آخر الأخبار

طبول الحرب (3/1)

طبول الحرب (3/1)

عندما يتحدث الثعلب العجوز المسمى هنري كيسنجر فيجب أن يأخذ الجميع كلامه على محمل الجد، فما يحدث اليوم من فوضى في العالم كان هو من نظر له قبل خمسين عاما، ولذلك قال قبل أربع سنوات بأن «طبول الحرب تدق، ومن لم يسمعها فهو أصم».
فماذا قال هنري كيسنجر غداة انطلاق الربيع العربي الأمريكي يا ترى؟
قال «إن كنت مواطناً عادياً في وسعك تحضير نفسك لمواجهة الحرب بالانتقال إلى الريف، والإقامة في مزرعة، ولكن لا تنس أن تأخذ معك سلاحك، فقد تحتاج إليه، حيث إن جحافل الجوعى قد تغزو مكان إقامتك، أما رجال النخبة، فلديهم ملاذاتهم الآمنة. لكن، عليهم أيضا أن يكونوا حذرين، لأن ملاذاتهم تظل، هي الأخرى، في خطر».
حسب كيسنجر فمن يسيطر على النفط يتحكم بالدول، ومن يسيطر على الغذاء يتحكم بالشعوب، وهذه هي خطة أمريكا التي التزمت باحترامها وتنفيذها مستقبلا.
ولعل اللعاب الأمريكي الذي يسيل منذ سنوات بسبب الفوسفاط المغربي، يفسر مدى الاهتمام البالغ الذي توليه أمريكا للسيطرة على مصادر الغذاء أكثر من اهتمامها بمصادر الطاقة، فالطاقة يمكن أن تعوض لكن الفوسفاط يحتاج ملايين السنوات لكي يتكون، وهنا مصدر أهميته.
ومن أجل التركيز على السيطرة على مصادر الطاقة والغذاء، قررت أمريكا قبل أربع سنوات عدم التورط في خوض أي حرب، مقابل التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية وتنفيذ خطة جون كيري، ما جعل سفراء البيت الأبيض عبر العالم أشبه بوكلاء تجاريين يشتغلون مع شركة قابضة اسمها الولايات المتحدة الأمريكية، همهم الوحيد هو جلب العقود التجارية وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية التي تعبد الطريق نحو فروع الشركات الأمريكية ومنتوجاتها لغزو العالم.
قبل أيام قال السفير الأمريكي في الرباط، داويث بوش، أمام حشد من الصحافيين الذين انتقتهم المستشارة السياسية بعناية، إنه لجلب سياح أمريكيين إلى المغرب يجب تصدير سلع مغربية إلى أمريكا حتى يرغب المواطن الأمريكي في زيارة هذا البلد الذي تأتي منه كل هذه البضائع الجيدة.
لكن سعادة السفير نسي أن إدخال جمل في ثقب إبرة أيسر من إدخال بضائع مغربية إلى السوق الأمريكية.
وحتى اتفاقية التبادل الحر التي بين المغرب وأمريكا هي في صالح المنتوج الأمريكي وليس المغربي الذي يذهب ويظل في الموانئ قبل أن يعود إلى المغرب على نفقة الدولة الأمريكية.
أمريكا هي أحسن من يطبق خلاصات كتاب «فن الحرب» لمؤلفة الصيني سان تزو، خصوصا تلك القاعدة التي تقول «عليك أن تبدو ضعيفا عندما تكون قويا وعليك أن تبدو قويا عندما تكون ضعيفا».
لقد اختارت الولايات المتحدة الأمريكية أن تنطوي على نفسها خلال السنوات الأربع الأخيرة متصنعة الضعف، وقررت عدم التدخل في المشاكل المتصاعدة في الشرق الأوسط، بحجة أن العرب، وخصوصا السعوديين «طلعو ليها فالراس».
وطبعا أثار الرفض الأمريكي تحت حكم الرئيس باراك أوباما، التدخل بالقوة المعتادة في الصراعات الدولية، سيما في الشرق الأوسط، ارتفاع حدة النقاشات داخل وخارج الولايات المتحدة بشأن دوافع انكماش الدور الأمريكي في المنطقة، خصوصا مع تزايد التوترات في مناطق الشرق الأوسط وشرق أوربا وبحر الصين الجنوبي، فضلا عن تفاقم الجماعات الإرهابية، وصعود «الدولة الإسلامية» والحرب التي تقودها الولايات المتحدة، الشيء الذي اعتبره البعض خطأ كبيرا، خاصة أن واشنطن أصبحت بنظر كثيرين موضع اتهام، بسبب الفوضى في العراق والمشاكل التي ترتبت عن غزوها له وتفتيته، خصوصا بعد اعتذار طوني بلير عن هذا الغزو واتهام بوش الأب لرامسفيلد وديك تشيني بتضليلهما لابنه جورج بوش وتوريطه في هذه الحرب.
إلا أنه ثمة وجهة نظر أخرى إلى الانسحاب الأمريكي من مستنقعات الحروب الخارجية الاستراتيجية المثلى، إذ إن عدم قدرة واشنطن على إرسال قوات برية إلى العراق أو سوريا ليس انسحابا بقدر ما يعتبر تصحيحا لأخطاء ما بعد 11 شتنبر، ومحاولة لاستعادة الاستقرار وتعميم الهدوء، مع دفع دول أخرى كفرنسا وتركيا للغوص بالوكالة في هذه المستنقعات بالنيابة عنها.
كما أن الانسحاب الأمريكي يبدو منطقيا وضروريا أكثر من كونه اختيارا، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن التطورات السياسية والاقتصادية في المنطقة قللت فرص التدخل الأمريكي المؤثر، الأمر الذي يعرفه صناع القرار الأمريكيون ويتصرفون وفقا له.
أما السبب الثاني فيتمثل في الهاجس الاقتصادي وخفض الإنفاق العسكري الأمريكي، للقطع مع السياسات العسكرية «المكلفة» في المنطقة، والتي وضعت واشنطن ضحية لتمددها الإمبريالي المبالغ فيه.
وفي الوقت نفسه، هناك أسباب أخرى جعلت من هذا الانسحاب أمرا منطقيا أكثر، وهي المبادرات السياسية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الخارجية لحل مشاكل دولية عالقة، كالاتفاق النووي الإيراني، والتي تبعدها عن حلفائها التقليديين بالمنطقة، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية التي بدأت تنظر بحنو نحو روسيا ودول أمريكا اللاتينية.
وطبعا هناك عوامل أخرى غير متصلة غالبا بالأجندة السياسية الأمريكية أضعفت أسس تحالفات وشراكات واشنطن في المنطقة، كانخفاض أسعار النفط، ما قلل اعتماد أمريكا على النفط الخليجي، خصوصا وأن واشنطن ستتخطى السعودية قريبا كأول مصدر للنفط الخام.
التوجس الأمريكي من المنطقة العربية وراءه أيضا تحول المنطقة إلى مكان «مشبوه» للاستثمار، نتيجة للاختلال الوظيفي السياسي والاقتصادي، ومشاكل أخرى في الزراعة والاقتصاد.
كما أن تناقص القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة، يسلط الضوء بشكل واضح على تباعد مصالح بعض الجماعات التي كانت تعتمد عليها واشنطن في دول المنطقة، بما في ذلك بعض الجيوش والنخب المصدرة للبترول.
والدليل على ذلك، الاختلاف الذي مس العلاقة بين واشنطن والجيش المصري قبل وبعد سنة 2013، الشيء الذي فُسر بالخلاف القائم حول طريقة التعامل مع الإخوان.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة