MGPAP_Top

 عبث السينما المغربية

كان نورالدين الصايل، المدير السابق للمركز السينمائي المغربي، قد كلف شركة «ميديا سكان» بإنجاز دراسة ميدانية حول واقع القاعات السينمائية وإمكانية عودة الجمهور إليها. ودفع الصايل للشركة المذكورة مبلغ 150 مليون سنتيم مقابل هذا البحث «السري» الذي لم يتم تعميم نتائجه على الرأي العام الوطني بالرغم من كونه ممولا من المال العمومي. وجاءت النتيجة عبارة عن مئات الصفحات من الاستنتاجات والمعطيات الرقمية، فيما احتجت شركات أخرى على عدم إجراء المركز السينمائي المغربي لطلبات عروض كما تقتضي ذلك الأعراف في هذا المجال.
تم إنجاز الدراسة في وقت كان فيه الصايل يعتقد جازما أنه لن يغادر أبدا مقعده الوثير، وأن أحدا لن يتجرأ على مجرد التفكير في إزاحته حسب ما كان يسر به إلى المقربين والحواريين الطامعين في اﻹكراميات الحاتمية والدعوات المفتوحة للمهرجانات التي تحولت على أيدي البعض إلى زردة حافلة بما لذ وطاب من طعام وشراب، خصوصا وأن الصايل جند عددا من الناطقين باسمه والذين ظلوا حتى آخر لحظة يرفعون شعار: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما».
كان الصايل يحلم بأعين مفتوحة أن يجسد دور المنقذ، وأن يعيد للقاعات مجدها الغابر، خصوصا وأن الدراسة المذكورة حددت العصر الذهبي لها في ذروة 1980، حيث حطمت القاعات رقم 45 مليون مشاهد قبل أن يحدث الانهيارالتام وربما النهائي مع حلول الألفية الثالثة.
خرجت الدراسة المليونية بخلاصات يمكن لأي متفرج عادي أن يتوصل إليها دون عناء وفي غنى عن تجنيد جيش من الباحثين. فالدراسة «السرية» تتحدث عن تردي أحوال القاعات السينمائية وغياب أي استراتيجية للنهوض بالفن السابع بالمغرب، كما اقترحت الدراسة إنشاء مركبات سينمائية تضم فضاءات الترفيه والتغذية ومآرب السيارات، على أن تنتمي تلك القاعات إلى الجيل الجديد، أي قاعات مكيفة الهواء ومجهزة بشاشات من الحجم الكبير توفر جودة عالية على مستوى الصوت والصورة. والغريب أن مجال بحث الدراسة المذكورة اقتصر على مدينتي الرباط وفاس، فيما هناك مدن أخرى تجسد فعلا إشكالية استهلاك المنتوج السينمائي بالمغرب. ويبقى الأهم في الدراسة هو تطرقها إلى الميزانية السنوية التي يخصصها كل فرد مغربي للترفيه، حيث لا تتجاوز في المتوسط 2480 درهم لا يتجاوز معدل اﻹنفاق على السينما منها 124 درهما، وذلك حسب خصائص بعض الفئات المستهدفة وبعض الشرائح العمرية. فيما لا تدخل ضمن هذه الخانة الفئات الميسورة التي ترتاد المركبات السينمائية الحديثة.
لسنا ندري هل سلم الصايل لخلفه صارم الفاسي الفهري نسخة من هذا البحث الميداني أم أنه غادر مكتبه المديري غاضبا ورافضا أن يضع المدير المعين في الصورة، مما سيرغم الوافد الجديد على صرف الملايين من المال العمومي على دراسة جديدة ستخرج في أحسن الأحوال بنفس الخلاصات والاستنتاجات، وقد يكون مصير الدراسة مثل سابقتها هو أن يعلوها الغبار وتأكلها اﻷرضة مادام أن أغلب الدراسات الميدانية تحال على الأرشيف ولا تعرف طريقها إلى التطبيق الميداني أو على الأقل الاستئناس بها لدى اتخاذ القرارات حتى لا نعيد إنتاج أخطاء الماضي. لكن ما هو سائد في الادارة المغربية أن كل مدير جديد يرفض التفاعل مع إيجابيات الادارة السابقة إن وجدت، ويحاول البدء من عدم، فقد تعاقب على إدارة المركز السينمائي المغربي منذ تأسيسه عام 1944 عدة مدراء هم : هنري منجود وعبد القادر بلهاشمي وعمرغنام وسهيل بن بركة ونورالدين الصايل ثم أخيرا صارم الفاسي الفهري. لكن يبدو أنهم لم يخلفوا وراءهم «تراثا» إداريا قابلا للاستثمار فيه ومواصلة مساره بثقة وكثير من الامتنان. فكل قادم جديد يمحو بجرة قلم ويلغي ما سبق، وهو عبث لا يمكن للسينمائيين المغاربة أن يقبلوا به بدعوى تمسكهم العجيب بشعار الضعفاء المعروف: «شوف وسكت».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة