عجبا.. إنهم يكنسون السلالم من أسفل

عجبا.. إنهم يكنسون السلالم من أسفل

عندما ذهب الجميع لعطلتهم تلاميذ وأساتذة وإداريين، لنسيان تفاصيل سنة تعليمية مخيبة للأمل بكل المقاييس، تفرغ بعض المديرين الجهويين لوضع اللمسات الأخيرة على «لائحة سوداء» تتضمن 67 إطارا إداريا، أغلبهم رؤساء مصالح وعدد قليل من رؤساء الأقسام، تم اتخاذ قرارات بإعفائهم من مهامهم، وذلك في أكاديميات مختلفة، والحجة أو الذريعة على الأصح، هي ورود أسمائهم في تقارير المفتشية العامة للوزارة حول البرنامج الاستعجالي، حتى أن منابر إعلامية ورقية وإلكترونية نسبت لهؤلاء المعفيين «اختلاس» ميزانية هذا البرنامج. وبالرغم من أن توقيت اتخاذ قرارات الإعفاء مريب جدا، فإن أي شخص له الحد الأدنى من المعرفة بالتشريعات والقوانين التي تعمل بها وزارة التربية الوطنية، يستطيع أن يكشف المغالطات الكبرى التي ينطوي عليها تبرير كهذا، ذلك لأن موقع رئيس مصلحة ورئيس قسم في الهيكلة الإدارية، سواء مركزيا أو جهويا أو حتى إقليميا، تجعله تحت وصاية مدير المرفق، وفي حالة رئيس مصلحة أو رئيس قسم في الأكاديميات، فإن مدير الأكاديمية هو المسؤول المباشر عن كل الصفقات بموجب قانون 007 المنظم لعمل الأكاديميات، بل إنه الآمر بالصرف. والاستنتاج الأول لهذا المعطى، هو أن رئيس مصلحة هو آخر درجة في السلم الإداري. وإذا عدنا إلى المادة 8 من هذا القانون، سنجد أن مدير الأكاديمية هو من يفوض بعض مهامه، ومنها التفويض بالتوقيع، كأن يفوض لرئيس مصلحة أو رئيس قسم مهمة من مهامه، وقد تشمل بعض التعاملات المالية، التي تخص مشروعا محددا، قد نسميه مثلا التكوين المستمر، في حالة رئيس قسم الموارد البشرية في الأكاديمية أو رئيس مصلحة للمهمة ذاتها في مديرية إقليمية، ومع هذا، تبقى مسؤولية مدير الأكاديمية ثابتة تماما، في حال ثبوت خطأ إداري أو اختلال في التدبير المالي قام به المسؤول عن مصلحة أو قسم. وهذا المعطى يجرنا للاستنتاج الثاني، وهو أنه إذا ثبت أن 67 مسؤولا «صغيرا» اقترفوا خطأ في التدبير المالي، مهما كان، فإن المحاسبة يجب أن تبدأ من مديري الأكاديميات، لكونهم المسؤولين أمام الحكومة والوزارة عن تسيير الأكاديمية، كما ينص على ذلك القانون.
إذن، نحن أمام سيناريوهين لا ثالث لهما، إما أن هؤلاء متورطون فعلا في اختلاسات، وفي هذه الحالة يجب أن تبدأ المحاسبة من مسؤوليهم أولا، سواء منهم الذين تم إعفاؤهم من مهامهم في وقت سابق، أو الذين مايزالون في مهامهم إلى اليوم، لاسيما وأن هناك قرائن كثيرة تؤكد حالة الغنى الفاحش الذي أصبح عليه بعض هؤلاء، الذين تحولوا إلى كبار المستثمرين في التعليم الخصوصي والعقار، بل إن منهم من أصبح من كبار ملاك الأراضي الفلاحية، وإلا كيف يمكن لمديري أكاديمية حاليين وسابقين، لا يتجاوز راتبهم معدل 40 ألف درهم شهريا، وذلك باحتساب مختلف التعويضات السنوية، أن يبنوا مدارس خصوصية ضخمة، بعضها تجاوز الملياري سنتيم في الرباط ومراكش وأكادير وبني ملال؟
الاحتمال الثاني، هو أن الأمر يتعلق فقط بتصفية حسابات، الغرض منها خداع الرأي العام عن فضائح أكبر، ومن يتصور أن 67 رئيس مصلحة وقسم قاموا باختلاس 54 مليار درهم، فهو إما جاهل بجوهر العمل الإداري في وزارة التربية الوطنية، وإما غرضه أن يلهي الرأي العام عن معرفة اللصوص الحقيقيين، والمؤسف هو أن هذا هو الاحتمال الأقرب للحقيقة، إن لم نقل إنه الحقيقة عينها، لكن المؤسف أكثر، هو أن رئيس الحكومة ووزيري التربية الوطنية، السابق محمد الوفا، والحالي رشيد بلمختار، يعرفون اللصوص، وذلك بحكم توصلهم بتقارير قامت بإعدادها مفتشية وزارة التعليم ومفتشية وزارة المالية، فضلا عن تقارير المجلس الأعلى للحسابات.
وبدل أن يوضحوا للرأي العام حقيقة ما وقع في هذا البرنامج، ويقدموا اللصوص الحقيقيين للعدالة، لاسميا وأن الجزء الأكبر من ميزانيته مايزال عبارة عن ديوان خارجية لم تُرَد إلى اليوم، وبدل تفعيل الدستور في مسألة ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن الصمت المريب لهؤلاء، سمح لبضعة مسؤولين، وبعضهم كان جزءا من مرحلة البرنامج الاستعجالي، (سمح لهم) بالتخطيط لأكبر عملية تمويه للرأي العام بخصوص ما حدث في البرنامج الاستعجالي. لقد وقع ما كنا نخشاه، وهو أن يدفع «الصغار» ثمن جريرة «الكبار».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *