عبد الكريم الجيلي.. محبّ الإنسان الكامل!

شخصية أخرى من شخصيات أعضاء ديوان المحبين العاشقين الذين لا يشغلهم إلا حب الذات الإلهية، وهو عبد الكريم الجيلي (767- 826ه)، ذو فهم ثاقب، وعلم راسخ في مقامات القوم، من التجريد والتفريد إلى معرفة كهوف النفس وخفايا رعوناتها الحيوانية.
لقبه يوسف زيدان صاحب رواية «عزازيل» الحائزة على «البوكر العربي» لسنة 2009، بفيلسوف الصوفية، لآفاقة الذوقية الرحيبة، وعالمه العامر بالدلالات الروحية والرؤية النورانية الشفافة، وتنقله من الشك إلى اليقين، ليس تشبها بديكارت، فيلسوف العصر الحديث بفرنسا، وإنما سلوكاً إلى هوية الحقيقة، وطلباً للارتشاف من كأس المعرفة الرّبانية، لا كأس المعرفة الشيطانية. قال تعالى: «وأن لو أستقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً»- الآية. إلا أنه، مع كثير من الأسف، ضاع تراث الرجل كما ضاعت مخطوطات كثير من رجالات العلم النوراني الذي ينفع الناس في البلاد الإنسانية، وبعض المخطوطات ما زالت طي النسيان لم تحقق بعد.
هناك من يتوقف عند ظاهر العبادات، وهناك من يتجاوز الشكل الظاهر إلى روح العبادات، يتذوقها بعمق فتصير عنده كنزاً لا يفنى. لتشرق أنوار التجلي على قلبه، فلا يرى في الكون إلا دلائل صنعته، والصنعة تدل على الصانع بالضرورة كما تحدث ابن رشد الفيلسوف. وفي متن العارفين بالله يلتقي التصوف بالفلسفة، العقل والقلب، حالا ومقالا؛ فالقلب هو النور الأزلي والسرّ العلي المنزل في عين الأكوان لينظر الله تعالى به إلى الإنسان، وعبر عنه الكتاب بروح الله المنفوخ في روح آدم، حيث قال: «ونفخت فيه من روحي». ويسمى هذا النور بالقلب لمعان عدة عند عبد الكريم الجيلي، منها: أنه لبابة المخلوقات وزبدة الموجودات جميعا أعاليها وأدانيها، فسمي بهذا الاسم لأن قلب الشيء خلاصته وزبدته. ومنها: أنه سريع التقلب وذلك لأنه نقطة يدور عليها محيط الأسماء والصفات، فإذا قابلت اسماً أو صفة بشرط المواجهة انطبعت بحكم ذلك الاسم والصفة، وقولي بشرط المواجهة تقييد، لأن القلب في نفسه لا يزال مقابلا بالذات لجميع أسماء الله تعالى وصفاته، لكن يقابله في التوجه شيء ثان، وهو أن يكون القلب متوجهاً لقبول أثر ذلك الشيء في نفسه فينطبع فيه. والقلب لحقائق الوجود كالمرآة للوجه.. فافهم!
توقفني عبارة عبد الكريم الجيلي «فافهم معنى هذا الخطاب»؛ فهم، ومعنى، وخطاب، كل واحد منها صورة للآخر بحيث يجوز أن نرادفها جميعاً فنقول: معنى فهم الخطاب، أو فهم الخطاب معنى، أو معنى الخطاب فهم، أو الخطاب فهم معنى! من ثمة تتضح أمامنا طرق فهم الخطاب القلبي أو النوراني الذي يدعو إليه فلاسفة الصوفية ومنهم عبد الكريم الجيلي، لا يفقد من أحد منهم فهم، لدرجة أن غير المتبصر بمتن القوم قد يدرك أن هؤلاء الصوفية نوع بشري مختلف، لكن الحقيقة أنهم مختلفون في فهم خطاب المعنى!
وعليه، يأتينا مفهوم «الإنسان الكامل» عبد الكريم الجيلي، يقول عنه في هذا السياق، هو: «القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين [..] واعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته، ويقابل الحقائق السفلية بكثافة، فأوّل ما يبدو في مقابلته للحقائق الخلقية يقابل العرش بقلبه، قال عليه الصلاة والسلام: «قلب المؤمن عرش الله» [..] ثم «اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضى الذاتي، فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات، ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان الكامل» صلى الله عليه وسلم.
والخلق عباد الله بالضرورة، لكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات، الهادي والمضل، الهادي والمنعم، وكذلك المنتقم.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *