GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

طبيعة العالم الذي نعيش فيه

طبيعة العالم الذي نعيش فيه يمكن فهمه حين اعتذرت المملكة العربية السعودية عن قبول مقعد غير دائم في مجلس الأمن (عفوا مجلس الرعب والظلم) فكانت حركة وصفها البعض أنها يقظة العالم. ولكن هذا الموقف قامت به دول كثيرة بعد الانتباه إلى طبيعة تركيب العالم الذي نعيش فيه. وحتى نفهم هذه اللعنة عفوا لعنة مجلس الأمن في العالم، فعلينا بتفكيك تركيب هذا الجسم الإجرامي، وأولها حق النقض الذي ينقض بناء العدل في العالم. وهو أمر يجب تكراره بدون ملل حتى يستيقظ العالم فعلا.
حق الفيتو أو (النقض) يعني أن العالم كله لو قال إن الشمس تطلع من مشرقها فيمكن لأحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين أن يقرر أن الشمس تطلع من مغربها بدون أن يبهت الذي كفر.
وحق الفيتو أو (النقض) يعني أن العالم مكون من طبقتي سادة وعبيد، فمن أصل سبعة مليارات و150 مليونا من البشر يتكلم بالنيابة عنهم أقلهم، والحل والعقد بيد خمس دول يبلغ تعداد سكان أربعة منهم أقل من سكان الهند أو أندنوسيا والبرازيل. وحق الفيتو يقسم الكرة الأرضية إلى ناد يفرض الوصاية على العالم، فيمكن لديناصورات القوة في هذا المجلس أن يلغوا إرادة الجميع.
وحق الفيتو هو ضد الديمقراطية فيمكن لأعظم قرار أن يعطِّله أي عضو، ما يقتل أهم آلية في الديمقراطية من جانبين: التمثيل الفعلي لسكان الأرض واتخاذ القرار بأغلبية الأصوات.
والعصابة الخماسية الدائمة فيه هي ألعن من حكومات العالم الثالث فلا أمل بتغييرها بموت أو انقلاب ويمكن لأعدل قضية أن تموت في ساحتهم. ألا ساء ما يزرون.
حق الفيتو بكلمة ثانية هو ضد المنطق، وعنصري ضد الإنسانية، وضد الديمقراطية. وبتعبير (جودت سعيد) فهو حسب (الدين) الشرك بالله الذي لا ينفع معه أي عمل. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
وهو بكلمة أخرى آلة الشر في العالم التي تعيق ولادة العدل، وتغتال إرادة العالم، وتمنع نموه على نحو سليم.
وكما يقول (مالك بن نبي) فإن ولادة هذا المجلس المشؤوم بعد الحرب العالمية الثانية كانت ولادة كائن مشوه، كما يحدث في التشوهات الخلقية، فيولد الطفل بهبل المنغولية والسغل، والعالم بعد الحرب الكونية ولد معتلاً أقرب إلى الهبل.
ولكن مع كل غرابة هذا الكائن الأسطوري، فإن الأغرب منه أن كل العالم يعتبر أن مريض (المنغولية) أحكم الحكماء. أو يعتبر أن طبيعة الأشياء هكذا فيمكن للمرء أن يمشي على رأسه بدون أن يشعر بالدوار.
ويفرك الإنسان عينيه مذهولاً وهو يسمع السياسيين يدافعون عن مجلس الحكمة هذا ويقترحون توسيعه، فلا يصح أن يستأثر بالكراسي الوثيرة فيه الفرنسيون أو الإنكليز، بل يجب أن ينضم لناديهم اليابانيون والألمان، ويتلمظ العرب بدورهم إلى هذه الوجاهة بمقعد خاص يزيد من أعداد أصنام العالم صنما جديدا يتبارى من حوله شعراء الجاهلية، ونحن نعلم أن النبي الهادي حطم أصنام الكعبة قبل ألف وأربعمائة عام.
لماذا كان اعتذار المملكة عن قبول كرسي مقعد في مجلس الأمن يقظة للعالم؟ حتى نفهم هذا علينا أن نستعرض تاريخ هذا المجلس الإجرامي.
باستعراض بسيط لتاريخ هذا المجلس منذ ولادته النحسة وحتى الآن نرى أكبر الخاسرين فيه هم العرب. وكل القرارات الدولية لا تزيد في قيمتها عن الورق الذي كتبت عليه، ما لم تكن ضد الضعفاء. ومعه أمنت دولة مثل إسرائيل شر العقاب في الغابة الدولية المحروسة بطائفة من الغيلان بأنياب زرق.
في عام 1986م شن ريجان حرباً على نيكاراغوا أوقعت «75 ألف ضحية منهم 29 ألف قتيل ودمار بلد لا رجاء لقيامته».
لم تقصف نيكاراغوا واشنطن بالصواريخ أو تفجر القنابل في بوسطن بل تقدمت إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لمقاضاة أمريكا. فحكمت في 27 يونيو 1986م لصالح سلطاتها وأدانت «الاستعمال غير الشرعي للقوة وطلبت من واشنطن وضع حد لجرائمها مع دفع التعويضات» فكان جواب أمريكا: اذهبوا وبلطوا البحر.
قامت نيكاراغوا بعدها بالتقدم إلى جمعية الأمم المتحدة؛ فلم يعترض سوى اثنان: مثل ساقين في سروال واحد: أمريكا وإسرائيل. ثم تقدمت إلى مجلس الأمن بطلب متواضع هو «تبني قرار يطالب الدول باحترام القانون الدولي» وكانت النتيجة أن القرار سقط بسبب حق الفيتو اللعين مجددا.
يقول (نعوم تشومسكي): «لم يعد في يد نيكاراغوا أي وسيلة قانونية تلجأ إليها فقد فشلت جميعها في عالم تحكمه القوة».
العالم كما نرى يعيش حالة استعصاء لا مثيل لها، كما يقول راسل، في فراق بين الثقافة والعلم». مثل طائرة جامبو مصممة منذ عام 1948 م بدون مخارج وأقنعة أكسجين وأحزمة أمان.
وهذا يعني بكلمة ثانية أن مشكلة التوحيد ليست تيولوجية بل سياسية، وهو الذي عانى من أجله الأنبياء.
ويظن البشر أن الأوثان هي من حجر أو تمر ولا يخطر في بالهم أن تكون مؤسسات مثل (مجلس الأمن)، أو من البشر الذين ترفع أصنامهم أحياء وأمواتا. والمشكلة ليست في الطقوس بل الحقائق. وباستعراض المقدسات في أكثر من مكان، نرى بوضوح مثلث الوثنية مرفوعا في صور شاهقة لأشخاص فانين تدفعها ميزانيات دول تئن من العجز، ما يذكر بعقيدة الكنيسة في مركب الأقانيم: الأب والابن وروح القدس. كان مدخل دمشق يعج بكلمات الرفيق القائد الأبدي ولا أبدية إلا لله الحي القيوم، لقد اعتدوا على الألوهية أولئك الوثنيون.
إن هذا الكلام ليس للتجني أو المبالغة، إنه حقيقة مفزعة تخلع المفاصل من هولها، ينشأ عليها الطفل، وتخشع لها القلوب، ويرتجف لها الكبار، وتصرف الأموال بحجم الجبال لتجنيد الجواسيس والاستخبارات وفرق التعذيب لتكريس هذا السحر آناء الليل وأطراف النهار للأنظمة كي ترضى.
حتى نستوعب موقف المملكة من رفضها مقعدا في مجلس خائب مبني على الظلم سموه مجلس الأمن وما أنصفوا، وياليتهم سموه مجلس الخراب والغربان. نرى العالم الذي نعيش فيه ليس واحداً بل ثلاثة: عالم عربي يسبح في كثير من أجزائه في ضباب الوثنية السياسية كما نرى في تسمية الرفيق القائد الأبدي، والخلود هو لله وليس للبشر الفانين. والثاني أنك إذا نظرت إلى الفرد فيه وجدت أن ليس ثمة ما ينقصه ولكنه اجتماعياً يعيش في مصحة عقلية كبرى.
وعالم غربي تخلص من الوثنية السياسية فنرى (مالورني) الرئيس الكندي الأسبق شخصاً عاديا يمشي بين الناس بجانب طلبة جامعة (مك جيل) يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون، في مجتمع أقرب إلى العدل من بلاد الشرق، وهو ما يفسر فرار أهلها منها، فلن يفر مؤمن من (دار الإسلام) إلى (دار الكفر) ما لم يشعر بالأمان بين الكفار أكثر من المسلمين، ولكن لمن تقرع الأجراس؟ فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين.
وهو كذلك يفسر حالة الذل المصبوب على العالم الإسلامي مع كل شروق شمس؛ فإنه «لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت» كما جاء في دعاء القنوت، فلا يعقل أن يعز الله اليابانيين ويذل الروهينغا في بورما وغيرها لولا سر خاص يبثه الدعاء، ولكن قص الأنف بالمقص أسهل من استيعاب هذه الحقيقة.
وأما النوع الثالث فهو مجلس (الأمم المتحدة) الذي تحول إلى مغارة لصوص يصادر فيه الأقوياء العدل بحق الفيتو فينقضون بنيان العالم، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة.
ومن الغريب أن كل العالم ساكت عن هذا المنكر ولا يطالب بإغلاق هذا النادي الإجرامي بل يريد المشاركة فيه بزيادة مقاعد الجبارين، بدل الإمساك بعصا النبوة لتحطيم الأصنام كما فعل إبراهيم. ومنه جاء موقف المملكة بعدم الجلوس في هذا النادي يقظة للنائمين وصدمة للمستيقظين.
وحل مشكلة العدل في العالم لن تكون إلا بالإسراع بتشكيل برلمان دولي كما في البرلمان الأوربي حيث يجتمعون ليس تحت شعار ألمانيا فوق الجميع بل ألمانيا مثل الجميع، أي على كلمة سواء بينهم أن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.
وهذا المشروع ستقف ضده دينصورات العهد الجديد، ولكننا تعلمنا من تاريخ الأرض أن الدينصورات انقرضت بفعل كارثة كونية. وقد يتورط الكون في حرب نووية قبل أن يتخلى الكبار عن مقاعد الألوهية في العالم واعتبار أنفسهم بشرا ممن خلق.
وبغير هذا المخرج فإن طائرة الجنس البشري ستبقى مخطوفة بأيدي إرهابيي مجلس الأمن، عفواً مجلس الرعب والظلم.
تحكي القصة أن قرية شيلم وقعت فيها جريمة فأحضر الفاعل إلى القاضي فحكم عليه بالإعدام، ولكن أهل شيلم صاحوا بصوت واحد أيها القاضي: إنه الإسكافي الوحيد في القرية. التفت القاضي إليهم وقال معكم الحق يا أهل شيلم الأعزاء إنه من الظلم حقاً أن نحرمكم من الإسكافي الوحيد في القرية. هاتوا أذن اثنين ممن يشتغلون في التبليط نعدمهما بدلاً عنه؛ فهذه هي عدالة شيلم ومجلس الأمن (عفوا الرعب).

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة