ضربني وبكى

الأخبار 

 

 

عِوَض تبني مقترح إيطاليا بتوزيع المهاجرين الأفارقة على مجموع الدول الأوربية، اقترح هؤلاء إنشاء مراكز لإيوائهم في المغرب وتونس، طبعا المغرب رفض هذه الفكرة، وهذا من حقه، لأن الموضوع ينطوي على نفاق وخبث كبيرين، خصوصا إذا عرفنا أن البلدان الست الأكثر فقرا في العالم تؤوي 51 بالمائة من اللاجئين في حين أن البلدان الست الأكثر غنى في العالم لا تؤوي سوى 5 بالمائة.

ويبقى أفضل جواب عن هذه الدراما الإنسانية التي يشاهدها العالم في نشرات الأخبار حيث تطفو جثث المهاجرين واللاجئين على مياه الشواطئ الأوربية هو ما قالته المغنية الأفريقية أنجيليك كيدجو في بلاطو برنامج

On n’est pas couché على القناة الفرنسية الثانية عندما قالت لزعيم حركة “انهضي فرنسا” نيكولا ديبون، الذي قال إن فرنسا ليست مسؤولة عن مآسي إفريقيا، إن الحل لوقف زحف المهاجرين واللاجئين الأفارقة نحو فرنسا هو أن تتوقف هذه الأخيرة عن بيع الأسلحة للأنظمة الديكتاتورية بإفريقيا والتوقف عن مساندة الزعماء الأفارقة الدمويين والمستبدين مقابل تغاضيهم عن نهب فرنسا لثروات بلدانهم.

وعندما أشاهد هذا الزحف الكبير على أوربا من طرف مئات المهاجرين واللاجئين يوميا، أقول إن آخر من يحق له أن يشتكي من هذا الاجتياح هم الأوربيون أنفسهم. فقد ذهبوا بطائراتهم وجيوشهم في حلف الناتو لإسقاط أنظمة دول كانت بمثابة الجدار الأمني الذي يحرس حدودهم واليوم يبكون بسبب اجتياح لاجئي هذه الدول لحدودهم.

ليبيا، سوريا، وقبلهما العراق، كلها دول كانت مستقرة فقررت القوى العالمية تفتيتها وتشريد شعوبها في المنافي، وبعد كل هذا يتساءلون عن سبب هذه الهجرات الكبيرة ويدعون أنهم لا يتحملون المسؤولية في ما يقع.

ولعل أفضل من يلخص ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط والدول العربية من حروب هو “بول فاليري” الذي قال “الحرب مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض لصالح أناس يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض”.

فالحرب هي سبب كل هذه الفوضى وهذا النزوح الكبير للمهاجرين واللاجئين، والحرب اليوم هي النشاط الاقتصادي الأكثر دخلا، وهي ما يتحكم في النمو الاقتصادي للدول الكبرى، مما يعني أن توقف الحرب يقود مباشرة إلى الإفلاس العالمي حسب المنظومة الاقتصادية المفروضة من طرف هذه الدول.

فهذه الدول ذات الماضي الإمبريالي هي أحسن من يجسد مقولة “ضربني وبكى سبقني وشكى”، فهي تريد أن تشتت الدول الآمنة وتشرد مواطنيها ثم تظهر في النهاية وكأنها هي الضحية والمتضررة من هذه الهجرة.

لقد كانت فرنسا من أكبر الدول حماسا لإسقاط بشار الأسد ولو تطلب الأمر تدمير سوريا كلها فوق رؤوس السوريين، وهو ما حدث فتشتت الشاميون في الأرض هائمين على وجوههم، وأصبحوا يهود التاريخ المعاصر.

والواقع أن فرنسا تحارب روسيا في سوريا وليس بشار الأسد، لكونها تعتبر هذا الأخير مجرد ديكتاتور صغير يعمل لصالح بوتين.

لكن متى كانت فرنسا ضد الدكتاتوريين والديكتاتوريات، هي التي كانت إلى حدود الأمس تتغنى بالنموذج التونسي البوليسي على عهد بنعلي، واستقبلت القذافي في الإليزي بخيمته وجنونه، وفرشت السجاد الأحمر لبشار الأسد وزوجته في قلب أفخم مطاعم باريس وأفردت لهما باري ماتش أطول روبورتاج مصور.

أليست فرنسا هي التي احتضنت أشد الديكتاتوريين الأفارقة دموية، إدريس دبي، دينيس ساسو نغيسو، بول بيا وبقية الطغاة ؟

لقد كشفت الأيام أن الاحتلال الأمريكي للعراق لم يكن بغاية حماية العالم من أسلحة الدمار الشامل، التي صنعها صدام حسين، بل فقط لتقسيم العراق من أجل السيطرة على مصادر النفط والغاز فيه. فالمنطقة الوحيدة الآمنة في العراق، التي لا تسمح أمريكا بالاقتراب منها، هي مناطق حقول البترول والغاز.

وبإحكامها السيطرة، عسكريا وسياسيا، على أهم مصدر لإنتاج البترول وأكبر احتياطي معادن في العالم تكون أمريكا قد أحكمت قبضتها على مفتاحين مهمين من مفاتيح المستقبل.

ولعل المجهود الكبير الذي يبذله البيت الأبيض عبر إعلامه والسينما المجندة لخدمته، التي يتحكم فيها اللوبي الصهيوني الموالي لإسرائيل، هو كيف يغلف هذا الوجود الاستعماري فوق أراضي الغير بغلاف الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان من أجل تضليل الرأي العام العالمي وإبعاده عن التفكير في الأسباب الاقتصادية الحقيقية لتواجده في العراق وأفغانستان وفي ليبيا اليوم، هذا التواجد العسكري الذي يباركه الرؤساء، الذين يأتي بهم الجيش الأمريكي فوق الدبابات لكي ينصبهم فوق كراسي الحكم، مثلما وقع مع المالكي في بغداد بعد سقوطها واحتلالها، أو مثلما وقع في كابول عندما نصب البيت الأبيض «كرزاي.»

الأمريكيون ليس لديهم أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، وإنما مصالح دائمة. وعندما يشعرون بأن «رجلهم» في منطقة ما احترق، فإنهم يسارعون إلى نفضه مثل أعواد الثقاب المحترقة.

إنها اللعبة الأمريكية في أفغانستان تتكرر اليوم في سوريا، مع تغيير بسيط في الأسماء والتواريخ والأمكنة.

فعندما اقتضت مصلحة أمريكا إسقاط صدام حسين من عرشه، اجتاحت القوات الأمريكية العراق، بمساندة الحلفاء وبمباركة من جيران صدام، الذين كانوا يرتجفون خوفا منه ومن بطشه، فاعتقلوه وأخرجوه من الحفرة التي كان يختفي داخلها وضربوه وأهانوه وقدموه لمحاكمة هزلية قبل أن يسلموه إلى ألد خصومه لكي يشنقوه يوم عيد الأضحى أمام أنظار العالم، حتى يكون عبرة لمن لا يعتبر.

ولعل الجميع يتذكر كيف استقبلت هيلاري كلينتون ابن العقيد القذافي في البيت الأبيض استقبال الأبطال، وكيف ظل طوني بلير يشتغل كموظف صغير لمصلحة القذافي مقابل راتب وعمولات، وكيف قبل برلسكوني يد القذافي بأدب بالغ، مقدما للشعب الليبي اعتذار الشعب الإيطالي عن سنوات الاحتلال، وكيف اعتذرت سويسرا للقذافي بسبب تطبيقها القانون واعتقالها ابنه الذي عذب خادمه المغربي وضرب زوجته. ورأينا كيف استقبل ساركوزي العقيد القذافي في باريس في اليوم العالمي لحرية التعبير، وكيف أقفلت الجمهورية عيونها عن جرائم العقيد من أجل حفنة من الصفقات وبراميل النفط.

واليوم يجتمع كل هؤلاء الذين وقعوا صفقات مع كل الديكتاتوريين من أجل الإطاحة ببشار الأسد من سوريا وتسليم البلد للإرهابيين المتنكرين في ثياب الثوار والذين يسلحهم ويدربهم عملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية.

سيكون صعبا علينا أن نقتنع بأن كل هذه «التضحيات» التي تقوم بها أمريكا ومعها أوربا بقيادة فرنسا وحلفائها ليس وراءها سوى مصلحة الشعب السوري والشعب الأفغاني والشعب العراقي والشعب الليبي والشعب التونسي التي حولوها إلى مهاجرين ولاجئين، إلا إذا كان هؤلاء المنافقون يعتقدون أننا أغبياء إلى هذا الحد، فتلك قصة أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.