عصبة الأمم

 

ما يحدث اليوم في سوريا بعد إعلان انتداب بريطاني أمريكي فرنسي بالمنطقة خطير بالفعل، فهو يعيد سيناريو الانتداب البريطاني الذي سلم فلسطين لإسرائيل والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان سنة 1922، والأخطر أنه يعيد إلى الذاكرة اتفاقية سايس بيكو التي وقعت عام 1916، والتي لم تكن إلا اتفاقا سريا بين فرنسا والمملكة المتحدة، بمباركة من الإمبراطورية الروسية، على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية، التي كانت مسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الأولى.

 

اليوم بعد تشكيل سلطة انتداب جديدة مكونة من أمريكا وبريطانيا وفرنسا هناك حديث عن تشكيل هيئة حكم انتقالية وعن تنحي الرئيس السوري بشار الأسد، وأيضا ما هو أخطر، أي تقسيم سوريا تحت مسمى اللامركزية وتشكيل حكومات محلية بصلاحيات كبيرة، ووضع البلاد تحت وصاية مباشرة للأمم المتحدة.

بالأمس كان الاستعمار يأتي إلى المنطقة العربية تحت مسمى الحماية واليوم يأتي تحت مسمى إسقاط الأنظمة وإقامة الديمقراطية. ولكم أن تتخيلوا كيف أن الرئيس الفرنسي ماكرون لا يجد أي حرج في استقبال المشير السيسي الذي جاء إلى الحكم في مصر على ظهر دبابة وفِي الوقت نفسه يعلن استعداده لإسقاط بشار الأسد من الحكم، رغم أن هذا الرئيس لم يأتِ إلى الحكم بانقلاب عسكري.

السخرية الفرنسية السوداء من مستعمراتها السابقة لا حدود لها، ففرنسا التي أخذت كل شيء من الجزائر يعلن فيها اليوم متحف التاريخ الطبيعي الفرنسي استعداده لإعادة جماجم الجزائريين إلى بلادهم. فقد أخذوا الثروات الطبيعية طوال قرن ونصف وقتلوا مليون شهيد واليوم يعلنون استعدادهم لإعادة جماجم ضحاياهم إلى بلادهم.

لذلك فواهم من يعتقد أن دول الانتداب الجديد في سوريا هدفها إقامة الديمقراطية في البلاد، بل إن الهدف هو اقتسام الكعكة الشامية مع الدب الروسي.

وما يقع اليوم في الشام حرب بين أمريكا وفرنسا بالخصوص وروسيا، حرب تدار بالوكالة عن طريق جيوش متطوعة ترتزق بالحرب، وطبعا كل هذا ليس من أجل سواد عيون السوريين الذين يطمح الغرب وديكتاتوريو العرب أن يعيشوا بحرية، ففرنسا تبيع ممتلكاتها لنظام قطري متخلف سياسيا، وتمنح الأوسمة لأمراء خالدين في مناصبهم ما زالوا يقطعون الرؤوس في الساحات العامة.

ولفهم هذا الوضع الملتهب تجب قراءته على ضوء التقرير الأخير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية «CIA»، الذي يتوقع تراجع الولايات المتحدة الأمريكية إلى المرتبة الثانية بعد الصين في أفق 2030، ما يجعل منه سؤالا آنيا وعلى درجة كبيرة من الأهمية.

الأخطر من تقرير وكالة المخابرات المركزية، الذي يعتبره كل رئيس أمريكي بمثابة الإنجيل المقدس، هو التقرير الجديد الذي يتوقع أنه في 2060 لن يشكل اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية في الدخل الخام للاقتصاد العالمي سوى 16 بالمائة، في الوقت الذي سيشكل فيه الاقتصاد الصيني 28 بالمائة من هذا الدخل.

هذا يعني أنه بحلول سنة 2060 سيكون ترتيب الدول العظمى حسب اقتصادها كالتالي، في المرتبة الأولى نجد الصين، تليها الولايات المتحدة الأمريكية، تليها الهند، تليها البرازيل ثم روسيا.

وكما تلاحظون فلا أثر لأي دولة أوربية في ترتيب أقوى دول المستقبل، وحتى فرنسا التي بنت اقتصادها على استنزاف ثروات دول مستعمراتها السابقة، ستجد نفسها تراجعت من المرتبة الخامسة إلى العاشرة.

و«الدولة الإسلامية في العراق والشام»، سيقول قائل، أين هي «الدولة الإسلامية» في هذا الترتيب؟

الدولة الإسلامية في العراق والشام التي أعلن عنها البغدادي في سوريا والعراق ليست هدفا في حد ذاته بل هي مجرد أداة، وعندما ستنهي مهمتها في سوريا والعراق، وها قد ظهرت بوادر نهايتها، سيتم التفاوض على نقل مقاتليها نحو مكان آخر من الخريطة العربية، في ليبيا والفلبين ومناطق أخرى.

فالمجاهد في المعجم الأمريكي اليوم قد يتحول بسرعة إلى إرهابي غدا، تماما كما حصل مع الأفغان الذين تحولوا بين عشية وضحاها في نشرات «سي إن إن» من مجاهدين إلى إرهابيين، عندما أرسل إليهم بوش طائرات «بي 52» لتدك مخابئهم في جبال «طورا بورا».

«داعش» هي الاختراع الذي تم زرعه في خصر العراق والشام، استعدادا لكي ينتشر ويتوسع على طول خريطة دول الشرق الأوسط ودول محور جنوب الصحراء من أجل محو الخرائط القديمة ورسم أخرى جديدة تزامنا مع الاحتفال بمرور مائة سنة على اتفاقية «سايس بيكو» بحلول 2016، لم تشارك في صناعته دولة واحدة، بل إنه نتيجة خلطة ساهمت فيها كل دول المنطقة إلى جانب القوى العظمى، بنصيب.

وبالنسبة لأمريكا فإسقاط نظام بشار الأسد يعني بالدرجة الأولى رد الصاع صاعين لروسيا في قضية أوكرانيا و«القرم» التي احتلتها روسيا سلميا.

فإذا كان بوتين قد اقتلع «القرم» من الاتحاد الأوربي وأبعده عن قواعد حلف الناتو الذي يحلم بوضع صواريخه تحت أنف القيصر بوتين، فإن أمريكا تحلم بانتزاع ميناء طرطوس السوري الذي يشكل الحدود الحقيقية لروسيا في الشرق الأوسط والمعبر الإستراتيجي للتجارة والملاحة العالمية.

فهذا الميناء الضخم والاستراتيجي الذي يقع على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، يمنح روسيا وجودا دائما في المتوسط، ويمكنها بالتالي من القيام بعمليات في المحيط الأطلنطي وإرسال غواصاتها النووية، وهو الأمر الذي سيصبح مستحيلا لو قررت تركيا إغلاق معبر البوسفور في وجه غواصات روسيا القادمة من قاعدتها بأوكرانيا بالبحر الأسود والذاهبة نحو البحر الأبيض المتوسط.

وهنا يمكننا أن نفهم لماذا عدلت تركيا سنة 1982 اتفاقية الملاحة في البوسفور، بالشكل الذي يسمح لها بإغلاقه وقتما تريد، سواء ساعة الحرب أو السلم.

فإذا أغلقت تركيا معبر البوسفور في وجه الغواصات وحاملات الطائرات الروسية، وفقدت موسكو ميناء طرطوس بسقوط بشار الأسد، فهذا يعني إغلاق باب الملاحة في وجه الأساطيل الروسية الذاهبة نحو المحيط الأطلسي عبر البحر الأبيض المتوسط، أي تكبيد الاقتصاد الروسي خسارة فظيعة.

بعبارة أخرى سيتم تحجيم روسيا داخل مياهها الإقليمية وسيتم نتيجة لذلك تقليص نفوذها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي انتزاع مخلب الدب الروسي من القبضة الإيرانية المهددة.

ولذلك فروسيا عندما تستميت في الدفاع عن بشار الأسد سياسيا في مجلس الأمن وعسكريا عبر دعمه بالسلاح وقصف مواقع «داعش» بالطائرات وعبر السفن الحربية، فإنما تستميت في الحقيقة دفاعا عن امتدادها وعمقها الاستراتيجي في قلب الشام، الملعب الذي تدور فوق أرضه «لعبة الأمم» منذ نزلت بها أول ديانة سماوية وإلى اليوم.

العالم إذن منشغل بتقسيم كعكة «سايس بيكو» الثانية، ولا أحد يبدي اهتمامه بتمزيق مفاصل فلسطين المحتلة أو إعلان ترامب القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، وهذا بالضبط هو المطلوب، المزيد من الفوضى «الخلاقة» داخل دول العرب لإتمام مشروع التقسيم كما تم التخطيط له قبل مائة عام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.