الرأي

عقلية فاسدة

شامة درشول

 

شاهدت لقاء على موقع صحفي جميل اسمه «فايس»، جمع صحفي الموقع بـ«بليونير» روسي، وأحد أقرب المقربين إلى الرئيس فلاديمير بوتين. كان لقاء عاديا، الرجل التقى بالصحفي على مائدة طعام جمعته بزوجته الأمريكية التي أصر على أن يقدمها إلى الصحفي على أنها الفائزة بلقب «ملكة جمال العالم» ذات سنة، وعلى الجهة الأخرى من طاولة الطعام كان يجلس راهب ينصت بتمعن إلى حديث البليونير المعروف بتجارته في الأسلحة، لكنه قال ما جعل من حديثه ليس مجرد حديث عابر في نظري.

سأل الصحفي البليونير وأحد رجال الثقة ل«بوتين»، «روسيا رغم التطور الذي أظهرته، لا تزال تعاني من الفساد»، ليجيبه الرجل بكامل الهدوء: «حين يصعب علينا التخلص من الفساد، لا يبق أمامنا سوى التعايش معه، الرئيس بوتين قال يوما إن الفساد عقلية، وروسيا حاولت التعايش مع هذه العقلية، والمضي قدما، وأظنني قد أفلحنا في الأمر».

مقولة الرجل كانت مهمة، أو لنقل إنها كانت صادقة حد الصدمة، جعلتني أتدكر فورا الرئيس الأمريكي «ترامب»، الرجل بات عنوانا للفساد في البلد الذي يرفع ضد بلد مثل المغرب تقارير تصنفه على أنه واحد من البلدان التي يرتفع فيها مؤشر الفساد، وهذا وجه آخر من أوجه الفساد الذي يجهله المواطن، أن تكون دولة تحرص على رعاية الفساد باسم القانون، في الوقت الذي تصدر تقارير ضد دولة أخرى تتهمها فيها بالفساد.

ترامب يحول أمريكا إلى مملكة، هو الملك، وأبناؤه العائلة المالكة، ولا أحد في أمريكا يستطيع الحديث لأنه وعدهم بـ«البلايين والبلايين والبلايين»، ووعد الشعب بأن أمريكا ستكون أولا، مهما كان الثمن الذي ستدفعه من أجل المرتبة الأولى التي تشكل هوس الأمريكان، ومركز ثقافتهم المبنية على المنافسة، وقطع رأس الآخر في سبيل الصف الأول. ترامب، أيضا، وعد بأن يجعل أمراء الخليج يدفعون أكثر وأكثر، وأقنع الأمريكان بأنه يفعل هذا من أجلهم، ومن أجل أن يوفر لهم مناصب عمل دائمة. ترامب فعل كل شيء يمنحه له الفساد، ولا أحد تجرأ على فتح فمه وانتقاده، لأنه يملك السلطة، ولأن بلده يملك القوة.

اليوم، نسمع أنه في روسيا، الرئيس يقول إنه حين تعجز عن محاربة الفساد، فعليك أن تتعايش معه وتمضي قدما، ومضت روسيا قدما، وها هي الآن تقدم للعالم وجها آخر لم يعرفه عنها، يضرب عرض الحائط بذاك الوجه الذميم الذي كانت «هوليوود» الأمريكية تصر على تقديمه عن عدوتها التاريخية روسيا، وها نحن اليوم نصفق لروسيا، ونعظمها ونجلها، دون أن نجرؤ على الإشارة إلى غابة الفساد التي تقبع خلف كل هذا الاحتفال، فـ«بوتين» كما ترامب، بدوره يملك السلطة، وبلده يملك القوة، لذلك علينا نحن المواطنون السذج أن نعترف بأننا لا نجرؤ على الحديث عن الفساد وانتقاده إلا حينما يملك من ننتقد السلطة، دون أن يكون مالكا أيضا للقوة، تلك القوة التي تجعلنا نلجم ألسنتنا، بل نصفق للفساد ونصمت.

«المواطن جزء من منظومة الفساد، وهو يتعايش مع الأمر، وحين يكون متوفرا على من يوفر له ما يحتاجه تجده يدعو إلى دهن السير يسير، وحين لا يكون متوفرا عليه سوف تجده يشكو ويتذمر ويرمي بالاتهامات بالفساد». أقول هذه العبارة دوما كلما كان الحديث عن الفساد، حتى السيوسيولوجي «جون واتيربوري»، في كتابه «أمير المؤمنين»، أسهب في الحديث عن دور المواطن في تعزيز منظومة الفساد في المجتمع المغربي، ويقول في ما يقول: «هنا الفاسي والسوسي، الفاسي يملك الإدارة والسوسي يملك عددا من الدكاكين يشغل فيها أبناء قريته، يقترضون منه وحين تحل الانتخابات يأتي الفاسي إلى السوسي ليحصل على أصوات أبناء قريته الغارقين في الديون، ويحصل السوسي على دعم الفاسي». هل كانت هذه العملية ستتم بدون «تواطؤ» من المواطن؟ لا أعتقد، فقد سمعت ذات يوم من أيام حمى الانتخابات فتى يتحدث لأحدهم ويقول له: «لقد حضر إلينا مرشح الحي وأخبرته أننا نريد ثلاثمائة درهم عن كل صوت سندلي به لصالحه، المائة درهم التي كان يمنحها لنا لم تعد كافية، هو بفضل أصواتنا سيحصل على الكثير وسينسانا وعليه الدفع الآن».

الفرق بين «العقلية الفاسدة» لـ«ترامب» ولـ«بوتين»، أنها عقلية منتجة، عقلية تنتج علما، عملا، معرفة، حياة مستقرة، لكن عقلية الفساد في المغرب عقلية لا تزال بدائية، السيد يحصل على الكعكة كلها، وعلى العبيد أن يصطفوا خلفه مستعطفين للحصول على بعض الفتات، وهو ما يفسره المغاربة بعبارة «كول ووكل». ولغرابة الأمر، اكتشفت أنها مقولة متواجدة أيضا في تونس، إذ سمعت إحدى الأمهات تقول إنه في عهد زين العابدين كان الأسياد «ياكلو ويوكلو»، وإنه في زمن الثورة باتوا يأكلون فقط دون أن يلتفتوا حتى بذاك الفتات للشعب.

وضع شهدته في مصر، ففي عز الثورة وجدت أحد أصدقائي، وهو من النشطاء، يقول لي إنه اضطر إلى أن «يستعين بالفساد»، من أجل قضاء أغراضه، وحين استفسرته عما يقصد أخبرني أنه اضطر إلى أن يطلب «واسطة» أخيه الشرطي ليتدخل له في أمر، وأنه يعرف أن سلوكه هذا متناقض مع مبادئ الثورة التي يؤمن بها حتى النخاع، لكن «أعمل ايه، ما انا احيانا بحتاج فساد عشان امشي احوالي»، يقول صديقي المصري.

بلد مثل كندا كان يناهض تجارة الماريخوانا، وحين وجد أن الدولة تخسر الملايير بسبب هذا المنع، وأن هذه الملايير تذهب إلى جيوب المهربين، اختارت أن تقوم بتشريع الماريخوانا، وتفرض على المتاجرين بها الضرائب، وبذلك تحصل الدولة على مورد جديد من المال، بدل أن تجعل قوانينها في خدمة المهربين. لو تأملنا في هذا القرار سنكتشف أن الدولة اختارت أن تتعايش مع الفساد، ولكي تبدو في شكل أفضل من المهربين، وضعت لهذا الفساد قانونا، وشرعته وأخرجته للناس، وأضفى عليه الناس مصداقية، وبذلك لم يعد هذا فسادا، وبات مصدر دخل.

وهذا ما علينا نحن في المغرب أن نملك الجرأة لمناقشته والقيام به، بعيدا عن ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة التي في الأخير لا تنتج لا مسؤولية ولا محاسبة، وبعيدا عن ثقافة «عفا الله عما سلف»، وأن نجرب تطبيق فلسفة الرئيس بوتين، وأن نتبنى الفساد كعقلية منتجة لمناصب عمل جيدة لأبناء الطبقة الكادحة، بدل أن نستمر في تبني عقلية فاسدة لا تنتج إلا الغنى للأغنياء والفقر للفقراء.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق