الرأي

علم المستقبل والأنبياء الكذبة

بقلم: الدكتور خالص جلبي

 

جاء في الإنجيل احترزوا من الأنبياء الكذبة؟ يأتونكم في ثياب حملان ومن الداخل ذئاب خاطفة! قالوا يا معلم وكيف نعرفهم؟ قال من ثمراتهم تعرفونهم! هل يجتنى من شجرة التين حسكاً، أم تعطي شجرة الحسك تيناً؟ قالوا لا . قال تعرفون الشجر من الثمر، وكذلك تعرفون الأنبياء الكذبة من ثمراتهم.

وفي القرآن فقرات تمشي في الاتجاه نفسه؛ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك.

وحين نزلت الآية سيهزم الجمع ويولون الدبر طفق عمر يتغنى بالآية ويردد ويكرر بصوت مسموع أي جمع وأي دبر؟

نحن الآن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من الألفية الثالثة للميلاد. وقد ختمت مجلة «دير شبيغل» الألمانية العام 2009م بالعدد 52، بعنوان لا يدعو للراحة مطلقاً؛ النزاع الأبدي بين الإسلام والمسيحية (Islam und Chrisrtentum: der ewige zwist)، وأنه سيكون السؤال المحوري لهذا القرن، بل رسمت العنوان مع صورة قبيحة وعنوان أقبح: من هو الرب الأقوى للدينين؟

(Wer hat den staerkeren Gott)

إنها روح الصليبية القديمة وإذكاؤها بخبث تحت ستار من العلمانية! أليس كذلك. ولكن التنبؤات هي غالبا من أعمال الأنبياء الكذبة، كما كذب سبعة من المنجمين في مجلة «دير شبيغل» في هذا البحث، الذي امتد على مدار 11 صفحة. علينا أن نمد أعيننا أبعد من سخف هذا الكلام وتحريضه الأسوأ في الإنسان، ونستعرض تجربة التاريخ، ومصير الأنبياء الكذبة!

لقد شهد الربع الأخير من القرن الثامن عشر ثلاثة أحداث مصيرية: استقلال الولايات المتحدة الأمريكية، في أعظم تجمع أوربي خارج أوربا عام 1776 (1)، بعده بـ13 سنة انفجرت الثورة الفرنسية عام 1789 م، وقبل أن ينتهي القرن بسنتين صدر بحث قصير بعنوان غير مثير  لقس مغمور، أحدث زلزالاً في التفكير، وأطلق شحنة من الذعر والتشاؤم، وأسس مدرسة تطورت مع الوقت، وترك الكتاب بصماته ولا يزال على محطات التفكير الإنسانية ومدارس شتى من الحقول المعرفية!

الكاتب هو طوماس مالتوس، والكتاب هو (بحث في تزايد السكان وأثره في مستقبل نمو المجتمع)(2).

 

أربع مراهنات تاريخية   

راهن كارل ماركس في إصرار إيديولوجي على انفجار الثورة الشيوعية في بريطانيا، حسب تفسيره المادي للتاريخ، وراهن السلطان العثماني بايزيد على قهر أعظم قوة تقف في سبيله، عندما توجه إلى سهل أنقرة عام 1402 م، لمواجهة العاصفة التترية بقيادة تيمور الأعرج، وراهن مالتوس على مجاعات وحروب ستطوق القدر الإنجليزي في أجل غير بعيد، وراهن عالم بيئي ألماني نشرت مجلة «الشبيغل» الألمانية دراسته مع حرائق الكويت في حرب الخليج الأخيرة على حدوث شتاء نووي! كما هو الحال مع العنوان اللئيم من مجلة «دير شبيغل» الألمانية!

اعتمد كارل ماركس الجدلية المادية وسيلة لتحليل التاريخ؛ فأقسم بيقين مرعب على انفجار الأوضاع باستيلاء طبقة البروليتاريا (الصعاليك) على الحكم، وإلغاء الطبقات، ومحو الدولة، وإنهاء جدل التاريخ، بعد أن وصل التاريخ إلى نهايته، (كما تنبأ النبي الكذاب الآخر من هارفارد فرانسيس فوكوياما) بدءا من العصر الشيوعي البدائي، مروراً بالزراعة والإقطاع والرأسمالية، ليعود كما بدأ أول خلق البشرية إلى الشيوعية من جديد.

ولم يشك السلطان العثماني لحظة واحدة أنه سيهزم (تيمور التتري) العجوز المنهك لجيش قادم منهك، من آسيا الوسطى من سمرقند ليقاتل فوق أرض غير أرضه، بعد أن تمكن بايزيد من سحق جيش أوربي عرمرم، جندته الأمم الأوربية تحت استغاثة وتوسلات البابا؛ بما يشبه فعل (الصاعقة)(3) في (نيكوبوليس NICOPOLIS) من أرض بلغاريا عام 1396 م، لتسقط بلغاريا بعدها تحت السيطرة العثمانية لفترة 512 سنة، حتى عام 1908 م.

وبنى (مالتوس) تحليله على وقائع مروعة، لعدد سكان بريطانيا، الذي يتضاعف كل 25 سنة من رقم 7 ملايين، ليصبح في نهاية القرن قريبا من 112 مليونا (7ـ 14ـ 28ـ 56ـ 112) في فخ كوني مرعب لا فكاك منه ولا خلاص، من عدم تناسب زيادة إنتاج الأرض بما يناسب هذا الرقم الخرافي البشري! وهو المبدأ الذي أطلقه عن عدم تناسب زيادة السكان بسلسلة هندسية مقارنة بتزايد الإنتاج الغذائي بسلسلة عددية (1ـ 2ـ 4ـ 6- 8ـ 10ـ وهكذا) مما سيفضي بشكل يقيني إلى كارثة تحصد البشر في ثلاث صور: المجاعات ـ الحروب ـ الأوبئة، فالطبيعة تتصرف بما توازن به نفسها!

وبنى عالم البيئة الألماني حكمه على مقدار السخام وهباب الفحم، الذي سيصعد مغطياً الأفق، وحركة السحب وامتداد الغمامة السوداء عبر الملكوت؛ لتلف بدخانها وقتامها الأسود الكرة الأرضية.

 

انهيار المراهنات

والذي حدث أن بريطانيا لم تتحول إلى الشيوعية قط، وانفجرت الثورة الشيوعية وبقوة السلاح والدم والعنف الأعظم في بلد متخلف صناعياً في روسيا القيصرية. وطُحن جيش بايزيد في المواجهة العظمى ضد تيمور العجوز البدوي العنيد، في منازلة بين أعظم جيشين في العصور الوسطى، يخوضان العراك محمولين على ظهور الجياد، في معارك دبابات العصور الوسطى، ليسقط  في الأسر هو وزوجته، ويتبخر جيشه بددا، ويموت حزيناً أسيفاً بعدها بأقل من عام، في أسر قفصٍ من الحديد في سمرقند.

ويسجل التاريخ البريطاني زيادة في السكان فعلاً؛ فيقفز الرقم من سبعة ملايين إلى واحد وأربعين مليوناً، بعد أن هرب عام 1815 م مائتا ألف؛ ليصل الرقم إلى 2,5 مليون مهاجر عام 1850 م، ويكون رقم النزيف البشري بين عامي 1815 و1914 م عشرين مليون نسمة (4). وتتوقف طبول الحرب في الكويت، وتستطيع التقنيات المتقدمة إطفاء الحرائق بطرقٍ فنية بارعة؛ بخنق فوهات الحرائق، ولا يظهر أثر لشتاء نووي مع امتداد فترة نفث السخام الأسود إلى السماء، ويخسر البيئي الألماني الرهان. 

 

النجاة من الفخ المالتوسي بثلاثة قوارب نجاة

الذي أثبته التاريخ أنه لا الدوغمائية ولا الإيديولوجيات، أو توجيه الحياة بنظام الحزب الواحد كما هي في الأنظمة الخائبة المتبقية من الجيوب الستالينية في بورما وكوريا وسوريا، وإنشاء الأنظمة الكليانية الشمولية، لم تكن يوماً مفتاحاً لفهم التاريخ؛ فضلاً عن حل مشكلاته، وجاء الخبر من التاريخ؛ فسقطت الإمبراطورية اللينينية الستالينية في أقل من جيلين؛ وخسر ماركس المراهنة التاريخية.

والذي أثبته التاريخ أن ما قبل السقوط تشتد الكبرياء وجنون العظمة والاتكاء على الاسم القديم اللامع والتاريخ الرائع، كما كنا نردد عندما كنا مراهقين تلك الأدبيات المنمقة المطمئنة التعويضية: (سلوا عنا ديار الشام ورياضها، والعراق وسوادها، والأندلس وأرباضها. سلوا عنا حفافي الكنج وضفاف اللوار ووادي الدانوب. إن عندهم جميعاً خبراً من بطولاتنا). فتمزق جيش (بايزيد) شر ممزق وجُعلوا أحاديث يتناقلها الركبان، وتنفست أوربا الصعداء، وولد جنين الحضارة الغربية من عبقريات ديكارت وسبينوزا وشيلر وغوته، الملقح بنطف الحضارة العربية الإسلامية، ينتظر قدره الجديد.

الذي أظهره التاريخ عن توقعات مالتوس أن عدد سكان بريطانيا زاد أربع مرات، ولكن الناتج القومي ازداد 14 مرة (أربع عشرة)(5)، مما جعل عالم الاقتصاد البريطاني عام 1865 م (جيفونس JEVONS) يقول في تقريره الذي قدمه للملكة فيكتوريا مباهياً: (سهول روسيا وأمريكا الشمالية هي حقول قمحنا. شيكاغو وأوديسا هي مطاحن غلالنا. كندا والبلطيق غابات أخشابنا. أستراليا مراعي خرافنا. أودية أمريكا الغربية مراعي أبقارنا. مناجم البيرو تغدق علينا الفضة. أستراليا وجنوب إفريقيا مناجم لذهبنا. الهندوس والصينيون يزرعون لنا الشاي والقهوة. الأنديز وكوبا تزرعان لنا السكر. إسبانيا وفرنسا عرائش أعنابنا. بلدان البحر المتوسط حدائق ثمارنا. أما القطن الذي زرعناه في جنوب الولايات المتحدة فقد امتد الآن إلى جميع مناطق الأرض الدافئة)(6).

الفرق بسيط للغاية بين الأدبيات التي كنا ندندن بها وما قاله جيفونس، أننا كنا نتحدث عن ماضي زاهي أمام واقع بئيس، وجيوفونس يتحدث عن واقع ممتلئ أمام ماض بئيس، النقلة فقط في مواقع العبارات!

الذي مكن بريطانيا من الإفلات من فك تمساح مالتوس ثلاثة قوارب للنجاة: الهجرة الكثيفة، والثورة الزراعية، والتحول الصناعي؛ عندما تحولت بريطانيا إلى مصنعٍ للعالم، بتفاعل ديناميكي بين العلم والصناعة، وخسر مالتوس الرهان التاريخي.

 

التنبؤ بسلوك الإنسان وحركة التاريخ

الذي يستنتج من كل هذه المراهنات التاريخية أن كل التفسيرات والتنبؤات لسلوك الإنسان وحركة التاريخ تقصر وتتكسر عند قدمي الإنسان، ولا يعني هذا أنه لا توجد ميول عامة، أو توجهات مشتركة، أو رؤى يمكن من خلالها الوصول إلى بصيص من وعي تاريخي، ولكن محاولة الادعاء بالإمساك بالحقيقة الحقيقية النهائية، والتفسير النهائي للتاريخ ونهاية التاريخ، كلها تشكل أفخاخاً ومطبات وتوقفاً للجهد الإنساني، في فهم الجدلية العميقة لحركة التاريخ، ومنها النظرة للمستقبل التي نعالجها الآن. ومنها الخرافة التي تطلقها مواقع إعلامية هنا وهناك. ومنها الذي أطلقته مجلة «دير شبيغل» الألمانية يومها وهي تختتم عام 2009م، أن العالم سيتابع النزاع الأبدي بين محمد والمسيح..

ألا إنهم من إفكهم ليقولون…

 

 

 

 

 

مراجع وهوامش:

(1) تم إعلان الاستقلال بتاريخ 4 يوليوز 1776 م، وهو ما جعل وكالة ناسا تحرص على إنزال الفايكنج سابقاً والباثفايندر لاحقاً على سطح المريخ في ذكرى الاستقلال الأمريكية؛ فأما الأولى فنزلت في يوم 20 يوليوز عام 1976 م متأخرة 16 يوماً في الذكرى المئوية الثانية، وأما الثانية فنزلت على الموعد تماماً يوم الجمعة الموافق 4 يوليوز من عام 1997 م، في الذكرى 221 السنوية، شهادة غير قليلة عن المستوى الذي وصلت إليه هذه الولايات البسيطة في العالم الجديد، راجع كرونيك الجنس البشري باللغة الألمانية CHRONIC DER MENSCHHEIT PAGE 588

(2) لا غرابة أن اعتبر صاحب كتاب (الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله (ص)) أن مالتوس من جملة الأدمغة المائة الأهم أثراً في تاريخ الجنس البشري، راجع الكتاب تأليف مايكل هارت ـ ترجمة أنيس منصورـ الناشر المكتب المصري الحديث، ص 305.

(3) كان يلقب السلطان العثماني بايزيد بالصاعقة، يراجع كتاب (سبع معارك فاصلة في العصور الوسطى) الألف كتاب الثاني رقم 41 ـ تأليف جوزيف داهموس ـ ص 169.

(4) عن كتاب (الاستعداد للقرن الواحد والعشرين) ـ تأليف باول كندي ـ ترجمة محمد عبد القادر ـ نشر دار الشروق ـ ص 20.

(5) المصدر السابق نفسه، ص 22.

(6) المصدر السابق نفسه، ص 23.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق