ضربتان قويتان مؤلمتان

عبد الباري عطوان

 

 

 

تلقى الأشقاء الدروز على جانبي حدود دولة الاحتلال الإسرائيلي ضربتين قويتين في أقل من أسبوع، الأولى من عدو تكفيري لا يعترف بإسلامهم ويحلّ سفك دمهم، ونحن نتحدث هنا عن “الدولة الإسلامية” “داعش”، التي ارتكبت مجزرة راح ضحيتها 250 شخصا من أبناء السويداء قبل أسبوع، أما الثانية فكانت أكثر قوة وإيلاما، وتمثلت في قانون القومية العنصري الذي جعل من “إسرائيل” الدولة القومية للشعب اليهودي الذي له الحق وحده في تقرير المصير، الأمر الذي أزال وهما راسخا في أذهان قطاع من أبناء الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة اعتقدوا بأنهم شركاء متساوون مع اليهود ومتميزون، في علاقة خاصة معهم، عن غيرهم من أشقائهم العرب الآخرين، مسلمين كانوا أو مسيحيين، ولهذا انخرطوا في الجيش الإسرائيلي طوال السنوات السبعين الماضية، وقدموا آلاف القتلى لتثبيت أمنها واستقرارها.

هذا القانون، الذي تأخر كثير جدا، جاء في تقديرنا “نعمة” للأشقاء الدروز، ليس فقط لأنه ساواهم بأشقائهم العرب في الظلم والإقصاء والتهميش، وإنما لأنه فتح عيونهم على انهيار سراب الشراكة وأخوة السلاح مع المحتل الإسرائيلي العنصري الدموي أيضا.

الضابط الدرزي المتقاعد سامي عوض الذي خدم في الجيش الإسرائيلي أكثر من ثلاثين عاما لخص محنة أبناء هذه الطائفة العربية المسلمة الموحدة بقوله “يصعب علي بعد هذا القانون إقناع الشباب الدروز بالانخراط في الجيش الإسرائيلي لأنهم أصبحوا بمثابة المرتزقة، يقاتلون دفاعا عن دولة لا تعترف بمواطنتهم من منطلقات عنصرية”، وذلك في تصريح لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية، وكان صادقا ومصيبا في كل كلمة قالها.

من اتصلنا بهم من أبناء الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة، ومن خلال قراءتنا لردود فعلهم وكتابتهم على هذا القانون العنصري، نلمس وجود حالة من الغضب والإحباط غير مسبوقة، فقد أكد لهم هذا القانون أن اليهودية تتقدم على الديمقراطية، وكل شعارات المساواة الكاذبة المضللة، وهناك من يتوقع “انتفاضة” وشيكة في صفوف الشباب الدرزي، خاصة أنه جرى تشكيل غرفة قيادة مشتركة تضم كل أطياف التوجهات السياسية والفكرية الدرزية، للتعاطي مع تطورات ومواقف ما بعد هذا القانون.

النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي زهير بهلول كان الأكثر شجاعة في رأينا، بين أقرانه العرب عندما أعلن في برنامج تلفزيوني إسرائيلي وعلى الهواء مباشرة استقالته قائلا “لا يمكن أن أتحمل البقاء في البرلمان الذي أقر هذا القانون الذي يزيل المساواة، ويضفي الشرعية على مداولاته العنصرية.

النائب البهلول ليس عضوا في القائمة العربية الموحدة، وإنما في “الاتحاد الصهيوني” المعارض، وتعهد بأنه لن يتراجع مطلقا عن استقالته هذه، وختم مداخلته التلفزيونية بالقول “لا يمكن أن أتصور نفسي جالسا على مقاعد هذا البرلمان العنصري المدمر والمتطرف”.

الشارع العربي في فلسطين المحتلة عام 1948 يبدو منقسما حول مسألة الاستقالة هذه، فهناك غالبية تطالب النواب العرب باستقالة جماعية من الكنيست لأن كل أطروحاتهم التي تتحدث عن تمثيل ناخبيهم والمطالبة بحقوقهم تحت قبة الكنيست قد سقطت، وهناك أقلية تطالب بعدم الاستقالة عبر عنها النائب يوسف جبارين، عضو الكنيست والقائمة العربية الموحدة، بقوله إن هذه العضوية تسهل عليهم، أي النواب العرب، خوض الصراع مع إسرائيل داخليا، كما أنها توفر منبرا لمخاطبة برلمانات العالم بصفتهم ممثلين منتخبين.

في تقديرنا أن بقاء نواب عرب تحت قبة كنيست إسرائيلي يلغي “مواطنتهم” ويكرس يهودية الدولة، ويشجع الاستيطان، والمزيد منه، وارتكاب المجازر، خيار غير مقبول، وغير منطقي، علاوة على كونه مهينا، ولذلك نحن نقف في خندق المطالبين بالاستقالة الجماعية لأنها تشكل أقوى أنواع المقاومة، وأكثرها فاعلية وتأثيرا في وجه هذا القانون العنصري والحكومة التي أقرته، وفضح إسرائيل ووجهها البشع أمام العالم بأسره، ووضع حد لحالة “التكاذب” الديمقراطي الإسرائيلي المستمر منذ سبعين عاما، فهذا القانون العنصري يلغي التمثيل العربي في الكنيست دستوريا، ويجعله تجميلا لديمقراطية عنصرية لدولة يهودية صرفة.

الأشقاء الدروز طُعنوا في الظهر بخنجر مسموم بأبشع أنواع سموم العنصرية والتمييز، ونحن لا نتحدث هنا عن أبناء الطائفة الذين انحازوا دائما إلى أشقائهم العرب الآخرين، ووقفوا في خندق المقاومة ضد الاحتلال، منذ اليوم الأول، ورفضوا الانخراط في الجيش الإسرائيلي، ونالهم، وأبناءهم، الكثير من الأذى، وعلى رأس هؤلاء الصديق الشاعر الكبير الراحل سميح القاسم وزملاؤه الكثر الذين لا يتسع المجال لتسميتهم جميعا، ويقتصر حديثنا هنا عن بعض الأشقاء الدروز الذين انخدعوا بالأحاديث والأدبيات الصهيونية عن الديمقراطية والمساواة.

هذا القانون جاء أكبر هدية لكل العرب تحت الاحتلال، لأنه فضح الأكاذيب الصهيونية والوجه العنصري لها، وأعفاهم من البحث عن إثباتات لوجود هذه العنصرية بمأسستها ودسترتها رسميا، وهيأ أرضية مشتركة للوقوف في خندق واحد لمواجهتها بكل قوة وشراسة.

ختاما، نطالب بقيادة عربية موحدة يكون للأشقاء الدروز مكانة بارزة فيها، تتولى النضال في مواجهة هذا النظام الصهيوني العنصري بكل الطرق والوسائل، ويكون أول مطالبها عدم المشاركة في أي انتخابات للكنيست، واستقالة جميع المجندين في الجيش الإسرائيلي، وأصحاب المناصب العليا في الدولة احتجاجا، وعلى رأسها الوزير الدرزي أيوب قرا الذي أصبح قناة التطبيع الرئيسية مع الحكومات العربية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.