الرئيسيةبورتريهات

عائشة الشنا «ماما تيريزا» المغربية

يونس وانعيمي

نظرا للأهمية البالغة لتخصيص حيز يقربنا من رجال ونساء ساهموا في «صناعة» الوعي بتاريخنا ونسج ما يميزنا حضارة وثقافة ومجتمعا عن الآخرين. لكن الشيء المبدع والصعب في نفس الآن، يتمثل في كيفية اختيار وتحديد أسماء بعينها، نظن أنه بالتطرق «لمساهماتها» سنقرب القارئ من «الذات المغربية» ونقربهم من سماتها وملامحها الفسيفسائية التي ساهم في تشكيلها والوعي بها (ربما) فلاسفة ومؤرخون وفنانون مغاربة.
الصعوبة الثانية تكمن في «بلاغة وبيان» أسماء هذه اللائحة وما لها من اتصال مع ما نصبو إليه..، لأن الحضارة ما هي سوى وعي مسترسل للذات الفردية بالحاضر المندمج في وعيها بالماضي من أجل حرية المستقبل. وهو وعي مركب يساهم فيه «وسطاء» هم مثقفون يدورون (على اختلاف مشاربهم) في فلك التفكير بالذات (من نحن؟) للخلاص من قيودها (كيف نبلغ الحرية؟). سنتطرق لأسماء نؤمن بأنها طبعت تاريخنا الثقافي وطبعت وعينا بذواتنا كمغاربة، ولكن ليست لنا من هذا غايات سردية بيوغرافية حصرية؛ لأننا نظن أن ما يهمنا أكثر ليس كيف عاشوا كأفراد، بل تهمنا فاعلياتهم كمفكرين وماذا أنتجوا، وما يمكن لنا أن نستشف من مغامراتهم في الإجابة عن سؤال (من نحن بالذات في التاريخ والفلسفة والأدب والفن والسياسة؟ وكيف لنا الخلاص نحو الحرية بمعانيها الكاملة؟).

مع السيدة الشنا، نحن أمام وجه ملائكي وسرائر أنثوية نادرة، ليس المقصود شكلها، فالأشكال على ألوانها تقع موقع الخفوت والموت، لكن المقصود ذلك المضمون ذو القيمة الإنسانية الكبيرة.
امرأة عاشت لكي تخدم الآخر، ذلك الآخر المعوز والضعيف. ويا لها من رسالة نبيلة حقا، ولكنها مفعمة بالألم ونكران الذات بشكل لا يقدر إنسان عادي على فهم معانيه.
لا يهمنا في شخصية السيدة الفاضلة عائشة أو «ماما عيشة» كما يناديها آلاف الأطفال وآلاف الفتيات والأمهات المتخلى عنهن، ذلك الجانب «الجمعوي» المرتبط بالكم الهائل للعمليات التضامنية التي قامت بها، بل يهمنا أكثر كيف يمكن لامرأة عادية جدا، بتكوين أكاديمي محدود، وتنتمي لوسط اجتماعي بسيط وغير مؤازرة لا سياسيا ولا مؤسساتيا (بل العكس)، أن تفتح ملفا غارقا في الطابو ألا وهو دعم الأمهات العازبات المتخلى عنهن، بل والوصول بالقضية لأعلى مراتب الاهتمام السياسي والسيادي. كل ذلك وهي متسلحة بإلحاحية شديدة، وبتصميم قوي لبلوغ الهدف، ومثابرة جبارة وعدم التردد في طرق كل الأبواب الموصدة أمامها.
ولدت عائشة الشنا بالدار البيضاء عام 1941، ثم انتقلت مع والديها إلى مراكش حيث قضت فترة الطفولة، لتعود بعد ذلك إلى مسقط رأسها سنة 1953 لمواصلة الدراسة والالتحاق بمدرسة «فوش» الفرنسية، ثم بعد ذلك المدرسة الثانوية «جوفر».
متطوعة في سن السابعة عشرة
بدأت عائشة الشنا العمل التطوعي مبكراً، (في سن السابعة عشرة)، حيث التحقت بجمعية حماية الطفولة والعصبة المغربية لمحاربة داء السل عام 1960، بعد حصولها على دبلوم في التمريض من مدرسة الممرضات، لتعمل بعد ذلك منشطة صحية واجتماعية بالمصلحة الإقليمية الصحية بالدار البيضاء، إضافة إلى عملها لصالح برنامج التخطيط العائلي..، وكانت من بين مؤسسات الاتحاد الوطني لنساء المغرب بالدار البيضاء.
حصلت عائشة الشنا على العديد من الجوائز وشهادات التقدير لدورها المتميز في مجال الخدمة المجتمعية، وحتى الجوائز المادية كانت تتبرع بها لأعمال الخير، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: جائزة حقوق الإنسان من الجمهورية الفرنسية عام 1995 بباريس- جائزة وسام الشرف للملك محمد السادس عام 2000- جائزة إليزابيت نوركال، نادي النساء العالمي بفرانكفورت، 2005 – جائزة أوبيس للأعمال الإنسانية الأكثر تميزاً والبالغة قيمتها مليون دولار عام 2009، مينيابوليس (الولايات المتحدة). ناهيك عن أن الشنا توجت أحسن سيدة في العالم بمدينة أووستا الإيطالية، ونالت عن مجمل أعمالها وسام جوقة الشرف من درجة فارس، من قبل الجمهورية الفرنسية 2013.
وانطلاقا من هوس إنساني لا فلسفي، ناضلت الشنا أولا من أجل تصحيح المفاهيم التي تعمل في نطاقها. «فمثلا مصطلح الأمهات العازبات هو مصطلح يقصد به عادة النساء اللواتي أنجبن أطفالا خارج مؤسسة الزواج الشرعي سواء بمحض إرادتهن، أو اللواتي تعرضن للاغتصاب، إلا أن السيدة عائشة الشنا تفضل استعمال مصطلح «النساء المتخلى عنهن» بدل مصطلح «الأمهات العازبات»، حيث ترى أن هؤلاء السيدات هن ضحايا، في الغالب، وأنهن فئة اجتماعية هشة لا تتمتع بأي حق من الحقوق في المجتمع.
ولمأسسة عملها وأهدافها، قامت عائشة الشنا، في عام 1985، بتأسيس جمعية التضامن النسوي، التي تضم عشرات «الأمهات العازبات» اللواتي تعتبرهن عائشة الشنا ضحايا المجتمع والقانون والقيم السائدة، وتفضل وصف الأطفال الذين يولدون لهؤلاء الأمهات، بـ«الأطفال المتخلى عنهم» أو «الأطفال في وضعية صعبة»، بدلاً من تسميتهم بـ«اللقطاء» أو «أولاد الزنا» أو «أطفال الشوارع». فالسيدة عائشة الشنا ترى أن هؤلاء الأطفال لم يختاروا المجيء إلى الدنيا، إنما جاؤوا إليها نتيجة علاقات غير شرعية، أو نتيجة اغتصاب أو وعود كاذبة بالزواج، وهي حالات تتسم بالحصاد المزدوج للهشاشة، هشاشة الأم وطفلها أمام انسحاب القانون، وما يلزم من مقتضيات لحمايتهما.
ولمن لا يعلم وظائف ومهام والرسالة التي تقوم بها جمعية السيدة الشنا، فإن الجمعية تعمل على تقديم المساعدة القانونية والاقتصادية والنفسية لهؤلاء السيدات، في ما يتعلق بتسجيل الأولاد في الحالة المدنية، كما تعمل على إعادة دمج الأمهات وأطفالهن في عائلاتهن. وتمكنت الجمعية من جعل العديد من الآباء «البيولوجيين» يعترفون بأولادهم ويسجلونهم في الحالة المدنية، وحققت نجاحات لدرجة أن بعض الآباء لم يقروا بالبنوة فقط، بل إنهم راجعوا أنفسهم وقرروا عقد زواج رسمي بأمهات أولادهم. وتمكنت الشنا، لوحدها، من إرجاع بنوة مئات الأطفال المتخلى عنهم وذلك بإمكانيات بسيطة، لكن بمجهودات كبيرة وغير مسبوقة.
وعن رأيها في ظاهرة «الأمهات العازبات»، تقول عائشة الشنا إنها ضد الحرية الجنسية وضد إقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج الشرعي، وتحذر من خطورة انتشار هذه الظاهرة لما لها من مردود سلبي على المجتمع.، وتقول الشنا إن على الشباب ألا يتصرفوا كيفما شاؤوا بدعوى الحرية، فالمجتمع المغربي مجتمع مسلم وعلى هؤلاء الشباب الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية، ولن يتأتى ذلك إلا بالترابط الأسري، وهذا هو السر في حرصها على أن يتعرف الابن على «أبيه البيولوجي»، لما يمكن أن يسببه اختلاط الأنساب من نتائج كارثية في المستقبل.
يصف البعض عائشة الشنا بـ «الأم تيريزا» المغربية، وبالنسبة لآخرين فهي الفاعلة الجمعوية الأكثر تقديرا في المغرب، بينما يلقبها الكثيرون ببساطة بـ«مي عيشة».

الحق في التعليم
كثيرون لا يعلمون أن أول معركة خاضتها عائشة الشنا كانت من أجل الحق في التعليم. تحكي الأم عائشة بنفسها كيف بدأت مسار النضال وما هي المحفزات الشخصية والأسرية والتاريخية التي دفعتها لذلك، وتقول:
«في الحقيقة، لم أكن أنا من خضت هذه المعركة إنما والدتي. تيتّمت وعمري لا يتجاوز ثلاث سنوات ونصف. حين وصلت إلى سن التعليم أدخلتني والدتي إلى المدرسة المغربية، غير أن أصدقاء والدي من أعيان مراكش كانوا يعلمون أبناءهم في المدارس الفرنسية، ولأنهم كانوا يعاملونني كما لو كنت ابنتهم، فقد أدخلوني إلى المدارس الفرنسية وتكفلوا بكل حاجياتي. كنت وحيدة والدتي بعد وفاة أختي الصغرى، كان سن والدتي حين ترملَت لا يتجاوز 20 عاما، وقد تزوجت من أحد أعيان المدينة.
في سنة 1953، بعد نفي الملك محمد الخامس، بدأت النساء المغربيات، وخاصة القادمات من الأوساط الوطنية في التخلي عن «الحايك» وعوضنه بالجلباب، فأطلق الباشا الكلاوي «براحا» في المدينة يقول إن المرأة التي تخرج بالجلباب ودون «حايك» ستقدم للمثول أمامه، وآنذاك كان تقديم المرأة أمام دار الباشا الكلاوي بمثابة «العار». زوج والدتي كان يعاملني كما لو كنت ابنته، خاف علي فطلب من والدتي أن أرتدي «اللثام» بديلا لـ«الحايك»، لأنني لم أكن أعرف كيف أرتديه، تقبلت والدتي الأمر ولكن بعد فترة طلب منها أن أتوقف عن الدراسة، مبرره في ذلك حالة الفوضى التي كانت تشهدها البلاد والمواجهات التي كانت تعرفها بين سلطات الاستعمار والوطنيين. والدتي لم تتقبل الأمر، وفي زمن كان مجرد خروج المرأة من البيت يتطلب إذنا من الزوج، هربتني دون علم زوجها من البيت وأخذتني إلى محطة الحافلات وأوصت السائق بي، فتوجهت إلى الدار البيضاء للاستقرار في بيت خالي ومتابعة دراستي».
في 1998 جاءت حكومة عبد الرحمان اليوسفي، وكان حينها سعيد السعدي في الحكومة، وكانوا يعملون على مشروع لإدماج المرأة اقتصاديا واجتماعيا، وقد شنت حينها حرب على السعدي بمجرد حديثه عن مدونة الأسرة، لكن الشنا كانت من الداعمات لمشروعه الإصلاحي، غير أن موقفها هذا جر عليها انتقادات ومشاكل جمة.
تقول الشنا، في رواياتها، إنها طالَبت بأن يشمل المشروع الأم في وضعية صعبة والطفل، وبمجرد ما وضعت عبارة «الأم في وضعية صعبة» في مشروع القانون، قامت معارضة قوية ضده من الإسلاميين.

تشجيع الفساد والرذيلة!
بعد ذلك، في سنة 2000، أجرت عائشة الشنا لقاء مع قناة تلفزيونية، وتحدثت عن الأمهات العازبات والخادمات وزنا المحارم، وغيرها من القضايا الاجتماعية التي تعتبر «طابو». هنا انتفض الإسلاميون المتطرفون ضدها وقالوا إنها تشجع الفساد والرذيلة.
حين علمت عائشة الشنا بالأمر ابتلعت لسانها، حسب ما حكته، وأمسكت رأسها من شدة الصدمة، وصادف أن اتصل بها أحد الصحافيين وقال لها إنه ينجز بحثا عن الخادمات الصغيرات، فأجابته بأنها لن تعطي أي تصريح وستتوقف عن العمل، حيث صار زوجها وأبناؤها جميعا عرضة للخطر.
انتشر الخبر، ولم يتوقف بعدها هاتفها المنزلي عن الرنين طوال ذلك اليوم. ووردتها اتصالات من شخصيات جمعوية بارزة طلبوا منها جميعا التراجع عن قرارها في الاستسلام والتنحي. آخر مكالمة تلقتها في منتصف الليل كانت من «كريستين»، زوجة «أبرهام السرفاتي»، وزليخة نصري (مستشارة سابقة للملك الحسن الثاني ثم محمد السادس) اتصلت بها، حسب روايتها، ثلاث مرات في يوم واحد، وقالت لها: «ما غاداش تلوحي العود بدخانو كيما تتقولي، غادا تبقاي تستمري فعملك وراك ماشي بوحدك، احنا معاك». وكان التضامن الذي لمسته عائشة من الكثيرين حينها، سببا في استمرارها واستعادة إيمانها بقضيتها التي بدأ الكثيرون يؤمنون بها.
في يوليوز من سنة 2004، سيرن هاتف الشنا مرة أخرى، فإذا بالمتحدث الملك محمد السادس. تقول بلهفة وارتباك: «تصوري بنت الشعب، شادا الكراطة وتنغسل الدار، ويتصل بي الملك»، اضطربت وارتبكت، وحينها خرجت جملة من أعماق فؤادها صادقة وغير بروتوكولية، إذ قالت للملك: «الله يرحم الكرش اللي ولداتك آسيدي»، ضحك الملك وقال لها: «اليوم فالعشية غادا توصلك شي حاجة». (حسب رواية الشنا نفسها).
كانت الشنا قد طلبت مبلغ 34 مليون سنتيم، لإنشاء أول مشروع سوسيو اقتصادي يسمح بالتمكين الاقتصادي وتحفيز موارد الدخل الذاتي للنساء «الأمهات العازبات المتخلى عنهن»، وهو عبارة عن حمام عصري ومخبزة ومطعم (تعمل فيه هؤلاء النساء). المفاجأة، تقول الشنا، أن الملك أرسل للجمعية شيكا بمبلغ 100 مليون سنتيم (100 ألف دولار)، كما ساعد في افتتاحه بحضور أمراء وأميرات وشخصيات سامية.

في سطور
ولدت عائشة الشنا في الدار البيضاء أثناء الحماية الفرنسية على المغرب” الحماية الفرنسية ، ثم انتقلت إلى  مراكش” مراكش فقضت طفولتها المبكرة هناك.
توفي والدها وهي في الثالثة من عمرها وتزوجت والدتها للمرة الثانية. وعندما أتمت الشنا الثانية عشرة من عمرها، تمنى زوج أمها أن تترك المدرسة ولكن، على عكس رغبته، أعادتها أمها إلى الدار البيضاء لتعيش مع بعض أقاربها وتواصل تعليمها في مدرسة لغات فرنسية. وبعد ثلاث سنوات، تطلقت والدتها ولحقت بها في الدار البيضاء، وبعد ذلك باعت مجوهراتها لتدعم ابنتها.
بمغادرتها المدرسة في السادسة عشرة من عمرها، وجدت عائشة عملا في مستشفى حيث عملت سكرتيرة لبرامج أبحاث لمرضى “الجذام” والسل . وخاضت امتحانات مدرسة التمريض عام 1960 بناء على طلب أصدقائها وتم قبولها. وبعد حصولها على دبلوم التمريض، عملت الشنا في وحدة التعليم بوزارة الصحة، ثم انتهى بها المطاف لتعمل منسقة لبرامج التوعية الصحية.
وفي عام 1970، بدأت عائشة في إنتاج البرامج التلفزيونية والإذاعية المختصة بصحة المرأة ومن ضمنها أول عمل تلفزيوني يدور حول التعليم الصحي.
شرعت الشنا عام 1959 في أولى أعمالها التطوعية في جمعية حماية الطفولة والعصبة المغربية لمحاربة داء السل، وفي عام 1985 أسست جمعية التضامن النسوي، وهى منظمة مختصة بمساعدة النساء العازبات وضحايا الاغتصاب، وكانت تدار في بادئ الأمر بالدار البيضاء.
في عام 1996، نشرت الشنا كتاب «البؤس.. شهادات»، الذي سردت فيه عشرين قصة عن النساء اللاتي عملت معهن ووصف الكتاب بكونه «إعلان النسوية»، وأيضا «منوعات من القصص الحزينة»، والتي ترجمت لاحقاً إلى اللغة العربية.
حازت عائشة الشنا على جائزة في السفارة الفرنسية بالرباط.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق