الرأي

عام جديد

شامة
يوم جديد، من عام جديد، لكن هل فعلا بدأ عام وانتهى آخر؟ أم أننا ندور في حلقة مفرغة، ونعتقد أننا نمشي في خط مستقيم يتحول أحيانا إلى منحنى؟

لنتأمل أحداث السنة التي باتت ماضية، تمنينا قبيل حلولها أن تكون أفضل مما سبقها، وها نحن نتمنى خروجها، وإخراج ما حملته لنا من آلام وكنا قد استقبلناها بكثير من الآمال. نكرر الحكاية نفسها مع السنة التي نقول إنها جديدة، نستقبلها بالأماني، ونودعها بكثير من السخط، وهو ما يحول الحياة إلى مجرد فراغ مليء بالملل، لا شيء يصنع الملل سوى تكرار الشيء  نفسه.

الحروب لا تتوقف، بل تزيد، يزيد عدد ضحاياها وصناعها، الحرب مربحة، «بيزنس» حقيقي. في البداية كانت الحرب من أجل الطعام، وكان يكفي سهم مسموم، أو رمح حاد، لتقوم حرب، اليوم، تفنن الإنسان في إبداع أنواع من الحروب، واختراع أدوات جديدة. قد يبدو لنا أن الحرب وتطورها دليل على أن الزمن يتغير، وليس أننا ندور في حلقة مفرغة، لكن الحقيقة أنه، حتى ولو تنوعت الحروب وتطورت، فإن محركها واحد هو الخوف، الإنسان يشن حربا لأنه خائف، ويبحث عن الأمان، عن السلم، من خلال الحرب، الحلقة المفرغة نفسها التي يدور فيها الإنسان منذ وجد نفسه على الأرض.

غضب الطبيعة يحل في كل سنة، وربما من كثرة الملل الذي أصاب الإنسان ارتأى أن يعطيها أسماء، حتى أن أغلب الأعاصير أطلق عليها أسماء نسائية، ربما فقط هي محاولة أخرى من الإنسان لكسر الملل، لكي يشعر بأن وقته على الأرض لا يمر هباء، وأنه يفعل شيئا ما مختلفا، لكنه في الحقيقة يهرب فقط من حقيقة أننا نعيش الحكاية نفسها كل سنة، ونضفي عليها بعض الرتوشات لكي نشعر بأننا نعيش شيئا جديدا.

حتى الانقلابات العسكرية التي نسمع بها كل سنة، هي مجرد انعكاس لحالة الملل التي يعيشها الإنسان، والتي لا يعرف أنها بسبب محاولته إقناع نفسه بأنه يتقدم في الزمن، ويرفض فكرة أننا ندور، ولا نتقدم، ندور بدوران الكون، وأننا جزء من هذا الكون، وأنه لا يمكن أن يكون الكون يدور، ونحن نمشي في خط مستقيم.

تأمل في أخبار المغرب في العشر سنين الأخيرة، مثلا، ستكتشف أنك لم تعش أي جديد يذكر، نفس الأحداث، نفس الأخبار، الفرق هو أن معشر الصحافيين يحاولون جاهدين تقديمها في طبق مختلف، هم أيضا يتواطؤون ضدنا لكي لا نكتشف حقيقة أننا نعيش زمنا واحدا لا غير، وأن مسألة قدوم سنة جديدة، ورحيل أخرى مجرد وهم اختلقه الإنسان بسبب معاناته من الشعور بالملل.

وحين تنتهي من هذا التأمل، تمعن في نفسك ومحيطك، ستجد أن الكلام نفسه يتكرر، الكل سوف يهنئك بنجاحك في الباكالوريا، يسألك عن المعدل، يسألك عما ستفعله بعدها، يسألك عما إذا كانت المدرسة التي ستتوجه إليها ستجعلك تتخرج بدبلوم يضعك مباشرة في بحر العمل، أم أنه سيخرجك إلينا عاطلا؟ سوف يتركونك تكمل دراستك لأنهم سينشغلون بمن هم أتوا بعدها ليطرحوا عليهم الأسئلة  نفسها. وحين تتم دراستك سوف يعودون ليسألوك عما إذا وجدت عملا، إن أجبت نعم، سوف يسألونك عن السيارة والشقة، وإن قلت إن راتبك لا يساعدك على تحقيق هذا فورا، سوف يسألونك السؤال الشهير: «وازعما مكتفكرش تهاجر؟»، وكأنهم لا يعرفون أن العيش في أوروبا أو أمريكا أو كندا لا يعني أنك سوف تحصل على سيارة أو شقة، وأن هناك الشباب يعيشون في غرف مشتركة توفيرا للمصاريف، ويركبون المواصلات أيضا توفيرا للمصاريف، ويرون أن من يملك في المغرب سيارة وشقة هو «شخص غني». هو ليس بالجهل التام، بل مجرد نوع آخر من الشعور بالملل. لذلك سيستمرون في مضايقتك، والتدخل في التخطيط لحياتك، وفي تربيتك لأبنائك، وفي اختياراتهم، لأنهم بدون التركيز عليك لا يمكنهم تحمل كل هذا الملل الذي يشعرون به على هذه الأرض، ومن يمل منهم من الملل ستسمع أنه قد وافته المنية، وأنه غادر إلى دار البقاء.

غادر وقد قضى حياته يتمنى أن يكون الغد أفضل، ويركض من أجل أن يجعل الغد أفضل، ويتمنى أن يكون العام الجديد عاما أفضل، وهو لا يعرف أن هذا هو السبب في الشعور بالملل الذي أصابه، وأن الملل لا يهزمه سوى أن نعي أن لا وجود لشيء اسمه عام جديد، ويوم جديد، وأن الحياة تبدأ حين نعيش اللحظة التي نحن فيها، لا ماضي فيها ولا مستقبل، فقط اليوم، فقط اللحظة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق