عقدة التلميذ النجيب

 

يجب فعلا أن تكون ساديا لكي تستشهد بمقولة لجبران خليل جبران التي تقول أولادكم ليسوا لكم، إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، في الوقت الذي يعرف الجميع أنك آخر من يهتم بأولاده.

لكن يبدو أن مدام كريستين لاغارد ليس لديها مشكل مع السادية، فهي توجد على رأس مؤسسة مالية دولية اسمها صندوق النقد الدولي تفرض برامج تقشفية مهينة على زبائنها من الدول المتخلفة تجعلهم يقتطعون من ميزانيات الصحة والتعليم العموميين من أجل سداد أقساط ديونها كل شهر، ومع ذلك تمتلك الجرأة لكي تذرف دموع التماسيح على حال أولاد هذه الدول الفقيرة الغارقة في الديون.

إن ما قالته كريستين لاغارد في ندوة مراكش حول النمو الشامل من كونها منشغلة بعدم الرضى الشعبي، خصوصا في صفوف الشباب الذي يفور، متسائلة كيف يمكن تعميق الإصلاحات لكي تشمل المواطن، يدعو فعلا للتساؤل على من تضحك مدام كريستين ؟

نعم صندوق النقد الدولي حريص على الاستقرار في المغرب، لكنه حريص على الاستقرار السياسي وليس الاجتماعي، لهدف واحد ووحيد وهو ضمان تحصيل ديونه.

بمعنى أن مهمة الحكومات المتعاقبة في المغرب بالنسبة لصندوق النقد الدولي هي إمساك البقرة الحلوب التي هي الشعب من قرنيها لكي تحلبها مدام كريستين أطول وقت ممكن دون أن تنطحها.

وبالطبع فليس من مصلحة صندوق النقد الدولي أن تنهار البقرة، بل الهدف هو أن تبقى واقفة على رجليها وأن تنتج الحليب حتى ولو كان العلف الذي تلقته قليلا، حتى ولو أصابها الهزال ولم تعد قادرة على الحركة.

هل نسيت لاغارد أنه بسبب أوامر بنكها التي لا ترد تراجعت القدرة الشرائية للمغاربة خلال الخمس سنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق ؟ لذلك فهي عندما تتحسر على واقع بطالة الشباب المغربي الذي يغلي وينذر بالانفجار فهي تلعب دور من يبيع القرد ويضحك على من اشتراه منه.

لقد شعرت كريستين لاغارد بالحرج بسبب النقد اللاذع الذي وجهه المغاربة في شبكات التواصل الاجتماعي لبنكها بسبب قرار تعويم الدرهم، والحرج نفسه شعر به والي بنك المغرب ورئيس الحكومة اللذان طفقا يطوفان على البرلمان والندوات لكي يقنعا الرأي العام بأن قرار التعويم كان قرارا سياديا ولَم تفرضه مدام كريستين.

لكن المصيبة أن الجميع يعرف الحقيقة، ويعرف أن مسؤولينا مصابون أمام صندوق النقد الدولي بعقدة التلميذ النجيب، وكما يقول المغاربة “آش عند الميت ما يكول قدام غسالو”.

وهكذا فكر هؤلاء في ندوة بمراكش يجتمعون فيها ويتبادلون التنويهات، وشيئا من “حشيان الهضرة” من جانب مدام كريستين، لكي يفهم المسؤولون أن البقرة الحلوب النطاحة التي يمسكون قرنيها لكي يحلبها البنك توشك أن تسقط وأن عليهم منحها بعض العشب ما يكفي لكي يدر ضرعها الحليب المطلوب.

لنكن صرحاء، ألا يخجل سعد الدين العثماني رئيس الحكومة عندما يقول إنه سيرفع ميزانيات التعليم والصحة حتى ولو رفض صندوق النقد الدولي ذلك ؟

إنه لمن قبيل الضحك على الذقون ادعاء الأحزاب السياسية المغربية امتلاك برنامج يمكن تطبيقه في حالة الحصول على أصوات المواطنين في الانتخابات والوصول إلى رئاسة الحكومة، والسبب بسيط للغاية، فليس هناك حزب واحد قادر على تطبيق برنامجه لأن البرنامج الوحيد الذي يطبقون عندما يصلون إلى قمرة القيادة، هو برنامج صندوق النقد الدولي.

وحتى لو مزق رئيس الحكومة فمه وهو يغطي صورة الواقع المغربي بكل الألوان الفجة التي في الطبيعة، فإنه لن يستطيع أن يحجب الحقيقة المرة، وهي أن البلد يوجد اقتصاديا في عنق الزجاجة.

فبسبب تطبيق تعليمات كريستين لاغارد تعرض التعليم العمومي والصحة العمومية لأكبر الانتكاسات، والنتيجة هي أنه أصبحت لدينا أقسام يتكدس داخلها 54 تلميذا في كل فصل من فصول المدارس، وتصاعد معدل الهدر المدرسي وأصبح لدينا حوالي ثلاثة ملايين شاب بدون عمل ولا تعليم ولا تكوين، والحل بالنسبة للحكومة والدولة هو بناء سبعة عشر سجنا عوض سبع عشرة مدرسة عمومية.

والسبب في هذا هو خضوع الحكومة لتعليمات موظفي صندوق النقد الدولي الذين يراقبون الموازنة العامة مثلما تراقب الأم الحليب فوق النار. ومن هذه التعليمات التوجه نحو تخلي الدولة عن تحمل مصاريف التعليم والصحة.

هناك مثل إنجليزي يقول “عندما تفتح مدرسةً فإنك ستغلق سجنا”، غير أن ما نراه أمامنا هو عكس ذلك تماما، فها هم يغلقون المدارس الحكومية ويشيدون السجون.

لقد قال بنكيران قبل العثماني إن الوقت قد حان لكي ترفع الدولة يدها عن مجموعة من القطاعات الخدماتية مثل الصحة والتعليم وبسبب ركوع بنكيران أمام كريستين لاغارد وتطبيقه حرفيا لتعليماتها، أصبح ينال شهادات حسن السيرة والسلوك من طرف المؤسسات الائتمانية التابعة للمؤسسات المانحة للقروض، وها هو العثماني يسير على خطاه وربما أسرع منه.

إن هدف كل رئيس حكومة يصعد إلى كرسي التسيير هو التقيد بالشروط التي يحصل بها منذ مجيئه على قرض الخط الائتماني، والبالغ 6 مليارات دولار، ومن هذه الشروط الحفاظ على عجز الميزانية في ما دون 7 في المائة. الْيَوْمَ هناك شروط أخرى للمحافظة على الخط الائتماني بالنسبة لحكومة العثماني، وأولها تعويم الدرهم لسد شهية المستوردين وترك العملة الصعبة في البلد.

إن الحقيقة التي يجب أن يعرفها الشعب هي أن هذه القروض تعتبر كسيف على رقبة الحكومة والمواطنين، لأن محاولة الحكومة الحفاظ على معدل العجز في ما دون 7 في المائة، تجعلها تنهج سياسة اجتماعية لا شعبية ولا وطنية، وعلى رأسها رفع اليد عن كل الخدمات الاجتماعية، والتعليم والصحة أساسا، ثم تقليص التشغيل في الوظيفة العمومية واعتماد التشغيل بالعقدة، ثم تقليص ميزانية الاستثمار، ورفع الدعم العمومي عن مواد الاستهلاك الأساسية وإعادة انتشار الموظفين، بغض النظر عن ظروفهم الاجتماعية.

والمثير للسخرية هو أن رئيس الحكومة يريد أن يقنع الشعب بأنه هو من قرر تطبيق هذه الإجراءات القاسية لإنقاذ المغرب من السكتة القلبية، وهو من قرر تعويم الدرهم، والحال أن كريستين لاغارد هي التي فرضت تطبيق هذه الإجراءات على الحكومة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.