CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

عمران

عمران

عندما جلس عمران مصدوما مشدوها مذهولا، بداخل سيارة إسعاف.. لم يكن في جلسة تصوير لفيلم رعب؛ بل كان خارجا لتوه من تحت الأنقاض. كتب له عمر جديد، كأن من سمّاه بذلك الاسم قد صدق حدسه؛ فلديه «عمران»، كاسمه تماما.. قبلها بسنة واحدة، كان لطفل آخر اسمه «إيلان» عمر واحد، وفقده على شاطئ البحر في مشهد تراجيدي.
تتناقل وسائل الإعلام صور مثل هؤلاء الأطفال، كعينات من المعاناة من بلدان الحروب وتعرضهم للعالم موتى ومجروحين ولاجئين، مؤكدة أن العالم حزين، فهل حقا للعالم شعور يجعله حزينا؟
إذا كان العالم، حقا، يحس بالحزن؛ فغالبا لديه إحساسات أخرى، من قبيل: الجبن، التخاذل، الفشل، والأنانية وعدم الأهمية، وإلا لما سمح بحصول مثل هذه المآسي على أرضه.
هل هؤلاء الأطفال الذين يموتون يوميا بسوريا واليمن والعراق وبلدان أخرى، لا يستحقون الحياة؟ بأي ذنب يقتلون، دون أن يتسنى لهم أو لأهاليكم معرفة قاتلهم الحقيقي؟ هل هي أنظمة بلدانهم أو معارضيها أو الدول المتدخلة أو الدول التي لم تتدخل؟ أو هو العالم الحزين؟
كلما فتحنا قنواتنا وحواسبنا وهواتفنا وجرائدنا، نصطدم بصورة كصورة «عمران». تعود بنا الذاكرة إلى صور أخرى كثيرة وأكثر بشاعة، ترافقها عبارات تنديد وأسف، ومقالات تحلل الأوضاع والسياسات، الاستراتيجيات والأهداف والنزاعات والأطماع والأديان وأشياء نفهمها وأخرى يحاولون جعلنا نفهمها كما يريدون.. و«عمران»؟.. و«إيلان»؟ أين هما في كل ما يحصل؟ لماذا رحلا دون أن يعرفا السبب، ودون أن نعرف بدورنا السبب؟ هل يرحلان لنحزن؟ كم هو قاس هذا الحزن.. وتستمر المنظمات الدولية في تسجيل الأرقام الصادمة، أطفال يعانون الجوع والمرض البدني والنفسي، الحرمان من التعليم ومن السكن ومن الأهل ومن الحصار ومن النزوح ومن أبسط ما قد تتطلبه طفولتهم، ويستمر الوضع ويسوء، ويعجز العالم عن القيام بشيء، كل القوى شرسة كانت أو ناعمة لا تغير شيئا، والتاريخ يكدس الوقائع ليدرسها الأطفال الذين كتبت لهم النجاة وعاشوا في المناطق البعيدة عن النزاعات.. ربما لا داعي لأن يحزن العالم لحزن «عمران».. فـ«عمران» لا يُحزِن العالم؛ بل العالم من أحزن «عمران».. العالم من جعل «عمران» وغيره يحزنون.. ويغادرون دنيا الحزن إلى غير رجعة.. فلتحزن طويلا أيها العالم، فما زلنا قادمين إليك بالحزن علك تشعر معه بقليل من الخزي والعار..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة