CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

عندما أصبحت المقاطعات تحمل اسم «البلدية الإسلامية»

عندما أصبحت المقاطعات تحمل اسم «البلدية الإسلامية»

إعداد : حسن البصري
أصيبت الجزائر في النصف الثاني من عشرية الثمانينات بحالة «ترهل سياسي معيب»، كان من أهم أسبابه، حسب محيي الدين عميمور، التصفيات التي عرفتها البلاد في منتصف الثمانينات، وكان من معالمها التخلص من بوتفليقة ومحمد الصالح يحياوي وعبد السلام بلعيد، وغيرهم ممن كانوا يشكلون رئة سياسية لحزب جبهة التحرير الوطني. وزاد من خطورة الوضع الاقتصادي الصعب الذي نتج عن انهيار أسعار النفط، وما أدى إليه ذلك من توترات اجتماعية، فظهرت في المشهد السياسي جماعات تشتغل في مجال الإسلام السياسي، وجدت في فئة واسعة من الشعب متنفسا للتعبير عن الغضب من سوء الأحوال العامة.
«ارتأى الرئيس السابق الشاذلي بن جديد أن المنطق يقتضي بأن يمكن الجميع من العمل في الهواء الطلق، لتفادي تحول أفراد أو جماعات للعمل تحت الأرض، بكل ما يحمله ذلك من أخطار» على حد تعبير محيي الدين، وأعطيت الفرصة للتيار الإسلامي لكي يعبر عن توجهاته علنا وفي إطار ديموقراطي، وشهدت المرحلة الأولى انتصارا كبيرا للجبهة الإسلامية للإنقاذ، أقوى التجمعات الإسلامية آنذاك، «والتي اختارت لنفسها اسما فيه الكثير من التعالي على الجميع، وإلى درجة نفي كل ما أنجزته البلاد منذ استرجاعها للاستقلال بقيادة جبهة التحرير»، خاصة بعد أن حصد إسلاميو «الإنقاذ» أغلبية المقاعد في الانتخابات البلدية عام 1990.
غير أن هذا الانتصار شابته تصرفات كانت لها آثار سلبية، لأن جبهة الإنقاذ كانت أنانية إلى حد كبير في التعامل مع الآخر، حيث تصرفت بأسلوب: «ما أريكم إلا ما أرى».
«من أسوأ التصرفات التي عرفتها تلك الفترة هو ما قامت به البلديات التي انتصرت فيها الجبهة، حيث أنزلت اللافتات التي تحمل اسم البلدية، ورفعت مكانها لافتة تحمل عبارة بلدية كذا الإسلامية، مما أثار ردود فعل غاضبة عبر التراب الوطني وفي أوساط غالبية المواطنين».
أسفرت الانتخابات التشريعية لسنة 1991 عن امتناع نحو 40 في المائة من الناخبين وإصرارهم على عدم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، إلى جانب خسارة جبهة الإنقاذ لنحو مليون صوت من بين المشاركين.
ولكن الخطورة حسب عميمور تكمن في التقرير الاستباقي الذي قدمه مستشارو الرئيس، فاقتنع الشاذلي بما صوره له مستشاروه من أن نتائج الانتخابات التشريعية ستكون كالتالي: 40 في المائة من الأصوات لجبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم الذي يقوده رئيس الجمهورية) ثم 30 في المائة لما يسمى الأحزاب «الديموقراطية» (المساندة لنظام الحكم) وأخيرا 30 في المائة لمجموع التيارات الإسلامية، و«هو ما يعني بكل بساطة أن الأوضاع سوف تكون تحت السيطرة الكاملة».
صدقت الرئاسة هذا التصور القبلي، وتم اعتماد قانون انتخابي على أساس نظام الأغلبية المستمد من النظام الفرنسي، و«هو نظام يمكن الفائز الأول، مهما كانت تفاهة فوزه، من أن يسحق من يليه في ترتيب عدد الأصوات، وصادق المجلس الشعبي برئاسة عبد العزيز بلخادم على هذا القانون، بضغط من الرجل القوي في النظام آنذاك، العربي بلخير».
وكان هذا بداية الطريق نحو الانزلاق الذي عرفته البلاد، وهو ما يختلف تماما عما عرفته مصر في 2012، فقد حصلت جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر على نحو ثلاثة ملايين صوت، بينما حصلت جبهة التحرير الوطني على نصف عدد الأصوات تقريبا، لكن نظام الانتخاب أعطى الإنقاذ 188 مقعدا في المجلس الوطني بينما لم تحصل جبهة التحرير إلا على نحو 18 مقعدا، أي عشر عدد المقاعد.
«عرفت الجزائر حجما من الحماقات التي ارتكبتها قيادة الإنقاذ وتجاوزت كل حدود المنطق والمعقول، وهكذا أطلقت على الرجل الذي فتح أمامها باب المشاركة الواسعة في الحياة السياسية، أي الرئيس الشاذلي، لقب «مسمار جحا»، واتسمت تصريحات رئيس الجبهة الإسلامية بتجاوزات وصلت إلى حد الوقاحة، وراحت جماهيره تهتف: لا عمل ولا تدريس حتى يتنحى الرئيس»، يضيف عميمور.
عرفت الجزائر مظاهرات كان «مناضلو الإنقاذ» يسيرون فيها بالخطوة السريعة التي تميز خطوات المحاربين الذين ارتدى كثير منهم الزي الأفغاني، وكانت صرخاتهم تدوي بشكل أثار قلقا شعبيا، بينما ركز خصوم التيار الإسلامي من الديموقراطيين المزيفين على المظهر، إعلاميا، لتحويله إلى حالة من الذعر المبالغ فيه.
يقارن محيي الدين بين المشهد الإخواني في مصر وفترة جبهة الإنقاذ الجزائرية، فيقول: «لم يكن هذا وحده هو عنصر الاختلاف مع ما عرفته مصر، فقد حدث أخطر منه عندما رفعت جبهة الإنقاذ الشعار القائل: «لا ميثاق ولا دستور.. قال الله وقال الرسول»، كان هذا تحذيرا واضحا بوضعية انقلابية ستعرفها البلاد إذا تسلمت الإنقاذ السلطة العليا في الدولة».
وهكذا حصل ما سمي «الانقلاب المضاد»، وألغي الدور الثاني من الانتخابات، وما تلى ذلك من مشهد مأساوي أدخل الجزائر في نفق خطير لم تخرج منه إلا بشق الأنفس.
شبه عميمور الوضع بما يحدث في سوريا وقال: «من هنا ندرك لماذا لم يكن من منطق الأمور أن تعرف الجزائر في هذه العشرية المضطربة وضعية تشبه ما حدث في سوريا، حيث اندفع النظام هناك كثور إسباني هائج، يفعل بشعبه ما لم يجرؤ على فعل أقل منه بكثير مع عدو يدعي أنه يواجهه ويقاومه»، لكنه لا يجد أوجه المقارنة مع الوضع في ليبيا أو تونس أو حتى مصر.
«صحيح أن النظام الجزائري راح يحاول تهدئة الأوضاع بكرم حاتمي اعتبره البعض نوعا من الرشوة المقنعة، التي بعثرت فيها عائدات النفط، إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تشبيه هذا النظام بنظام العقيد القذافي أو نظام بن علي أو نظام مبارك، ولا تستطيع التيارات الإسلامية اليوم في الجزائر الادعاء بأنها تمثل إرادة شعبية ساحقة، ناهيك عن القول بأنها قادرة على انتزاع أغلبية مؤثرة في أي انتخابات قادمة، وهو أيضا ما يختلف عن الأوضاع في مصر، حيث يعترف واحد من أهم رموز الانقلاب بأن أي انتخابات تجرى اليوم ستحقق انتصار الإخوان المسلمين، برغم أن كل القيادات توجد في السجون».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة