MGPAP_Top

طحني نطحنك

طحني نطحنك

بالرغم من كل ما قيل عن ضرورة الابتعاد بالتعليم عن النزاعات الحزبية الضيقة، فقد تتبع الرأي العام الملاسنات التي اندلعت بين الوزير محمد الوفا والبرلماني عن حزب الاستقلال عبد الله البقالي، والتي وصلت حد الشتم والسب بسبب برنامج مسار، مع رغبة كل طرف تهويل القضية والزج بالمؤسسات السيادية للدولة، أي الحكومة والبرلمان، في مشكلة يعرف الجميع جذورها الحزبية والعائلية.
بدأت الحكاية عندما لَمز البقالي إلى غموض صفقة برنامج مسار، لكون الشركة الفرنسية التي أسندت لها على حافة الإفلاس، مستندا في مرافعته إلى ما حصل عليه من موقع «غوغل»، إذ قرأ في الموقع الالكتروني للشركة ماسكة المشروع أنها تعيش صعوبات مالية، علما أن التعاقد معها كان على عهد الوزير الأول الاستقلالي عباس الفاسي.
هكذا، وبالرغم من عدم حضور الوفا أشغال لجنة التعليم التي احتضنت هذا النقاش، فقد تكفل «أصحاب الحسنات» بذلك وأخبروه بكونه المعني بالاتهام، وهكذا سارع الرجل للرد بطريقته المعروفة، إذ اتهم البرلماني البقالي وزوجته بتهم غليظة، مهددا بالكشف عن المزيد من أسرارهما المالية، مما جعل البقالي يقول إن الوفا تسبب لزوجته في حرمانها من النوم.
ولعل ما ألمح إليه الوفا عندما قال أنه سيعود فيما بعد للحديث عن زوجة البقالي، هو كون هذه الأخيرة ظلت تجمع بين راتبين طوال كل السنوات التي قضتها في دواوين عباس الفاسي الحكومية، حيث كانت تتقاضى راتب موظفة في الديوان بحوالي عشرين ألف درهم إضافة إلى راتبها كأستاذة في التعليم الثانوي. وهو أمر يمنعه القانون، ولذلك فمن الطبيعي أن يهجر النوم عيون شخص قد يجد نفسه مجبرا على إعادة كل الرواتب التي تحصل عليها خارج القانون. وهي في المجموع تفوق المائة مليون سنتيم.
ومن أجل أن يبرئ الوفا ذمته من تهمة الاغتناء، نشر ما أسماه قائمة بممتلكاته، حيث عرض فيها كل الرواتب التي تحصل عليها، غير أنه أغفل أن يعرض تفاصيل رواتبه وتعويضاته خلال شغله لمنصب سفير في البرازيل وإيران والهند.
وقبل أن يطوي الوفا هذا الملف، وعلى طريقة عباس الفاسي عندما هدد أعضاء اللجنة المركزية قائلا إنه يملك ملفا «خانزا» عن كل واحد منهم، هدد الوفا كل استقلالي اعترض طريقه بطحنه.
غير أن «المطاحنات» التي يهدد بها الوفا ليست سوى «بروفا» لأم المعارك أو «المطاحنات» القادمة عندما ستجري المندوبية السامية للتخطيط الإحصاء العام للسكان.
وطبعا كل «اللاعبين» الحزبيين ينتظرون ما ستسفر عنه نتائج الإحصاء العام للسكان، والذي من المنتظر تنظيمه في شهر شتنبر المقبل، وتظهر نتائجه بعد شهر ونصف من تنظيمه، لكون هذه النتائج هي بمثابة مؤشرات حول أداء الحكومة، لذلك من الطبيعي أن تعرف هذه النتائج تأويلات متناقضة ومزايدات، ومن الطبيعي أن يكون النقاش من نوعية «الطحن» سابق الذكر، حيث ستظهر الشتائم مرة أخرى وتغيب الحقائق.
ومن القضايا الحيوية التي سيرصدها الإحصاء، تلك المتعلقة بالتعليم تحديدا، من قبيل تمدرس الأطفال والأمية وبطالة الخريجين، وهي قضايا بمثابة «عورة» لنظامنا التعليمي، ليس فقط لكونها تبرهن على التكلفة التنموية لفشلنا في مجال التعليم، ولكنها ستدلنا إلى أي حد يساهم نظامنا التعليمي في إعادة إنتاج اختلالاتنا المزمنة بدل أن يساهم في الحد منها.
بمعنى أنه في الوقت الذي تفتخر فيه الحكومة بالأرقام التي يتم تسجيلها عند كل دخول مدرسي على صعيد التلاميذ الجدد، فإنها بالمقابل تجد نفسها محرجة لتعترف بكون ربع هؤلاء يغادرون المدرسة دون تعلم، فإذا كان عدد المسجلين الجدد بالسنة الاولى ابتدائي لسنة 2013-2014 قد بلغ 695 ألفا و95 تلميذا من ضمنهم 311 ألفا و645 بالوسط القروي و115 ألفا و332 بالتعليم الخصوصي، كما جاء في الإحصاء الرسمي الذي قدم للملك في بداية هذا الموسم، فإن الوزارة ذاتها تعترف بأن العدد الإجمالي للتلاميذ الذين يغادرون المدرسة في المستوى الابتدائي سنويا يصل إلى 140 ألف تلميذة وتلميذ، 57 في المائة منهم إناث، و75 في المائة ينحدرون من الوسط القروي، دون أن ننسى الذين يغادرون المؤسسات التعليمية قبل سنة 15 سنة عموما، حيث يتراوح عددهم بين 350 ألفا و400 ألف تلميذ. بمعنى آخر فمدرستنا تنتج حوالي 400 ألف مواطن أمي كل سنة، وبالحساب البسيط يمكن أن نتوصل إلى عدد الأميين في عشر سنوات الأخيرة.
وهذا واضح وبالأرقام، إذا قياسا لآخر إحصاء والذي يعود سنة 2004، 48 في المائة من المغاربة أميون، وبالرغم من أن آخر دراسة أجريت في هذا المجال سنة 2012 تؤكد أن النسبة انخفضت إلى 28 في المائة، وهي نتيجة نؤكد أنها غير دقيقة إطلاقا، لكونها غير معترف بها من طرف المنظمات الدولية المتخصصة في هذا النوع من الإحصاءات في مجال التنمية البشرية.
فإذا كانت المدرسة تنتج 400 ألف مواطن أمي كل سنة، وهذا باعتراف وزارة التربية الوطنية ذاتها، فإنه منذ إحصاء 2004 المدرسة المغربية أنتجت حوالي خمسة ملايين مواطن أمي، لكونها عجزت على الاحتفاظ بهم، دون أن ننسى الأميين القدامى.
أما عن المسؤولية، فإنه ينبغي إلقاء الضوء على جريمة متكاملة، أقدمت عليها وزارة التعليم منذ سنوات بسبب ترهل البرامج والمشاريع المرصودة لهذا المجال، وكرستها بإصرار الحكومة الحالية منذ نسختها الأولى، وتتعلق بالاهتمام فقط بالتلاميذ النظاميين، في حين تترك الأطفال غير النظاميين عرضة للبرامج غير الدقيقة والمدرسين الهواة، فضلا عن آفات المجتمع الأخرى من قبيل التشرد والتشغيل المبكر والاغتصاب.
وهنا لابد من التذكير حول مسؤولية هذه الحكومة على هذا الوضع، ففي الوقت الذي «يهيم» بنكيران حبا في محمد الوفا، وحرص على استوزاره مهما كان الثمن، فإنه يغفل حقيقة أن الرجل أوقف بمجرد مجيئه كل برامج الوزارة في مجال التعليم الأولي وكذا التعليم غير النظامي، أي التعليم الذي يفتح في وجه الذين تسربوا من مدارسهم وفاتهم الركب، بحكم تقدمهم النسبي في السن، في أفق إعادة إدماجهم في النظام التعليمي، وحجة الوزير في هذا الإجراء هو أنه مسؤول فقط على التلاميذ الرسميين، ناسيا أن القوانين والأعراف والأخلاق وكل الشرائع السماوية والبشرية تؤكد أن الحكومة، أية حكومة في العالم، تعتبر مسؤولة على توفير التعليم لكل طفل مهما كانت صفته أو عرقه أو جنسه أو ديانته أو سنه.
ولأن الوفا كان يحسبها ماديا، وهو الذي كان يعطي لوزراء حكومة بنكيران دروسا في معنى «تزيار السمطة»، لدرجة أنه كان يعول على البرنامج الأمريكي «إتقان» والذي تشرف عليه الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي لتوفر التغذية والماء المعدني للحاضرين في كل نشاط أو اجتماع وزاري، ولا تهم هنا الأجندة التي تسعى لتحقيقها هذه الوكالة «الطيبة جدا».
وبالعودة إلى مسألة التربية غير النظامية، والتي تملصت حكومة بنكيران من كل التزاماتها حولها، فإن الوفا أمر نواب الوزارة بأن يسترجعوا الأقسام التي كانت مخصصة للأطفال غير النظاميين، فقط لأن الحكومة «لا تقدر» على بناء أقسام جديدة، وتم طردهم ضدا على كل المواثيق الدولية، كما تم تشريد الأساتذة الذين كانوا يدرسونهم.
بمعنى آخر، ووفقا للإحصاء السابق، فحكومة بنكيران حتى الآن، ساهمت في أمية نصف مليون طفل مغربي، ناهيك عن الآلاف الذين تسربوا قبل مجيئها، وفشلت في استعادتهم، وبعد هذا نستغرب لماذا ظهر «التشرميل» والإعلان الصريح بالإجرام، فهؤلاء إذا كان سلوكهم مدانا، فيجب أيضا أن يدان سلوك الذين لم يوفروا لهم مقعدا يعيد إدماجهم في النظام التعليمي، يجب أن ندين الذين لم يوفروا لهم مكانا في محترف مهني ليتعلموا حرفة.
إذن في انتظار ظهور نتائج إحصاء 2014 والتي ستكون كارثية على مستوى مؤشرات التنمية، والتي يعد التعليم أحد مداخلها الأساسية، تبقى كل الوقائع تؤكد أن ما قامت به هذه الحكومة لا يتعد تكريس الواقع الذي كان قبل أن تأتي، فالهدر المدرسي مترفع جدا، هكذا كان في 2008 وهو الآن في أعلى النسب، إذ يشير آخر تقرير لليونسكو، إلى أن نسبة محاربة الهدر المدرسي والأمية في المغرب تجعلنا خلف كل الدول العربية، باستثناء السودان، ونظرا لكون التعليم أضحى منذ مجيء النسخة الثانية من الحكومة قطاعا «غير حكومي» بدليل تصريح رشيد بلمختار الأخير في لجنة التعليم بمجلس النواب، عندما أكد أن خطة الإصلاح المقبلة ستتم بينه وبين المجلس الأعلى للتعليم، وأن مسألة الانتخابات لا تعنيه. وهو هنا «يقطر الشمع» على كل الأحزاب التي أثبتت أنها لا تستطيع أن تنأى بقطاع التعليم عن إدمانها للمزايدات، بما في ذلك الأحزاب المشكلة للحكومة.
ولكي يكتمل المشهد، فإن بلمختار لن يعول على رئيس الحكومة لتمويل أي خطة سيتقدم بها، فالمنظمات الدولية هي التي ستدفع، إذن بلمختار وعزيمان سيقرران خطة إصلاح التعليم، والمنظمات الدولية، بما في ذلك البنك الدولي، ستدفع ثمن الخطة، بينما سيبقى لنواب الأمة «حق» مناقشة برنامج إلكتروني تافه هو برنامج مسار، بدل أن يمتلكوا الجرأة السياسية ويسألوا عن مصير 45 مليار درهم التي خصصت للمخطط الاستعجالي، والتي يظهر برنامج مسار أمامه على شكل مجرد فُتات.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة