GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

عندما أقسم المعلم على أن يصير وزيرا

عندما أقسم المعلم على أن يصير  وزيرا

إعداد: حسن البصري
اقتحم مصطلح «التقنوقراط» المشهد السياسي، وأصبح خريجو المدارس العليا الطرق والقناطر في فرنسا يعبرون جسرا يفضي إلى كرسي الاستوزار، دون الحاجة أحيانا للتوقف في باحة استراحة حزب سياسي.
في سابق العهد والأوان كان «المعلموقراط» حاضرين بقوة ضمن الطبقة السياسية، فهم مربو الأجيال وصانعو النخب، لذا كان من السهل استقطابهم من طرف الأحزاب السياسية، ومع مرور الوقت يتحولون إلى قيادات سياسية تحيلهم على مناصب حكومية.
ولأن المعلم يملك آليات الخطابة، وله تجربة في تربية وتعليم النشء، فإن الانتقال من القسم إلى الصف الحكومي، غالبا ما يتم عبر جسر سياسي اسمه الحزب، كما حصل لمحمد الفاسي بوزارة التعليم التي كانت تسمى وزارة المعارف والتهذيب وعبد الله إبراهيم الوزير الأول الذي ظل قيد حياته يفتخر بانتمائه إلى هيأة التدريس، ومحمد المكي الناصري المعلم والفقيه والشيخ والوزير، وعبد العزيز لمسيوي الذي عين في قرية نائية في الجنوب المغربي بدون راتب فاعتصم بمقر الوزارة، قبل أن تمر الأيام ويصبح كاتب دولة مكلفا بشؤون اتحاد المغرب العربي.
ولأن الحزب يغني عن مدارس القناطر أو يدعمها، فإن بعض أعضاء حكومة عبد الإله بنكيران خاضوا تجربة التدريس، لكن لا أثر لها في سيرهم الذاتية التي عرضت على القصر قبل الاستوزار. بل منهم من تنكر للمعلم حين أصبح وزيرا.

هكذا بدأ وزراء حياتهم المهنية في أقسام مهملة وأنهوها في دواوين وزارية مكيفة 

محمد المكي الناصري.. معلم الشريعة الذي أصبح وزيرا للأوقاف
لم ينتظر وطنيو تطوان من المستعمر الإسباني فتح مدارس في وجوه أبنائهم، بل بادروا منذ العشرينيات إلى تأسيس مدارس حرة، اعتمادا على مبادرات من أبناء المدينة العائدين من الشرق العربي بعد أن نهلوا العلم من مصر وسوريا.
تجمع الروايات التاريخية على أن المدرسة الأهلية، هي المدرسة الحرة الأولى للتعليم العصري بتطوان، وقد تأسست سنة 1925 «بحماس جماعة من شباب تطوان على رأسهم محمد دواد المؤسس الحقيقي لها وقام بإدارتها وتسييرها مجانا وبمساعدة بعض الأعيان ومنهم عبد السلام بنونة».
لكن المدرس الأبرز في هذه المدرسة كان هو محمد المكي الناصري، العائد للتو من القاهرة، حيث تشبع من معين جامعة الأزهر، وتتلمذ على يد كبار الأدباء والمفكرين، كطه حسين وعاش في أجواء المعارك الفكرية الأدبية.
كان الرجل يتأبط شهادة الأزهر، ويتبع بيداغوجيا كبار عباقرة الفكر في مصر، ولم يتوقف عند عتبة التدريس في مدرسة ابتدائية، بل أصبح مع مرور الوقت أستاذا في كبريات الجامعات المغربية، مثل دار الحديث الحسنية وكلية الشريعة في فاس وجامعة محمد الخامس بالرباط.
خلال فترة تدريسه بتطوان، كان للمدرسة الأهلية فروع مستقلة في جل مدن المنطقة كالعرائش والقصر الكبير وشفشاون، لذا خصص حصصا لتلاميذها حيث كان يقطع المسافات من تطوان إلى ضواحيها من أجل رسالة معلم يتقاضى راتبا لا يكفيه في تنقلاته للمدارس الفرعية قبل أن يصبح مفتشا بنفس المؤسسة ومشرفا إداريا عليها. ويذكر كثير من شباب تطوان الفضل الكبير للمكي الناصري على تنشئتهم، ومنهم من رافقوا مساره التعليمي إلى حدود دار الحديث الحسنية.
بموازاة مع مهامه كمرب للأجيال، اشتغل الناصري طويلا في العمل الجمعوي، وكتلة العمل الوطني على الخصوص، التي كانت أول هيأة وطنية سياسية تأسست بالمغرب عام 1925، كما كان مندوبا وممثلا لجمعية الطلبة المسلمين في شمال إفريقية بالمغرب عام 1934، فضلا عن رئاسته لعدة بعثات طلابية إلى الشرق الأوسط حيث كان عضوا مؤسسا وعاملا في لجنة تحرير المغرب العربي التي أنشأها محمد عبد الكريم الخطابي في القاهرة، وهي مهام جعلته ينفصل عن الفصل الدراسي للتفرغ للعمل السياسي.
في سنة 1939 بادر «الشيخ» محمد المكي الناصري وأسس بصفة حرة وتحت إدارته «معهد مولاي المهدي»، وكان من جملة أساتذته، أساتذة مصريون مستقدمون لهذه الغاية بجانب الأساتذة المغاربة والإسبان.
تقلد المكي الناصري مناصب سامية في الحكومة، حيث سيعين وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافية في نونبر 1972 في حكومة أحمد عصمان، التي تلت المحاولة الانقلابية التي استهدفت الملك الحسن الثاني، وجاء تعيينه خلفا لأحمد بركاش في الأوقاف، والدكتور الحبيب الفهري في الثقافة، التي كانت تضم كذلك قطاع التعليم الأصيل والثانوي والعالي، قبل أن يخلفه الداي ولد سيدي أبابا في الشؤون الإسلامية والحاج محمد باحنيني في الشؤون الثقافية في أبريل 1974.

عبد الله ابراهيم.. المعلم الذي أصبح وزيرا أول
أغلب المراكشيين لا يصدقون أن عبد الله إبراهيم المفكر السياسي والوزير الأول في حكومة 1958-1960، ابن منطقة تامصلوحت الذي ولد في سنة 1918 في قبيلة الكيش بحوز مراكش الجنوبي وترعرع وسط عائلة بسيطة، هو نفس المربي الفاضل الذي تعلمت على يديه أجيال حين كان معلما، في الثلاثينات من القرن الماضي، بإحدى المدارس الحرة في مراكش.
كان الفتى المراكشي، ملما منذ طفولته بالقرآن الكريم وأصول الفقه، حيث قضى فترة في المسيد، قبل أن يلتحق بالمدرسة الابتدائية الحرة التي أنشأها الباشا الكلاوي سنة 1922، وفي الثلاثينات عين معلما بإحدى المدارس في مراكش.
قضى الرجل فترة من حياته كمدرس في حي الزاوية العباسية بالمدينة القديمة لمراكش، وكان على الرغم من صغر سنه، يعيش روتينه اليومي خلف صخب ساحة جامع لفنا، ووقاره المستمد من دفين المنطقة أبو العباس أحمد الخزرجي السبتي، أحد أشهر أولياء مراكش ومتصوفيها، ظل مزارا للمعوزين حيث «حارب ظاهرة الاستجداء والبغاء في المجتمع المراكشي وكان يقدم المساعدة للنساء في وضعية خصاص ويعلم المكفوفين القرآن بالسمع، لم يلفت الشاب نظر رجالات الكلاوي، لكن مع اندلاع انتفاضة سنة 1936 أصبح اسمه مسجلا في أذهان المستعمر وباشا المدينة.
بموازاة مع مهمته كمدرس ابتدائي، تابع عبد الله إبراهيم دراسته العليا، فأصبح من علماء معهد ابن يوسف بمراكش، حيث نال الشهادة العالمية سنة 1945 تحت إشراف الشيخ محمد بلعربي العلوي، ثم التحق بفرنسا وتخرج في جامعة السوربون، ومعهد الدراسات الشرقية بباريس، ولمع نجمه في الصحافة المشرقية والمغربية، وكان أحد صناع الكتلة الوطنية وأحد مهندسي ميلادها، وتحول في ظرف قياسي، بعيدا عن الأضواء، لأبرز قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، المنشق عن حزب الاستقلال.
حين أسند إليه الملك الراحل محمد الخامس رئاسة الحكومة الوطنية في أواخر سنة 1958، وكان حينها ضمن تشكيلة حزب الاستقلال، قدما مشروعا إصلاحيا أساسه التعليم، فكان أول من نادى بإلزامية التعليم ودعا إلى تعميمه في القرى والمداشر.
وصفته عبارات التأبين التي ارتجلها مشيعوه حين التحق بمثواه الأخير سنة 2005، بـ«المعلم الوطني»، وقالوا إنه كان «معلما بالمعنى العميق للعبارة، تتلمذت على يده ثلاثة أجيال ثلاثة أجيال من المثقفين والمناضلين في مراكش، واعترفت له بالريادة والقيادة وسعة العلم والأفق، وبتواضع في المسلك لا يأتيه إلا الكبار. ولقد قلّ أو انعدم ما يجمع عليه المثقفون والسياسيون في المغرب».

عبد الرحمن اليوسفي.. صانع التناوب الذي كان معلما في «كوزيمار»
رغم أن أغلب الكتابات التي لامست حياة عبد الرحمن اليوسفي تركز على مساره كرجل قانون، وتقفز على فترة مهمة من حياته قضاها في تعليم النشء، خاصة بالدار البيضاء، إلا أن الرجل لا يلغي «هذا المرور التربوي» من حياته كسياسي ومناضل يساري، وأحد المؤسسين لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأحد صناع «التناوب».
صحيح أن عبد الرحمن اليوسفي ولد يوم 8 مارس 1924، في مدينة طنجة، إلا أن مدينة الدار البيضاء تعتبر مسقط قلبه ووجدانه، حيث قضى فيها فترة كبيرة من حياته، بل إنه يعتبر من بين مؤسسي فريق الاتحاد البيضاوي بمعقله «كريان سنطرال».
حين زرت الأستاذ اليوسفي في شقته بالدارالبيضاء، كانت في كلماته رنة حزن خاصة، حتى لا أجزم أنها طعم مرارة من المصير الذي يلقاه الفريق الذي كان مؤسسه الأول. وعلى مدى 3 ساعات كاملة، حكى الرجل تفاصيل التفاصيل، وكثيرا ما كان عيناه تتقدان وتغوصان في الأفق، حين كان يستحضر بعض الأسماء وبعض التفاصيل الخاصة وأيضا الكثير من الفطنة الوطنية التي كانت في تلك الفضاءات العمالية التي ولجها سنة 1945 وغادرها للدراسة بفرنسا سنة 1949، بأحياء كوزيمار والحي المحمدي.
يحكي اليوسفي سر التحاقه بالتعليم، وكيف تحول رغما عنه إلى مدرس، «كنت عمليا شبه مشرد، تجولت بين مدن أبي الجعد والجديدة وآسفي. وصلت إلى الدار البيضاء، وبقيت على نفس الحال، حتى اتصل بي ذات يوم الوطني بوشتى الجامعي، وبن جيلالي بناني، والحاج محمد الباعمراني (كان موزع أفلام) والفقيه الحمداوي وبناصر حركات، فدبروا لي مسكنا عند المقاوم حميدو الوطني بدرب مارتيني بدرب ليهودي. كانت العائلة تسكن في السطح ووسط الدار الذي كنت أنزل به مخصص للاجتماعات الحزبية، وكان جار حميدو الوطني، المربي ورجل التعليم بوزيان، الذي ربطت به علاقة قوية. مثلما كلفت بالذهاب إلى معمل السكر كوزيمار بالحي الصناعي لتأطير العمال من خلال محاربة الأمية. اقترح العمال الأمر على مدير المصنع، فقبل، فابتدأت العمل في أواخر يوليوز 1944. وشكلنا أول خلية هناك وتفرعت عنها في ما بعد خلايا متعددة. المهم كنت أدرس أولئك العمال وكذا أبنائهم، بعد أن طلبوا مني ذلك، اللغة الفرنسية والحساب. وقبل نهاية السنة اجتزت الباكالوريا الحرة في الدورة الأولى، أما الدورة الثانية فقد اجتزتها بليسي ليوطي الذي تمكنت من التسجيل فيه ونجحت، فعينت للتدريس بمدرسة حرة وطنية لا تزال قائمة إلى اليوم قرب جامع ولد الحمرا قبالة ميناء الدار البيضاء ومقر الإقامة العامة الفرنسية، المدرسة هي اليوم مدرسة فاطمة الفهرية. والبناية هي مقر نقابة الإتحاد المغربي للشغل.
وكشف عبد الرحمن للباحث في تاريخ المقاومة، لحسن العسيبي، سر التحاقه مدرسا بمدرسة الاتحاد بدرب مولاي الشريف، فقال: «في موسم 1945 / 1946، أسسنا مدرسة الاتحاد بسبب أنه لم تكن في كل الحي الصناعي ولا مدرسة واحدة للأطفال وبحثنا لها عن المعلمين، وكانت البداية التعاون مع فريق معلمي مدرسة درب غلف».
كان اليوسفي يدرس مستويات وأعمار مختلفة، في المدرسة التابعة للمعمل وبعدها في مدرسة الاتحاد، قبل أن تطرده السلطات الاستعمارية من المصنع ومن القسم بعد أن شعرت بحجم الخطر القادم من الفصل الدراسي.

عبد الرحيم بوعبيد.. معلم ووزير رغم أنف والده
ولد عبد الرحيم بوعبيد بسلا، يوم 23 مارس 1922 بعد تسعة أشهر من معركة أنوال الشهيرة أي أثناء حرب الريف، لكن هناك اختلاف بين المؤرخين حول التاريخ الحقيقي لميلاد عبد الرحيم بوعبيد، إذ تقول الروايات التاريخية أنه اضطر لإضافة سنتين إلى سنه الحقيقي كي يتمكن من الاشتغال في العطلة الصيفية، وحسب رواية الاتحادي عبد اللطيف جبرو فإن «الوثائق الخاصة بعبد الرحيم بوعبيد تؤكد أنه ولد يوم 23 مارس 1920، ومع ذلك فالحقيقة أن سنة ميلاده كانت عام 1922، ويعود سبب إضافة عامين إلى سنه، كون الفقيد عبد الرحيم كان يرغب سنة 1936، أن يشتغل خلال العطلة الصيفية بمصلحة الترتيب، أي ما يعرف بالضريبة القروية في عهد الاستعمار، على غرار أبناء مدينة سلا والرباط، وكانت لا تقبل العمل بها إلا من لا تقل أعمارهم عن سن السادسة عشرة، وكان العمل بضريبة الترتيب يتم في البيت إذ يأخذ الشباب معهم الوثائق ويقومون بما يطلب منهم، ليعودوا بها إلى مصلحة الترتيب، لا يعقل أن يتسلم وثائق إدارية شباب دون السادسة عشرة» وهنا يتبين أن عبد الرحيم بوعبيد احتفظ بالوثيقة التي تضيف عامين إلى سنه الأصلي، كما حصل للعديد من أبناء سلا والرباط، الذين اشتغلوا بمصلحة الترتيب واحتفظوا بتاريخ الميلاد الذي صرحوا به لإدارة الترتيب».
في سنة 1928، التحق عبد الرحيم بوعبيد بسلك التعليم الابتدائي بمسقط رأسه سلا، التي كانت تضم أبناء الأعيان، رغم أن والده كان نجارا تقليديا، استطاع الفتى مقارعة «الأكابر» وحصل سنة 1934، على شهادة الدروس الابتدائية بدرجة ممتاز ليلتحق بعد ذلك بثانوية مولاي يوسف، كطالب داخلي لمدة خمس سنوات.
كان حلم والده النجار البسيط، أن يحصل عبد الرحيم على منصب ساعي البريد، ولكن مدير المؤسسة أقنع «موسى بوعبيد»، بأن ولده يجب أن يتقدم في الدراسة إلى أعلى مستويات خاصة بعد نجاحه في مباراة الولوج إلى مدرسة المعلمين، بـ«كوليج» مولاي يوسف. وهنا يظهر أن الأقدار شاءت أن يتمم عبد الرحيم بوعبيد مساره الدراسي رغم كل العراقيل، وأن يصبح من بين القادة الوطنيين في السياسة المغربية.
حصل عبد الرحيم بوعبيد، في نفس سنة 1938 على شهادة البروفي، وشهادة الدروس الإسلامية، بقي عبد الرحيم في كوليج مولاي يوسف، وسيتخرج عند نهاية السنة الدراسية 1938-1939، من القسم الخاص بالمعلمين.
يقول عبد اللطيف جبرو: «بعد خمس سنوات من الدراسة تخرج عبد الرحيم من كوليج مولاي يوسف كمعلم، وكان ناظر المدرسة آنذاك هو «لوسيان باي» الذي سيجده عبد الرحيم بوعبيد أمامه سنة 1956، وجها لوجه ضمن المسؤولين في الحكومة الفرنسية الذين تفاوضوا مع المغرب بشأن الاتفاقية الثقافية بين المغرب وفرنسا وفي سنة 1940، نجح عبد الرحيم في امتحان التخرج من مدرسة المعلمين بكوليج مولاي يوسف، وحصل على أول وظيفة في التعليم لمدة سنتين، وانتقل من فاس إلى سلا مسقط رأسه في أكتوبر 1942. لقد دخل عبد الرحيم مهنة التعليم وعمره لا يتجاوز 18 سنة، وهذا يدل على تفوقه الدراسي كما أنه سيصبح رجل المرحلة فيما بعد من خلال أدوار متعددة في سن مبكرة بالمغرب».
وحسب عبد اللطيف جبرو فإن عبد الرحيم بوعبيد أصبح معلما بمدرسة اللمطيين بفاس، خلال السنة الدراسية 1939-1940، ويحضر في نفس الوقت شهادة الكفاءة المهنية للتدريس، وأيضا شهادة البكالوريا (فرع الفلسفة)، قبل أن ينفصل عن الدرس والتحصيل ويتفرغ للسياسة.

أحمد التوفيق.. من الوزرة البيضاء إلى الجلباب الأبيض
كان حلم والد أحمد التوفيق، أن يصبح ابنه يوما مدرسا، وهو الذي قضى طفولته راكضا بين الروابي والجبال حين قرر أن يطلب العلم في قرية بالأطلس الكبير الغربي تقع على 58 كلم إلى الجنوب من مراكش، قرب قرية تينمل مهد الموحدين.
لم يكن المدشر يتوفر على مدرسة فاضطر للالتحاق بفرعية في قرية ويركان البعيدة بخمسة كلم سنة 1949، وانتقل لمتابعة تعليمه بمراكش في دجنبر 1955، يستحضر أحمد هذا التحول الجوهري في حياته، «غيرت المدرسة بالدخول إلى مدرسة حرة لأنني كنت أعلم أن المستقبل للغة العربية، وهذا ما كان يتردد، لكنني تعبت بهذا التغيير كثيرا». يقول وزير الأوقاف في حوار مع «العلم».
حصل أحمد على الشهادة الإعدادية عام 1961، ودخل على الفور مدرسة المعلمين واشتغل مدرسا في التعليم الابتدائي لمدة عامين حصل فيها على الكفاءة المهنية. في هذا التعليم، ثم حصل على البكالوريا عام 1964، وانتقلت إلى الرباط حيث تعاقد مع المدرسة العليا للأساتذة، ودرست أربع سنوات في كلية الآداب، شعبة التاريخ والجغرافية، وحصل على الإجازة ودبلوم المدرسة العليا للأساتذة سنة 1968، «درست في التعليم الثانوي مدة عامين أيضا حصلت فيها على الكفاءة المهنية في هذا التعليم، وحضرت في الكلية شهادات تكميلية خولتني الدخول مساعدا في شعبة التاريخ ثم ناقشت رسالة دبلوم الدراسات العليا عام 1976، وارتقيت إلى أستاذ محاضر، وعملت نائبا للعميد بعد صدور الإصلاح الجامعي الأول».
في الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أكثر من حوار مع الوزير يعترف فيه بقضاء فترة من عمره الوظيفي في وزارة التربية والتعليم، بل إن الوزير لا يتردد في الإقرار بأهمية المدرسة العمومية في التصدي للتطرف الديني، بل إنه يعترف بالدور الهام الذي يلعبه المعلمون أسوة بالقيمين الدينيين.

عبد العزيز لمسيوي.. تأخرت رواتبه فتمرد على التعليم وأصبح عضوا في الحكومة
في ليلة تأبين عبد العزيز المسيوي، خلال شهر أبريل من سنة 2011، لوحظ وجود عدد من الرياضيين ورجال التعليم، ودار حديث عن توغل الرجل في مجالات التربية والتعليم والرياضة قبل أن يخوض غمار السياسة.
وحين ووري جثمان الفقيد الثرى بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، كانت كلمات التأبين تسلط الضوء على رجل متعدد الاختصاصات، بين ما هو رياضي ونقابي وسياسي وتربوي، كما تولى بعض المهام الوطنية، من بينها كاتب الدولة لدى وزير الخارجية مكلف بالعلاقات مع اتحاد المغرب العربي، وشغل لفترة طويلة مهمة مدير ديوان وزير الشباب والرياضة عبد اللطيف السملالي، ناهيك عن موقعه كنائب برلماني باسم الاتحاد الدستوري لمدة 18 سنة من 1984 إلى 2002، كما برز في مجال التشريع الرياضي بصفة خاصة، حيث أصدر مؤلفات سلط من خلالها الأضواء على القوانين المنظمة للمشهد الرياضي الوطني.
ولد عبد العزيز في مراكش سنة 1944، من أسرة ذات أصول أمازيغية وانتماء عربي، استطاع أن يقطع مراحل صعبة، ومر بمرحلة التعليم الابتدائي في مراكش، وعاش مع أبيه المتقاعد من سلك الشرطة، ولازم البيت إلى سنة 1960، حيث دخل المدرسة الإقليمية للمعلمين، ومنها تخرج ليصبح معلما في مجموعة مدارس «إيميني» بإقليم ورزازات.
«لم تمض سنتان حتى انتقلت إلى مدرسة المعلمين بورزازات، لأصبح حارسا عاما للداخلية بها ومعلما تطبيقيا في مدرستها الابتدائية ومسؤولا إقليميا عن الشؤون الاجتماعية»، يقول لمسيوي في حديث صحفي، قبل أن يتحدث عن معاناته مع الوظيفة العمومية، «طوال هذه الفترة بقيت بدون حوالة، وبدون تسوية وضعيتي، حيث مرت أربع سنوات دون أن أتوصل بأجري، وقد كان شخص اسمه الحدوشي وزيرا للتعليم الابتدائي آنذاك. ذهبت إلى الوزارة أستفسر عن وضعيتي، فاستقبلني رئيس القسم وطلب مني أن أشرح حالتي، فأخرجت له الكفاءة في التعليم فاستغرب وقال لي: إنه من المفترض فيك أن تكون خارج الإدارة لأن اللجنة الطبية أثبتت عدم أهليتك لممارسة المهنة فكيف تشتغل؟ فقلت له إنني أعمل منذ أربع سنوات وها أنت ترى مراجعي. فاستغرب وقال لي: اذهب سننادي عليك لتسوية وضعيتك، فأصررت على عدم الخروج حتى أجد حلا، فنادى على أعوانه وحاولوا إخراجي بالقوة، وقد اعتصمت أمام مكتبه إلى ما بعد الغذاء، وفي الأخير سلمني مبلغا من المال قدره 200 درهم وقال لي: عد إلى بيتك في ورزازات وسنوافيك بقرارنا».

أرسلان الجديدي.. العروبي الذي عين معلما في سوس

لم يشغل مسؤول حكومي الرأي العام كما شغله محمد أرسلان الجديدي، سواء حين كان نقابيا أو برلمانيا أو أمينا عاما لحزب سياسي، أو وزيرا أو رئيسا للمجلس البلدي بالجديدة، لكن لا أحد يتحدث عن أرسلان المعلم، بل إن عددا من الناس ظلوا يعتقدون أن ابن الجديدة لا علاقة له بالتعليم، وينسجون حوله روايات تحتمل كثيرا من النقاش.
اسمه الحقيقي محمد الجديدي، ولقبه أرسلان، وهو مواليد سنة 1926 بمدينة الجديدة داخل أسرة تتحدر من قبيلة توجد في منطقة الغربية ضواحي الزمامرة، على الحدود بين دكالة وعبدة.
يقول عبد الله غيتومي أحد رفاق دربه إن أول وظيفة شغلها الراحل هي التدريس في إحدى المدارس الابتدائية في ضواحي أكادير، بعد أن تلقى في العاصمة الرباط تكوينا كمدرس، وكان معلما للغة الفرنسية، لكنه لم يستمر طويلا في التدريس، بعد أن كثرت احتجاجاته على الوزارة، ولمس فيه رؤساؤه نزعة نقابية مستترة سرعان ما تفجرت حين قرر أرسلان مغادرة وزارة التربية والتعليم، واجتياز مباراة «لولوج وظيفة بالمكتب الشريف للفوسفاط بخريبكة، وهناك وفي عنفوان الشباب يحتضن الشاب أرسلان من طرف الاتحاد المغربي للشغل النقابة التي كان يتزعمها المحجوب بن الصديق، ومع مرور الأيام اشتد عوده النقابي وراح يتزعم إضرابات صاخبة، أقلقت النظام يومذاك وهو الأمر الذي جعل الدولة تقرب منها هذا الشاب القادم من عمق بادية دكالة، وتدخله دواليبها ليغرد داخل السرب وليس خارجه، وهكذا سيعينه الراحل الحسن الثاني مندوبا ساميا للإنعاش الوطني، ثم فيما بعد وزيرا للشبيبة والرياضة في حكومة كان يقودها محمد كريم العمراني، ثم وزيرا للشغل والتكوين المهني».
على الرغم من كونه رجل تربية، إلا أنه ظل يوظف الدارجة المغربية في خطبه السياسية بالخصوص، فحين كان مرشحا للانتخابات البرلمانية في الجديدة سنة 1976، باسم حزب الأحرار ولونه الأبيض، ضد عبد الكريم الخطيب الذي كان يتزعم حزب الحركة الشعبية الدستورية باللون الأصفر، قال أرسلان في تجمعه قولته الشهيرة «حنا جينا نجلبو لبوصفير» في إشارة للون خصومه.
ظل أرسلان حريصا على زيارة المدرسة التي بدأ فيها مشواره الوظيفي، وحين كان وزيرا التمس من وزير التعليم ترميمها وصيانتها وفاء لهذا الفضاء. وحين أسندت للجديدي مهمة تسيير بلدية الجديدة مرتين من 1976 إلى 1983 ومن 1992 إلى 1997، بادر إلى بناء مدارس في المدينة وفي عهده تم بناء معهد التكنولوجيا والمدرسة الفندقية وجامعة شعيب الدكالي والمركز التربوي الجهوي لتكوين الأساتذة ومدرسة تكوين المعلمين.
يقول غيتومي: «ذات مرة حكى لي محمد أرسلان الجديدي قصة بناء جامعة شعيب الدكالي وقال إن وزير التعليم عزالدين العراقي، رفض فتح مركز لتكوين الأساتذة بالجديدة، وأنه أي أرسلان طلب من العلامة عبدالرحمن الدكالي إبلاغ المرحوم الحسن الثاني بالأمر، فما كان من الملك إلا أن قال لعبد الرحمن الدكالي: دكالة بلاد العلم والعلماء لا تحتاج إلى مركز تكوين فقط بل سأبني فيها جامعة وستحمل اسم والدك العلامة أبي شعيب الدكالي، وما أن وصل الخبر إلى الجديدة حتى بدأت السلطات تبحث عن البقعة الأرضية التي بنيت فوقها جامعة شعيب الدكالي».

عمير بيريتس.. الوزير البجعدي الذي درس العربية وحارب العرب
في عز الصراع بين القصر والإقامة العامة الفرنسية، ووسط جو من الاحتقان، ولد عمير بيريتس في المدينة القديمة لأبي الجعد يوم تاسع مارس 1952، وسط أحياء لا وجود فيها لملاح مخصص لسكنى اليهود على غرار باقية المدن، مما يؤكد حجم الانصهار بين المسلمين واليهود في هذه المدينة.
قبل أن يلتحق عمير بالمدرسة اليهودية، على غرار باقي أطفال اليهود الذين كانوا يقتاتون من التجارة وبعض المهن التقليدية. كان والده يقود الطائفة اليهودية في المدينة وكان يملك محطة بنزين فنشأ الفتى وسط أسرة يهودية مغربية ميسورة الحال، يتحدث العربية واللهجة المغربية بطلاقة، بالإضافة إلى الفرنسية والعبرية. قرر والده الانضمام إلى الرحلة الكبرى لليهود المغاربة نحو «أرض الميعاد»، فهاجر عمير رفقة أفراد أسرته عن عمر لا يتجاوز الخمس سنوات.
استقرت أسرة بيريتس في مدينة سديروت، واستكمل الابن دراسته، إلا أن عمير لم يكن بحاجة إلى فترة استئناس بالعالم الجديد، فقد كان حريصا على فهم ما يجري حوله وهو فتى صغير، إذ تشبع بالفكر الصهيوني منذ مراحل شبابه.
تخرج الفتى مدرسا بإحدى مدارس المستوطنات الإسرائيلية، وكان يعلم اليهود المرحلين إلى «أرض الميعاد» التاريخ الإسلامي، انسجاما مع المنهاج الدراسي الذي يجعل الإسرائيلي ملما بعدوه. لكن الحرب الدائرة مع العرب أجبرته على مغادرة الفصل والالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، حيث شارك في حرب أكتوبر سنة 1973 وواجه مغاربة كان يقتسم معهم الانتماء للوطن في معارك سوريا، حيث جرح وقضى في المستشفى بتل أبيب سنة كاملة. وحين غادر المصحة قرر التفرغ للتجارة رافضا العودة إلى القسم، بعد اقتناء ضيعة في قرية نير أكيفا وتحول إلى مصدر أزهار وبواكر، دون أن يفرط في عشقه للسياسة.
تقلد أول منصب في شبابه حين عين رئيسا لبلدية سديروت وهو في سن الحادية والثلاثين، وعبرها ولج الكنيسيت الإسرائيلي ممثلا لسكان هذه المدينة الفقيرة التي تضم مهاجرين من الشرق. وأصبح زعيما لحزب العمل سنة 2005 وبعدها وزيرا للدفاع، بعد أن تغلب بشكل مفاجئ على شمعون بيريس، وكان هذا الفوز بمثابة نصر سياسي فتح الأبواب أمام بيريتس ليهجر حزبا كان في قيادته بمستويات مختلفة على مدى خمسين عاما، كما أنه يفخر بكونه أول من شن حربا على لبنان سنة 2006. وشن حربا واسعة النطاق على قطاع غزة، بحجة أسر جندي احتلال، لم يتم إطلاق سراحه حتى اليوم. أنهى مساره السلطوي نائبا لرئيس الوزراء في الفترة ما بين 2006–2007، ويشغل منذ سنة 2013 منصب وزير حماية البيئة.
تردد عمير على المغرب وزار أبي الجعد في أكثر من مناسبة، وقيل إنه زارها متنكرا حين منع من دخول المغرب بعد أن خطط لضرب لبنان، واستنادا إلى مطالب هيئات حقوقية صنفته في خانة مرتكبي جرائم الحرب.

الحبيب الشوباني.. مدرس الفيزياء والكيمياء الذي لم يغادر مختبر التجارب

رغم أنه ينتمي وجدانيا لمدينة الراشيدية، إلا أن الحبيب الشوباني الوزير مكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، قد ولد في مدينة أبي الجعد سنة 1963، وتابع دراسته بها إلى أن حصل على شهادة الباكلوريا سنة 1981، بتخصص العلوم التجريبية المزدوجة، لينتقل إلى مدينة مراكش حيث نال الإجازة في العلوم تخصص العلوم الفيزيائية والكيميائية من المدرسة العليا للأساتذة بمراكش سنة 1985، ليشتغل مدرسا للفيزياء بإعداديات وثانويات مدينة الراشيدية لمدة 14 سنة.
ونال الحبيب شهادة الباكلوريا سنة 1997، والإجازة في القانون بموازاة مع تخصصه الفيزيائي. لكن الشوباني تعايش مع المحيط الفيلالي، وانخرط في حزب العدالة والتنمية منذ بداية التسعينات، قبل أن يصبح كاتبا إقليميا للحزب، ونائبا برلمانيا عن دائرة تيسليت منذ 2002. ومستشارا بالمجلس البلدي لمدينة الراشيدية.
تقلد مدرس الفيزياء العديد من المهام تحت قبة البرلمان، من رئيس للفريق النيابي ورئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، كما خاض تجربة إعلامية في «التجديد» لمدة سنتين. وفي الثالث من يناير 2012 انضم لحكومة عبد الإله بن كيران.
ورغم أن أبي الجعد هي مسقط الرأس إلا أن الراشيدية هي مسقط العقل، بينما تعتبر القنيطرة مسقط القلب، حيث لا يتردد على حاضرة شرقاوة إلا نادرا، بل إن بعض الملتقيات الحزبية تقوده نحو عاصمة ورديغة بين الفينة والأخرى دون أن يكمل المشوار نحو أبي الجعد.
وإذا كان وزراء المدينة الصغيرة يحرصون على حضور «التعركيبة» خلال اختتام فعاليات موسم بوعبيد الشرقي، فإن الشوباني يتحاشى الحضور الاحتفالي، ربما لأن كل ما يجمعه بالحبيب المالكي هو الاسم الشخصي.
غادر الحبيب الشوباني الوزارة بعد السجال القوي الذي دار بخصوص علاقته بسمية بنخلدون وهو الأمر الذي جعله يتقدم بطلب إعفائه للملك محمد السادس رفقة زميلته، الوزيرة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي وتكوين الأطر سابقا، بسبب ما أثير حول قصة خطبتهما، ولأن «عشيقته» تنتمي للقطاع التعليمي، فقد وقعا سويا على إنهاء العمل بالقول المأثور «قم للمعلم وفه التبجيلا».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة