عام البون والبنان

jnouhi

لدينا أزمة ذاكرة كبيرة. ننسى كل شيء بمجرد حدوثه ولا نفكر في الأرشفة. جزء كبير من الماضي المغربي أصبح شبيها بغرف نوم المراهقين حيث تختلط الجوارب مع الكتب ولا شيء في الجدران إلا صور المغنين الذين أصبحوا أكثر من الهم على القلب.
تلمس هذا الخواء الكبير في الذاكرة المغربية عندما تتجول في المكتبات والإدارات أيضا. حيث كل شيء جديد، والقديم يرمى في المزابل ولا يصنف، وهذا الأمر لو وقع في دولة أخرى لقامت القيامة فوق رؤوس المسؤولين عن اللعب بالذاكرة. يمكن لأي مسؤول كيف ما كان أن يصبح على رأس إدارة عمومية مهما كانت قديمة، ويأمر بمجرد وصوله إلى الرئاسة بهدم المكاتب وبناء أخرى وبإزالة المعالم لفسح المكان للتلفاز والحواسيب أو بناء مرآب لسيارة فخامته، ولن يجد صوتا واحدا يعارضه.
يمكن لأي «باشا» وبمجرد تعيينه في قرية لا تعرفها الدولة إلا من خلال موقعها في الخريطة، أن يباشر، برفقة رئيس الجماعة الذي لم يجلس إلى طاولة منذ أيام الابتدائي الغابرة إلى أن أصبح رئيسا، هدم مروحة الهواء التي بنيت في أغلب المدن والقرى في فترة الاستعمار، لينشئا مكانها محولا كهربائيا. كما يمكنهما أن يهدما السور ويقطعا الأشجار التي يمكن أن يتجاوز عمرها مائة سنة، لتحويل المكان كله إلى تجزئة سكنية. لا أحد يمكنه أن يحتج أو يطالب بوقف هدم الذاكرة الجماعية.
بإمكانك أيضا، بمجرد أن تصبح رئيس مصلحة، أن تباشر نقل المكاتب وإفراغ الرفوف وكأن الأمر يتعلق بملحقة منزلية للعائلة، والحال أن الأمر يتعلق بأرشيف حقيقي يتعرض للتلف في رمشة عين.
عندما تهبط في مطار عالمي، أول شيء تجده في استقبالك يكون صورة قديمة للمدينة، وإذا تعلق الأمر بمدينة أوروبية فإن أول ما يستقبلك في المطار، صورة كبيرة للمدينة أيام الحرب العالمية الثانية. صورة تعبر عن الماضي البئيس الذي لا تتردد الدولة في إظهاره، والحاضر الذي يصفعك بمجرد تجاوزك للبوابة الزجاجية للمطارات.
في المغرب، أول ما يستقبلك عند النزول من الطائرة هو «الميكة» السوداء التي رغم أنها انقرضت من الأسواق إلا أنها لا زالت تحلق في سماء المزابل وجنبات الطرق، وعند مدخل المسافرين، الذين يجب الحرص على ترك انطباع مغربي جيد لديهم، لا شيء يستقبلهم إلا إعلانات شركات الاتصال، والموظفون المغلوبون على أمرهم، حيث يبدو غلاء المعيشة والقلق بشأن المستقبل ومدرسة الأولاد باديا بوضوح على سحنة المكلف بالأمن.
نحن لدينا مآس كانت شبيهة بالحرب العالمية الثانية، لكننا بدل أن نتجاوزها ونعلقها في المطارات لنذكر زوارنا كيف كنا وكيف أصبحنا، قررنا أن نحافظ على الكوارث ونعيشها إلى اليوم. لولا الحسين السلاوي لما تذكر المغاربة «عام البون» بتفاصيله، بالشكل الذي تذكرنا به الأغنية القديمة. المضحك في الأمر أننا لا نزال نعيش تداعيات عام البون، وحكومة 2016 لا تزال تحصي وتطرح وتضيف ولا تخلص لشيء في الأخير. وإذا استمر بنكيران في توزيع الضحكات في البرلمان والإدلاء بتصريحاته العجيبة، فإننا ولا شك سنضطر إلى شراء الشاي والسكر بـ «البون» العجيب، وسنضطر للوقوف في صفوف طويلة انتظارا للدور في اقتناء هذه المادة الحيوية التي لا يتصور المغاربة أنفسهم بدونها.
حتى عندما أراد رئيس الحكومة أن يقنع المغاربة بالقوة أن الأسعار لا تزال ثابتة لا تتحرك، في حواره التاريخي في التلفزيون العمومي، كان يردد بعصبية أن ثمن «البنان» بقي على حاله، وكأن المغاربة لا يهمهم إلا البنان، علما أن نسبة كبيرة من فقراء المملكة لا يرونه إلا في التلفاز، وفي المستشفيات.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *