطأ الطبي من عدمه، فيما برر آخرون الواقعة بإضراب أطباء يعانون من قصور إنساني رهيب.
لهذا طالب عبدو وألح على دخول السجن عن طواعية واقتناع بعدالة موقف المحكمة الموقرة، وقررت خديجة عدم متابعة مصلحة العظام بتهمة القتل غير العمد، واكتفت بدفن جثة والدتها في مقبرة امزاب مسقط رأسها وعلى شاهد قبرها عبارة غير مكتوبة تقول: «هنا ترقد فاطنة التي صدقت كلام الوردي، حين تحدث في البرلمان عن خدمات طبية أخرى غير التي نعرفها ونعيشها».
قبل أن ترحل بعثات الفرق المغربية إلى إفريقيا لخوض مباريات الكرة، تعرج على معهد «باستور» لحقن الجسد بلقاح مضاد للحمى الصفراء التي تنشط في كثير من دول ما وراء الصحراء، لكن المعهد لا يتوفر على المخزون الكافي من اللقاح، ما جعل اللاعبين أمام خيارين لا ثالث لهما: السفر دون الحاجة لوخز الإبر، أو الاعتذار عن المشاركة للضرورة الطبية.
لم يجد المدرب بدا من تعديل لائحته والاعتماد على أصحاب السوابق في الحقن، حتى لا يصبح في مواجهة فريقين: الخصم الإفريقي وفيلق الذبابة الرعناء، ويتحول الكفن إلى جزء لا يتجزأ من لوازم السفر إلى الأدغال الإفريقية.
لا تولي أنديتنا اهتماما كبيرا للجانب الطبي، بل إن فريقا يعيش في دوري المظاليم، اعتمد لسنوات على خدمات طبيب أمراض نساء، قبل أن يستبدله خشية انكشاف أمره، بعدما تبين أن أول سؤال يوجهه للاعبيه يتعلق بالدورة الشهرية، فأحيل على الفرع النسائي في صمت، حتى لا تصبح للفضيحة «سلاسل».
لقد ازداد الوعي بقضية الخطأ الطبي، وتبين أن لازمة «انتهى أجله» مجرد مرهم تلجأ إليه إدارة المصحة كلما فاق عدد الأخطاء الطبية معدل ضربات الجزاء المهدرة في ملاعبنا، لذا لن نفاجأ بمشهد سائق سيارة إسعاف وهو يصيح أمام بوابة المستشفى:
«المقبرة بلاصة.. المقبرة بلاصة».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة