GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

طعم أستاذ العلوم 21

طعم أستاذ العلوم 21

ظل «الأخ» يراقبني من بعيد.. مثل الذي يتربص بالفريسة للانقضاض عليها.. الجميع معجب بما أصبحت عليه من «التزام» ظاهر..
في غمرة هذه المواظبة، انتظرني «أبو أيمن» حتى أنهيت قراءة «الورد الحزبي»، فبادرني بسؤال حازم:
ـ لقد انتظرتك طويلا بعد صلاة المغرب.. ماذا كنت تصنع داخل المسجد؟ (وكأنه لا يعلم أني أواظب على قراءة الحزب)
أجبته بهدوء وأنا أعلم أنه يعلم ما كنت عليه.. لكنه وجه إلي أمرا.. وكنت أكره بتاتا مثل هذه المواقف التي أكون فيها مأمورا:
ـ قرأت القرآن.. لقد كان ذلك ممتعا.. (كنا نستمتع باللحن الجماعي للقراءة وليس بالفهم)
ـ لا تكرر ذلك مرة أخرى.. إنه عمل غير صحيح..
ماذا؟؟؟ قراءة القرآن عمل غير صالح!!!!
بدت على ملامحي معالم التعجب.. انتبه «أبو أيمن» إلى ذلك.. رسم على محياه ابتسامته المعهودة قائلا:
ـ اسمع أخي فلان.. لقد تاب الله عليك.. واختارك لتكون من أوليائه الطاهرين.. وكل عمل تقدم عليه لا بد أن تتبع فيه سنة نبيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم)..
ثم تابع كلامه وقد اختفت الابتسامة من على وجهه:
ـ أخي فلان.. قراءة القرآن عمل صالح.. وأمرنا الله بذلك.. لكن الكيفية غير صحيحة…
قاطعت حديثه:
ـ ولماذا؟؟؟
أجاب «أبو أيمن»:
ـ لا تستعجل.. فلكي يقبل الله تعالى منك عملا لا بد أن يتوفر فيه شرطان: أن تكون مخلصا فيه لله.. ثم أن تتبع فيه الرسول (ص).. وقراءتك للقرآن يا أخي لا شك أنك تخلص فيها النية لله لكنها «بدعة».. ولم يحدث أن قرأ نبينا عليه السلام القرآن بالطريقة التي تواظب عليها في المسجد..
أنهى «أبو أيمن» حديثه متوعدا:
فكل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار.. أعاذنا الله وإياك منها.. (أمسك الأخ بيدي ثم سرنا في اتجاه المنزل في انتظار صلاة العشاء..)
هذا أول طعم وضعه «الأخ» في طريقي ليتصيد ضحيته «الجاهلة»..
اقتنعت بسرعة فائقة بكلام الأخ.. وجدته شابا على علم كبير بأمور الدين.. ووجدتني ـ في تلك الآونة ـ قزما أمام إلمامه بسنة نبيه.. كان هذا أول درس تلقيته عن هذا «الإسلامي».. منذ ذلك الحين أصبحت أرى أن قراءة القرآن جماعة ذنب عظيم.. وشر أحدثه أجدادنا في الإسلام.. انقطعت فورا عن قراءة القرآن في المسجد.. خاصمت كل من يفعل ذلك.. كرهني الإمام بعدما أحبني.. نبذني «الفقهاء» بعدما أعلنت لهم إسرارا وجهارا أنهم مبتدعة جراء عملهم هذا..
ابتلعت فتوى «أبو أيمن» بكل سهولة.. لم أكن يومها أملك سلاح العلم لأفند مزاعمه.. هذا أول خطأ يسقط فيه السائرون على طريق التدين.. يصنع منهم «الإسلاميون» «تماثيل ومحاريب وجفان» كما يشاؤون.. لقد أضحيت أمام «الأخ» مثل الميت أمام مُغَسِّلِه..
كان هذا الشاب كما أسلفت «أستاذا» للعلوم.. فكيف كان على إلمام كبير بأمور الدين؟ لم أكن على علم بأن هذا «الأخ» ينتمي لجماعة إسلامية يومذاك.. كنت أحسبه رجل دين يعبد الله ويجتهد في التقرب إليه.. سحرني بكلامه ومنطقه وخطابته.. كان رجلا مفوها بامتياز.. ذهلت أمام جسارته وشجاعته في مواجهة الناس.. وأيضا في مواجهة «أعوان السلطة».. ربما لهذا السبب أعجبت به..
قهرنا رجال «المخزن» في البادية.. سجنوا أبي وكان ذلك سببا لهجرتنا من الدوار.. من أرض أجدادنا الذين قدموا إليها من شبه جزيرة العرب.. كان طبيعيا، بل منطقيا أن أتعلق بكل شخص يظهر شجاعة ما في مواجهة سطوة «المخزن»..
رأيت في «أبو أيمن» في ذلك الوقت ـ وهما لا حقيقة ـ زعيما أوحد، سيملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت جورا.. هكذا توهمت لأني ألتقي لأول مرة في حياتي برجل يمتلك هذه الصفات.. والتي نفتقدها بطبيعة الحال في البادية.. فهو ليس مثل «الفقيه بوشتى» أو «الشريف دحمان».. أو الصوفي ذي اللحية البيضاء.. لا يملك «كرامات» مثل هذا أو ذاك.. لكنه يمتلك أفتك سلاح على الإطلاق.. وهو اللسان..
بعد صلاة العشاء مباشرة، أسرعت إلى المنزل لأخبر والدي بأن قراءة القرآن جماعة بدعة في الدين.. أطلعته على هذه «الفتوى» لأنه لا يترك هذا الورد اليومي منذ جئنا إلى الكاريان..
رد علي في الحين بعدما عدَّل من جلسته:
ـ هذا هراء ما سمعنا به من قبل.. لم يستنكره أجدادنا ولا آباؤنا.. لقد سمعت في المسجد الناس يتحدثون عن بعض الشباب الذين جاؤوا بهذا الدين الجديد..
ـ إني حذرتك حتى لا ترتكب ذنبا عظيما سيحاسبك عليه الله يوم القيامة.. وأنا قمت بواجبي نحوك.. ولا تهتم لأمر الفقهاء، فهم على ضلال بيِّن..
بسرعة البرق تحولت إلى «داعية» بفضل «الأخ».. لقد وجدت «رسالة» أبلغها للناس بعد أعوام من التيه والهدر المدرسي.. وكان أول من تدربت فيه على القيام بهذا «الواجب» هو الوالد رحمه الله.. كان أول مختبر أجرب فيه «الدعوة».. كانت هذه أيضا أول معركة «دينية» حقيقية تنشب بيني وبين والدي وأخي حول مسألة من مسائل التدين.. صراعي معه في البادية كان له سبب منطقي هو تفضيله لـ«محمد» علينا.. أما في المدينة، فاتخذ هذا الصراع رداء دينيا.. ولأثبت تميزي ـ وربما وجودي ـ لم أجد وسيلة أخرى غير «الدين» لأتمسك به وأتعمق فيه و«أستغله» في كل مواجهة قادمة.. من هنا ابتلعت الطعم «القاتل»..
لم يقلع أبي عن الاستماع إلى قراءة القرآن في المسجد.. تحدثت مع «أبو أيمن» في الأمر.. فهو مرجعي الديني في كل نازلة تعترض مساري.. جعلت من هذا الحادث مشكلة كبيرة.. أمرت إمام المسجد بالعدول عن هذه «البدعة».. تحدثت مع فقيه كان يدعى «البودالي» في المسألة.. نبهني «الأخ» إلى أن لا أضيع وقتي في إسداء النصائح لشيوخ المسجد، لأنهم جهلة بالدين ولن يقبلوا إلا بما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم.. اقتنعت بسرعة بما قال لأني كنت قرأت معهم القرآن ورددت معهم الآية الكريمة: (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) صدق الله العظيم (الشعراء 74).. فرح «أبو أيمن» عندما اكتشف غيرتي القوية على الدين، عندها قال لي بعدما رجع في المساء من وسط المدينة:
ـ ما فعلته هو الصواب.. قال نبينا بلغوا عني ولو آية.. الكل مسؤول عن تبليغ هذا الدين إلى الناس.. وأنت بلغت أباك وقومك.. وفعلت ما ينبغي لك فعله..
راح الأخ يتحدث لي عن الأنبياء والرسل الذين بلغوا أقوامهم رسالة الإسلام ولاقوا في ذلك ابتلاءات شتى.. وعظني بأن نبينا (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام عانوا الأمرين في دعوتهم إلى الله.. وسرد علي أحداثا كثيرة من سيرتهم جميعا.. تمنيت في نفسي لو كنت واحدا من هؤلاء.. تحسرت لأني لم أوجد في عصرهم حتى أنال بدوري هذا الشرف العظيم..
أحسست بعدها بحاجة شديدة إلى تعلم الدين.. طلبت من «الأخ» أن يعيرني كتبا دينية.. أذكر أنه في بداية قراءاتي ـ في الجاهلية كما كنا نسميها ـ أدمنت وقتا ليس بالطويل على قراءة روايات «نجيب محفوظ» و«إحسان عبد القدوس».. وولعت بقراءة الأشعار.. وكتبتها أيضا.. وكان «أبو أيمن» على علم بذلك.. وعندما طلبت منه تسليفي كتبا دينية، انبسطت أسارير الشاب وضرب على صدري بقوة قائلا:
ـ أنا مسرور جدا أنك سلكت طريقك إلى الله.. سأزودك بكل ما تحتاجه من كتب.. سترى ما لم يخطر على بالك في يوم من الأيام..
لم أفهم منه هذه الجملة الأخيرة.. ودعني الأخ مسرورا.. وودعته وأنا أكاد أطير من الحماسة.. لم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد انتظرت عودة أخي «محمد» من المعهد الإسلامي لأبلغه «بدعية» القراءة الجماعية للقرآن.. وكانت معركة جديدة تنتظرني…

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة