GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

عبد الرحيم بوعبيد والسير في الاتجاه الصحيح

  لم يخسر الزعيم التاريخي عبد الرحيم بوعبيد مقعده في تشريعيات العام 1977، لأن خصمه أحمد رمزي، وزير الأوقاف السابق، هزمه في الميدان.. ولكن لأن ترشحه في سوس اعتبر تحديا كبيرا للسلطة التي تمنت عليه عبر وسطاء أن يترشح في سلا أو الرباط أو المحمدية أو الدار البيضاء حتى، ويبتعد عن سوس.
رد بوعبيد، الذي عرف بصراحته وقوة شخصيته، بأن الحزب الذي لا يقدر على بسط نفوذه في أي مكان يختاره، حيث ينتشر مناصروه والمتعاطفون معه، محكوم عليه بالتقوقع والاندثار. لم يكن يعنيه إضافة دائرة إلى المقاعد التي كان يعول على حيازتها عن جدارة، بل تأكيد تمدد نفوذ الاتحاد الاشتراكي إلى أبعد نقطة ممكنة.. قبل أن تأتي النتائج «المخدومة» سلفا لتوضح أن النزاهة والحياد آخر ما جرى التفكير فيهما بمنطق صنع الخرائط من فراغ.
روى لي صديق حاور الزعيم بوعبيد في هذه المسألة تحديدا، أن بوعبيد قال له: كيف يفكر البعض في تقليص نفوذ حزبه، مع أن المحاكمات التي طالت رموزه ومنتسبين إليه، شملت معارضين توزعوا في شتى أرجاء البلاد، من أمزميز إلى قلعة مكونة ومن الرشيدية إلى مولاي بوعزة، ومن فجيج إلى سوس.. ومن شيشاوة إلى طنجة العالية، ومن الرباط وسلا والقنيطرة إلى تخوم الحدود الشرقية في وجدة؟
كانت الإشارة موحية إلى تجذر الحزب في المدن والأرياف. وفُهم وقتذاك أن محاولات تقليم أظافره اتخذت من ثني زعيمه عن الترشح في أكادير بالون اختبار، على غرار تجارب سابقة في انتخابات العام 1963. فيما كان الإصرار على إزاحة مثقفين ومفكرين من واجهة العمل السياسي يروم تجريد الحزب من أهم سلاحه.
قبل أن تظهر الكائنات الانتخابية العجيبة التي تتلون مثل الحرباء، حيثما توضع تكسب لون الأرض أو الجدار أو الأشجار. كان يصعب استمالة مناضلين حقيقيين يؤمنون بقضيتهم. ولم تتقبل السلطة السياسية في وقت سابق كيف أن رموز المعارضة يسيطرون على المدن الكبرى في الرباط  وفاس والدار البيضاء ومراكش وغيرها، في مقابل احتلال أحزاب الإدارة الصفوف الأمامية في أعداد المقاعد. حتى أن وزراء وشخصيات متنفذة كانت تلوذ إلى البوادي لانتزاع الأصوات، في غياب أي رقابة أو شفافية.
تعاطى «الاتحاد الاشتراكي» مع إزاحة زعيمه عبد الرحيم بوعبيد بترفع كبير. وأغرب ما حدث أن الرجل، الذي انتزع منه مقعده في أكادير، لم يتراجع عن احتلال الصف الأمامي في الدفاع عن القضية الوطنية. فقد كان يفرق بين مرونة اللعبة الديمقراطية التي تقتضي وجود منتصر ومنهزم، وإن بوسائل الضغط والإكراه والتزييف، وبين الدفاع عن الالتزامات المبدئية. وما انفك يواجه خصوم الوحدة الترابية في المحافل الدولية. وتردد ضمن ما نقل عنه أن سجنه ونفيه إلى «ميسور» رفقة قياديين بارزين، لا يساوي شيئا إن كان يصب في خانة تعزيز موقف المغرب. وكتب عنه جون لاكتور أنه كان مجددا وأسهم بجهود مضنية في ترسيخ استقرار البلاد، لأن معارضته كانت عميقة وبناءة، لا تقف عند قشور السطح.
رأيته في مدينة «العيون» شامخا وهادئا، يتحدث عن المستقبل. كانت المناسبة التئام جلسة طارئة للبرلمان حول تطورات ملف الصحراء. وبدا أن الرجل وضع جانبا كل خلافاته وجراحاته، مثل الكبار الذين يصنعون التاريخ ولا تغويهم المواقع. قبل بضع سنوات كان بوعبيد يقبع في زنزانة، لكنه اليوم تخلص من سجنه وسجانيه، لأنه أكبر من أن تحتويه غرفة مغلقة تنفث أعلى درجات الحرارة والبرودة بلا مكيفات هواء. وجاء خطابه بليغا ومقنعا يسمو فوق الحزازات الشخصية والسياسية.
جلجل صوته في القاعة، وتمحور خطابه حول الربط الجدلي بين الديمقراطية والوحدة، مشيرا إلى أنهما يتقاطعان ويتكاملان عند مفترق صون المكاسب. وبدد في غضون ذلك أوهام التيار الانفصالي، مؤكدا أن بناء الدولة الديمقراطية يتلازم وتحصين الوحدة. وسجل أكثر من مراقب أن بوعبيد، الذي أصبح عضوا في البرلمان، يختار بدقة توقيت كلماته، ولم يكن يجاري متاهات معارك حزبية هامشية، وبلا قضية.
إذا كان من زعيم ترك بصماته على جسد الحياة الحزبية والسياسية، فإن الراحل عبد الرحيم بوعبيد كان أكبر من أن تحتويه جبة الانتماء الحزبي. صحيح أنه كان يرمز لوجود وهوية «الاتحاد الاشتراكي» الذي صاغ مرجعيته بانتقائية ذكية جعلته المعارض رقم واحد بواقعية وعقلانية ومرونة، لكنه كان في الوقت ذاته يعكس رؤية سياسية تتجاوز المفاهيم الضيقة للانتساب الحزبي.
لم يتضرر «الاتحاد الاشتراكي» من «الهزيمة المدوية» لزعيمه في دائرة أكادير، ليس فقط لأنه اعتبر ذلك تجسيدا لمنطق تزوير الإرادة الشعبية المعبر عنها حقيقة في صناديق الاقتراع، بل لأنه كان يؤمن بسياسة التراكم والتدرج. وإن لم يكتب له أن يعاين اختيار خلفه عبد الرحمن اليوسفي لقيادة سفينة التناوب، فقد مهد لذلك بروح عالية.
قال أحد السياسيين مرة إنه إذا كنت تسير على طريق ولم يعترضك أحد، فاعلم أنك تمشي في الاتجاه الخاطئ. فالسياسة أيضا مثل المسالك السيارة والملتوية، وتلك التي لا مخارج في نهايتها. والذين وضعوا علامات الأضواء الحمراء والخضراء والبرتقالية، أدركوا منذ البداية أن السرعة والضغط على الفرامل تغري. لذلك أضافوا إليها علامات «قف» والأخرى التي تدعو إلى تخفيف السرعة وعدم السماح بالتجاوز.
المشكل في حوادث السير أن الجميع يتهم الآخرين بعدم احترام قوانين السير. وقد يكون الزعيم عبد الرحيم بوعبيد أدرك مبكرا أن من اعترضوا على ترشحه في أكادير كانوا من النوع الذي يفيد بأنه كان يسير في الاتجاه الصحيح.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة