GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

عمى الأبصار وعمى القلوب

عمى الأبصار وعمى القلوب

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. روى لي محمد الحلبي قصة والده وكيف تعرض للعمى وهو المبصر، فقلت إنها قصة للرواية، تحكي ما هو أعظم من الحدث الفردي، من مرض اجتماعي يصلح للتطبيق على كبريات مسائل السياسة وعلم النفس والاجتماع.
اعتدل محمد في مجلسه وقال: كانت قريبتي تشكو من عينها فأخذها والدي إلى طبيب عينية في حلب قد سبقت سمعته فنه، وما نعرفه عن دجاجلة الطب أنهم أكثر من فقراء حوران وإيران؛ فإذا كان وزير الداخلية الإيراني قد حجروا عليه لتزوير شهادته؟ فماذا تتوقع لجحا في حلب؟
فحص الطبيب الهمام السيدة وقال موضوعك بسيط، ثم التفت إلى والدي فقال يبدو إن عندك مشكلة في عينيك أيضاً؟ رد والدي: لا.. لا.. أنا فقط مرافق.
قال لا تعرف؟ فلعلك مصاب بعلة فأنت غافل عنها؟؟ ولذا من الحكمة أن تكشف عن عينيك، مخافة أن تتأخر في مرض عضال، يدب في مفاصلك الآن ويعشي عينيك لاحقا؛ وأنت عنه من الغافلين. تابع الطبيب الدجال قوله: عليك أن تعرف أن مظاهر الشيخوخة تدخل أحدنا في زيارة غير مرحب لها ولكن لها ثلاث علامات لا تخيب من طقطقة المفاصل واهتراء الذاكرة وعشى البصر.
دمدم الرجل فعلا فعلا قد يكون من الحكمة فحص عيني من الآن.
يا صديقي نحن النطاسيين من الأطباء لا نعالج المصائب بعد وقوعها، كما فعل بوش وكوندوليسا رايس في كارثة العراق، بل قبل وقوعها مثل السحرة والجان.
تعال.. تعال فالموضوع لن يكلفك أكثر من قعدة كرسي، وفحص دقائق؛ لقعر العين والشبكية، والقرنية والجسم الزجاجي، والعدسة والقزحية وضغط العين وكشف المادة البيضاء من السوداء؟
تابع صديقي الحلبي قصة والده وأنا منصت بذهول. والدي الذي لا يشكو من شيء في بصره، قال في نفسه لربما أشياء كثيرة موجودة في عيني ولا أعرف؟ فيالها من ماكينة معقدة يشرحها لي خبير كوني متمكن هو كعبة الحكماء !!
تابع محمد: تردد والدي ولكن قال فليفحص فإن لم يضر فقد ينفع؟؟
وهكذا فقد سلم نفسه والد محمد الحلبي، وهو الذي لا يشكو من شيء في بصره، وراحت ذكريات حلب الشهباء تتدفق عليه وهو مسترخ على كرسي الفحص من القلعة وقسطل حرامي والهلُّك والجميلية والراموسة وخان عسل وقنسرين ـ حيث تقصف بصواريخ بوتين والعجي الشامي.
فحصه الطبيب الشفار (الدكتور) برخصة وعيادة، وهو مع كل فحص ونظرة يتنهد ويتحسر، وقلب أبو محمد يغيض ويغوص.. ما الخبر يا دكتور؟؟ هل من مشكلة لا سمح الله؟ أجاب طبيب العينية: حظك وافر وقد كتب لك الرب قبل أن تصاب بالعمى ان تراجعني لخطة إنقاذ تشبه خطة إنقاذ بوش وأوباما اقتصاد أمريكا من الكساد.
تابع محمد الحلبي بحسرة: ثم قال لوالدي سوف أقطر في عينيك قطرة تجعل بصرك حديد، ولكن هذا الدواء لا تجده إلا في الصيدلية الموجودة في زاوية الحارة، وإياك أن تشتري غيره.
وشبكة اللصوص بين الأطباء والمخابر والصيدليات نشيطة شغالة، بحصص وغنائم، من مريض مستباح من الجهات الست قصة معروفة في بلاد الشام المنكوبة بالاستبداد البعثي والفساد الطائفي.
أحضر والد محمد الحلبي القطرة والدواء وبدأ كل يوم في الحضور، بعد أن سلم نفسه للطبيب، والطبيب يقطر في عينيه ويهمهم: لقد نجوت من العمى في الوقت المناسب.
يقول محمد الحلبي وبعد ثلاث أسابيع كان والدي مصابا بالعمى فعلاً؟ فبدأ يصرخ لم أعد (أطس) باللهجة الحلبية أي لم أعد أرى، والطبيب المجرم يقول ألم أقل لك كنت على وشك الإصابة بالعمى؟ فهذا ما كنت أقوله لك وقد حصل؟ ولكن دوائي يأخذ وقتا لانتشالك من الورطة؟؟
اتصل أبو محمد بابنه في الرياض واستنجد؛ فقاموا بإحالته إلى طبيب ماهر في أمراض الشبكية، فلما درس حالته قال له ماذا كان يضع في عينيك هذا الدعي المجرم؟ قال خليط من مادة خضراء صفراء لا تسر الناظرين؟ وحين فحص الطبيب الشبكية قال لقد احترقت بالكامل، وسوف أبذل جهدي في عينك اليسرى التي هي أخف الإصابتين واحتمال استردادك للبصر 20 في المئة.
يقول محمد: لقد أجرى له العملية في عين واحدة، وبعد العملية جعله يستلقي على وجهه عدة أيام. بعدها بدأ بالإبصار الشبحي فيرى خيالات في الظلام، استبشر طبيبه بالتحسن، وفعلا استرد قسما من بصره حوالي 30 في المئة؟ وحين طلب أبو محمد نفس العملية على اليمنى لم تنفع كثيرا، فهو اليوم في حلب يسوق سيارته بغاية الحذر في مشوار يوصله إلى مدخل البلد فقط، ويقوم في المطبخ فيمشي بحذر بالغ بدون أن يقع بين الكراسي.
تابع محمد وقال وهذه القصة ليست الوحيدة في تاريخي الطبي فقد أحسست ببقعة جلدية في بطني؛ فلما عرضتها على الطبيب قال أنت ميت لا محالة. وانتزعوها وهم يتوقعون موتي في ستة أشهر، وها أنذا حي يرزق بعد ست سنوات؟ وكان أهلي من حولي يبكون علي، وحين عرفت زوجتي كاد أن يغمى عليها.
سألته على من الحق يا ترى؟؟ قال لست متأكدا. قلت له أما أنا فمتأكد؟ فحين حطم الرفاق البعثيين العبثيين أسناني في اعتقالي الأخير هربت إلى بلاد الجرمان، فوضعوا لي أسنانا جديدة، وحين رآني زميلي طبيب الأسنان في دمشق، قال أقترح عليك تبديلها فقد انكمشت اللثة تحتها، قلت له إن الطبيب الألماني الذي زرعها توقع لها عشر سنوات من العمر، وأنا مرتاح فيها منذ 28 سنة.
وفلسفتي أنه في بلاد مثل بلادنا أن لا يسلم الإنسان نفسه لطبيب وعملية إلا حين السقوط الأخير. تابعت أنا: وحين تسقط هذه الأسنان فسوف تراني.
أما أبوك يا صديقي محمد فقد ذهب بظلفه إلى حتفه، فسلّم أقدس ما منحه الله إلى طبيب يجهله، ببصره المتأكد منه، وبذلك فالحماقة ليس لها دواء، وقد شرب كأسها دهاقا، فنال الجزاء وفاقا.
وأنا قد دربت نفسي على قاعدة مؤلمة في حياتي تقول؛ إذا وقعت الواقعة فلا تلومن أحد؛ بل توجه باللوم إلى نفسك، فالحفر في هذا الحقل يخرج الماء الزلال يروي ظمأ العاطشين، والآخر سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة