عندما اختلط الخبز بالدم

عندما اختلط الخبز بالدم

«بعض موظفي الدولة، منذ 300 سنة، بصموا أسماءهم في سجل المخزنيين الذين واجهوا إخوانهم وقبائلهم وقمعوا جميع التحركات التي كانت تطالب بالخبز ورفع احتكار الأغنياء للحياة، وتظلموا من ظلم السياسة الضريبية التي كانت تطالبهم بأداء الضرائب بانتظام رغم أنهم كانوا في سنوات الجفاف لا يملكون ما يأكلونه. نزلوا إلى الشارع، فاتهموا بالخيانة والتآمر على الدولة. السيناريو نفسه كان يتكرر في مراحل حرجة من تاريخ المغرب.. ولم يكن سقوط الضحايا على الأرض إلا البداية».

تاريخ الاحتجاجات القديمة.. من أولى أيام الدولة إلى 1984
إذا تأملتم المراحل التي قطعتها الاحتجاجات في المغرب، فستجدون ألا شيء تغّير. فالاحتجاجات، على الطريقة المغربية، حافظت على خصوصيتها القديمة، والتي تمثلت في الخروج إلى الشارع احتجاجا على غلاء المعيشة. ومنذ مئات السنين فإنها، (أي الاحتجاجات)، كانت دائما تواجه الجهاز نفسه الذي هو «المخزن»، والذي كان يغير خدامه الأوفياء ليضمن زوال الغضب الذي يرافقهم بعد أن ينفذوا مهام قذرة ضد الإرادة الشعبية للناس.
منذ مئتي سنة وأكثر، والحركات الاحتجاجية التي تنزل إلى الأرض إما على غلاء المعيشة أو تجاوزات أحد العمال والولاة أو القياد أيضا، تواجه بالقمع في البداية، وعندما تشتد المواجهة، تقوم الدولة بامتصاص الغضب وتستبدل العمال أو القياد بآخرين، وتراجع سياستها الضريبية خصوصا في سنوات الجفاف التي كانت دائما تقود إلى الصدام بين الدولة والقبائل التي كانت ترفض الانصياع للقرارات الضريبية المجحفة، خصوصا وأن بعض المخزنيين القدامى كانوا لا يترددون في اللجوء إلى إثقال كاهل المواطنين بالضرائب لسد الخصاص المالي المهول في صناديق الدولة.
في احتجاجات 1981، في يونيو بالضبط، والتي أثير أخيرا أمر مقبرة الضحايا التي دشنت حديثا بمناسبة ذكرى الذين سقطوا شهداء في شوارع الدار البيضاء، خرج الناس إلى الشوارع احتجاجا على غلاء المعيشة وللمطالبة ببعض الكرامة أمام سياسة القمع التي كان معمولا بها وقتها، إلى الحد الذي أصبح معه أعوان السلطة قادرين على الزج بأي مواطن في السجن، وهو ما كان يستدعي تسجيلا للاحتجاج ضد تلك الظروف العصيبة التي كان يعيشها المغاربة، ووجهت الاحتجاجات بالقمع، وقال وزير الداخلية وقتها إن الأمر يتعلق بشهداء «الكوميرا» في تبخيس منه للأسباب التي جعلتهم ينزلون للشارع والاحتجاج. لكن إذا تأملنا تلك الأحداث، ومعها أحداث 1984 بالمدينة نفسها، وفي مراكش أيضا، نجد أن المحرك الذي حرك أجدادنا أيام المولى الحسن الأول وقبله أيضا، هو نفسه المحرك الذي حرك أجيال 1965 وأجيال 1984 أيضا. فغلاء المعيشة وسياسة المخططات الخماسية، وتراجع النمو وانتشار البطالة، تشترك كثيرا مع الحيف الذي عاناه أجدادنا الأقدمون مع سياسة الضرائب التي كان يلجأ إليها المخزن لسد الخصاص المهول، إلى الحد الذي كانت معه الدولة تفرض ضرائب مرتفعة في عز الجفاف، لجمع الأموال وتسديد أجور الجنود الذين كانوا يخوضون حروبا مع المخزن في جبهات كثيرة لقمع تحركات القبائل المغربية التي كانت تحتج دائما على طريقة تدبير العمال وممثلي المخزن لشؤون المناطق التي تعينهم فيها الدولة. وهكذا كانت القبائل مجبرة على دفع أجور الجنود الذين يحاربونها! وهو الأمر الذي لم يكن مقبولا من طرف زعماء القبائل، ويؤجج المعارك دائما.. وهكذا ورث المغرب تاريخا حافلا من الاحتجاجات التي كانت تُقمع بشكل قوي.
صحيح أن هناك فوارق بين احتجاجات الثمانينات التي نزل فيها الناس إلى الشارع وووجهوا بالرصاص الحي، واحتجاجات الزمن القديم عندما كان الناس لا يملكون إلا الخيل والسيوف، إلا أنهم يشتركون في الفقر واستفحال الجفاف. كما أن طريقة المواجهة كانت متطابقة، إذ إن جميع الذين احتجوا ضد الدولة، سواء قبل أربعين سنة، أو قبل مائتي عام، كانوا يواجهون بتهمة التآمر على الدولة. ففي أيام المولى الحسن الأول، كانت التهمة التي وجهت إلى المحتجين، هي مناصرة ابن المولى الحسن ضد أخيه الأصغر الذي أوصى والده بتوليته الحكم بعد وفاته، واعتبر الذين كانوا يحتجون ضد سياسة الدولة والضرائب الثقيلة التي فرضت على الفقراء، موالين لابن المولى الحسن الأول المعارض، رغم أن جل الذين خرجوا كانوا يطالبون برفع الاحتكار الذي مارسه بعض الأغنياء المسيطرين على سوق الحبوب، وهكذا كان الخبز هو الدافع الأساسي للخروج إلى الشارع، وليس السياسة.

هذه هي الأسماء المخزنية التي شكلت تركيبات ثلاثية لقمع الاحتجاجات

جاء ذكر بعض الأسماء بصفتها مساهمة بشكل كبير في ضمان قمع الاحتجاجات التي كانت تقوم ضد الدولة في فترات متفرقة، خصوصا منها التي تتزامن مع فترات الجفاف. التاريخ الرسمي ذكر سيرة أشهر ثلاثي مخزني أيام الحسن الأول، ويتعلق الأمر بسعيد، الذي كان مشرفا على الجيش، وأخوه إدريس الذي كان حاجبا، فالأخ الثالث الذي كان وزيرا. وقد ذكروا هكذا بالتتابع في التاريخ الرسمي للدولة، والذي جمعه عبد الرحمن بن زيدان وقال عنهم إنهم كانوا أعلاما شهيرين في خدمة الدولة، وكان لهم من الأعوان عدد كبير، وأن رابطة الأخوة بينهم، باعتبارهم أبناء أخ عبد الله بن أحمد، وهو أحد خدام المخزن المشاهير أيام الحسن الأول، وابن عمهم هو وزير آخر اسمه الحاج المختار سنأتي إلى قصته، لأنه كان من الوزراء ضحايا الاحتجاجات الاجتماعية.
هؤلاء الثلاثة كانوا موزعين داخل الدولة بحسب الاختصاصات، وقد لعبوا دورا كبيرا في امتصاص غضب الشارع، ويقال إن الأخ الأكبر الذي كان نافذا في الجيش، لعب دورا كبيرا في مواجهة الاحتجاجات التي كانت تظهر بين الفينة والأخرى، خارج فاس، وكان الجيش يتحرك لقمعها في مهدها قبل أن تتحالف القبائل في ما بينها لمواجهة الدولة، وقد كان إيقاعها سريعا، إلى الحد الذي كان معه الجيش لا يستريح من مواجهة حتى يدخل في أخرى تمتد أحيانا لأسابيع.
القبائل، بطبيعة الحال، لعبت دورا كبيرا في إشعال فتيل الحركات الاحتجاجية التي ظهرت في المغرب. فرغم انتمائها إلى فترة مبكرة، فإنها تقبل تسمية «الحركات الاحتجاجية»، لأنها كانت اجتماعية بالأساس، ولم يكن محركها الرئيسي سوى الجوع وارتفاع تكاليف المعيشة واستفحال الجفاف، ورفع الدولة لمنسوب الضرائب على المواطنين البسطاء والفلاحين الصغار.
أمام هذا الوضع، لم تكن القبائل تملك سوى الثورة في وجه ممثلي المخزن في مناطقهم، وهكذا خرجت قبائل مراكش وسوس وتافيلالت أكثر من مرة لتواجه ممثلي المخزن وتقتحم منازل العمال والولاة، في إشارة إلى العصيان، ليصل الخبر إلى العاصمة ويخرج الجيش لمواجهة الاحتجاجات، التي يتم قمعها بشكل فوري، وتكتب نهايتها على يد خدام المخزن.
الإخوة الثلاثة الذين تحدثنا عنهم أعلاه كانوا من خدام المخزن الأوفياء. بعض المؤرخين الذين تركوا مخطوطات في الزوايا ودور القرآن، تحدثوا بكثير من السلبية والقساوة عن هؤلاء الإخوة، واعتبروا أن دماء أبرياء كثر، معلقة برقابهم، بينما التاريخ الرسمي كان يرى فيهم أبطالا عملوا على بقاء الدولة مستقرة، بفضل مجهوداتهم في قمع الاحتجاجات التي كانت «مُسيّسة».
باختلاف الزاوية التي كان يقف عندها المؤرخون، اختلف التعاطي مع طبيعة عمل هؤلاء الناس، الذين كان دورهم مواجهة الاحتجاجات.
صحيح أنهم لم يكونوا يحتاجون وقتها إلى تراخيص لاعتقال المتورطين، ولم يسجل التاريخ أن هناك حركات اعتقالات أو تحقيقات مع المحتجين، لأن بنية الدولة وقتها لم تكن توفر قاعدة لمباشرة هذا النوع من الأعمال، لكن كتاب «التنبيه المعرب» نبه إلى أن المغرب عرف موجة من الاعتقالات التي أسر خلالها مئات المحتجين الذين خرجوا ضد الدولة، وتم عقابهم، وأطلق سراحهم في ما بعد. عندما وقع اتفاق بين المخزن وعامل جديد على نواحي مراكش، وتعهد الناس بألا يخرجوا من جديد بإيعاز من الزوايا التي كانت تؤجج غضب الناس ضد المخزن. وهكذا تكون هذه الاحتجاجات قد أرخت لأولى عمليات النزول إلى الشارع في مراحله التاريخية المبكرة.

عندما بُويع الحسن الأول وهو في قمة معركته لوقف المظاهرات
إذا كانت القوات العمومية قد واجهت متظاهري سنتي 1981 و1984 بالرصاص الحي، كما تقول الروايات الشفهية للضحايا السابقين، والذين تم الاستماع إليهم في منصات الإنصاف والمصالحة، فإننا سنعود اليوم إلى واحدة من أقدم المواجهات «المخزنية» التي سقط خلالها الضحايا بشكل أكبر، ودفنوا في قارعة الطريق.
تعود الواقعة إلى سنة 1873، وبالضبط في الفترة الانتقالية التي توفي فيها المولى محمد بن عبد الرحمن، لينتقل الحكم إلى الحسن الأول الذي كان وقتها شابا أرسله والده إلى نواحي حاحا في الجنوب، لاحتواء إحدى الثورات ضد الدولة، وعلم هناك بوفاة والده.
عندما كان الحسن الأول في الجنوب يقوم بمهمته الرسمية في احتواء الأوضاع حتى لا تخرج قبائل أخرى لتفرض العصيان على الدولة، كان بعض الأعيان وممثلي الجيش والوزراء، يجتمعون في إحدى الإقامات في مراكش، للإجماع حول خليفة المولى محمد. وحسب بعض المراجع التاريخية، أهمها «الاستقصا» و«التنبيه المعرب عما عليه الآن حال المغرب»، فإن المجتمعين لم يختلفوا حول المولى الحسن الأول، ووقع عليه الإجماع لتتم مبايعته في مراكش، خليفة لأبيه الذي نظمت له جنازة مهيبة في الليلة نفسها، ليدفن في قبة مولاي علي الشريف في مراكش.
وبحسب بعض المراجع التاريخية، فإن الفترة التي توفي فيها المولى محمد بن عبد الرحمن كانت حرجة للغاية، إذ إنه كان قد أرسل ابنه الحسن في جيش إلى منطقة حاحا لاحتواء الأوضاع هناك، بعد أن خرجت بعض القبائل في مسيرات، دائما سنة 1873، احتجاجا على سياسة الضرائب التي كانت قد بدأتها الدولة لتجاوز بعض الأزمات الاقتصادية الخانقة التي ألمت بها، خصوصا وأن المخزن كان يجد صعوبة كبيرة في صرف أجور المخزنيين والجنود، وهو ما جعل الدولة تلجأ إلى فرض ضرائب جديدة على المغاربة لسد الخصاص، لكن الأمر تزامن مع موجة جفاف كبيرة وغلاء للأسعار.
في قضية غلاء المعيشة، كان الناس قد قرروا الخروج ضد الدولة، لأن المخزن لم يتحرك لحماية الناس من جشع بعض التجار المعروفين الذين لجؤوا إلى سياسة الاحتكار لمضاعفة أرباحهم في الوقت الذي كانت الأسواق خالية تماما من السلع، وهو ما كان يعني بطريقة أخرى، دفع الناس إلى الموت جوعا.
لكن الدولة لم تكن تقبل أن ينزل الناس للاحتجاج بطريقة القبائل، خصوصا وأن بعضها كانت تجمعهم عداوة تاريخية مع «المخزن». لذلك كان المولى محمد، في آخر أيامه، حريصا على إعطاء التعليمات الأخيرة لابنه الذي خلفه في الحكم بعد أسابيع قليلة فقط من توجيهه له لمواجهة التمرد الذي وقع في الجنوب، خصوصا في منطقة حاحا.. وتقول بعض المصادر التاريخية إن مواجهة عنيفة وقعت في تلك الأيام بين الجيش المخزني الذي كان يقوده الحسن الأول قبل أن يصبح سلطانا على المغرب، وزعماء قبائل حاحا الذين كانوا يريدون إزالة بعض الأعيان بالقوة واقتحام مخازن الحبوب والمحاصيل الزراعية، لأن المجاعة كانت قد بلغت مبلغا كبيرا، ولم يكن الناس يملكون قيمة الضريبة التي يفرضها المخزن على أبواب الأسواق قبل الدخول إليها لبيع ما لديهم.
لكن الحسن الأول كان يملك ذكاء كبيرا، جعله يحتوي الأوضاع منذ الأيام الأولى لوصوله إلى الحكم، وينتهج سياسة ضريبية جديدة، ويفرض على التجار قوانين جديدة لإخراج البلاد من الأزمة، وهو ما جعل فترة حكمه تعرف نوعا من الاستقرار ليس سياسيا فقط وإنما اجتماعيا أيضا.

قصص دامية لخدام مخزنيين قمعوا الثورات الصغيرة وقتلوا المحتجين

ما بين سنوات 1890 و1900، كان المهدي المنبهي مجرد شاب فتح عينه قرب قصر فاس، في الأيام الأخيرة من حكم الحسن الأول.
فعندما كانت أيام هذا السلطان تشارف على الانتهاء، كانت البلاد تستعد للدخول في موجة من الاحتجاجات الجديدة وغلاء للمعيشة، لم ير المغاربة مثيلا له، فور انتقال الحكم إلى أبناء المولى الحسن. فهذا الأخير الذي ورث الحكم وهو في قمة معركته ضد الجنوب، كان قد فطن إلى أن المساس بضروريات الحياة لا يقود إلا إلى المعارك وقمع الاحتجاجات. لذلك كان هناك نوع من الحكمة في التعامل مع المطالب الاجتماعية آخر أيام دولة الحسن الأول. لكن وفاته جعلت الصراع الذي وقع حول الحكم والمعارك في محيط أبناء المولى الحسن ورجال الدولة، ينتقل إلى مستويات أخرى لتطول نارها الشارع المغربي وتخرج احتجاجات وحركات مسلحة، ليس ضد غلاء المعيشة وحدها ولكن ضد مريدي أبناء المولى الحسن، ليصبح المغرب على مرمى حرب أهلية عاشها سكان فاس، ولحسن الحظ فإنها لم تنتقل إلى أماكن أخرى، وإلا لكانت النتيجة كارثية!
بانتقال الحكم إلى الابن الأصغر للمولى الحسن الأول، كانت بعض الدوائر في المخزن غير راضية عن القرار، بحكم أن بعض المخزنيين كانوا يدعمون الابن الأكبر للحسن الأول قيد حياته، ولم يرقهم أن تتحقق رغبة محيط الحسن الأول، والرواية التي تقول إنه أوصى بالحكم لابنه عبد العزيز رغم أنه أصغر إخوته. بعض المخزنيين لم يصدقوا الرواية، وظلوا يتحسسون بنادقهم وسيوفهم، حتى بعد أن تم فرض الأمر الواقع على الجميع، والذي استعان الحاجب باحماد لترسيخه بخادمه المنبهي، وبعض المخزنيين الآخرين الذين قاموا بعزل بعض العمال والولاة والقياد، وعينوا مكانهم مخزنيين آخرين يدينون بالولاء لمحيط الدولة الجديد.
بطبيعة الحال، فإن الشارع لم يخل من معارك، خصوصا وأن بعض القبائل، في محيط فاس، وصولا إلى مكناس، وتافيلالت، كانوا يراهنون على وصول المولى محمد، ابن الحسن الأول، إلى الحكم، وكانوا يخافون من انتقام باحماد لأنهم لم يكونوا موالين له عندما كان يدافع عن تنصيب الابن الأصغر بناء على وصية مباشرة من الحسن الأول وهو على فراش الموت، كما يقول باحماد.
هذا الأمر كان يعني المواجهة، خصوصا وأن بعض المناطق لم تكن راضية عن السياسة الضريبية الجديدة للدولة، وقالوا في الأسواق والأماكن العامة إن الحاكم الفعلي للمغرب هو باحماد. غضب القصر كثيرا في فاس عندما وصلت الأنباء عن احتمال وقوع تمردات وعصيان في محيط المدينة، وخرجت القوات لمواجهة المتمردين، وحدثت مواجهات بين المعارضين والموالين. وقيل في بعض المصادر التاريخية، إن أرواحا كثيرة أزهقت في هذه المواجهات، وعلقت رؤوس المتمردين في بوابات فاس، لجعلها عبرة لكل من يفكر في التمرد ضد الدولة.
ولأن باحماد كان متقدما في السن، فقد لازم ابن الحسن الأول للأشهر الأولى فقط، وترك خادمه المهدي المنبهي ليكون قريبا من القصر، وينفذ تعليمات باحماد وكأنه لا يزال ممسكا بزمام الأمور، وهو الأمر الذي جعل اسم المهدي المنبهي يصبح رائجا في المغرب، خصوصا وأنه كان وراء قمع عدد من المعارك، لتكون نهايته مأساوية بعد أن عجز عن قمع انتفاضة بوحمارة، رغم أنه نجح في قمع احتجاجات أخرى. إلا أن عدم قدرته على جعل المغربي يواجه ثورة بوحمارة ويوقفه عند حده، جعلت أيامه معدودة كمقرب من القصر ووزير للدفاع والخارجية أيضا، وتم استبداله بغيره، غير مأسوف عليه حتما، رغم أنه في أيام قوته، كان وراء عزل عدد من القضاة والعمال وموظفي الدولة في مناطق متفرقة من المغرب، كما أنه كان وراء قمع عدد من الاحتجاجات. ولكي ينجو بحياته بعد عزله، فقد فضل الإقامة في طنجة خوفا من انتقام المخزنيين والناس الذين قُتلت عائلاتهم في الاحتجاجات في المدن الأخرى، لأنهم كانوا يعلمون أن المنبهي كان يقف وراء عدد من عمليات قمع الاحتجاجات.

عندما كانت قرارات العزل تُخرج المواطنين إلى الشارع لتقطع رؤوسُهم

لم تكن القرارات المخزنية لتتمتع لا بالقداسة ولا بالشعبية، خصوصا إذا ارتبط سياقها بسنوات الجفاف، كما وقع للوزير الحاج المختار.
هذا الوزير كان من ضحايا المنبهي الذي تحدثنا عنه أعلاه. فقد كان الوزير المختار من الموالين القدامى للمولى الحسن منذ وصوله إلى الحكم، وكان بحكم انتمائه الاجتماعي من الأعيان الكبار في منطقته، وهو ما جعل القصر يُصدر مرسوما لتعيينه وزيرا، بعد أن تدرج سابقا في خدمة المخزن عقب سنوات من الخبرة، لم يثبت خلالها ضده ما يمكن أن يتسبب في عزله.
لكن الخلخلة التي وقعت بعد وفاة الحسن الأول، جعلت رأسه من الرؤوس المطلوبة لأن بعض الجهات النافذة داخل المخزن كانت ترمي إلى إعادة رسم خارطة الأعيان والمسؤولين وكانت اللعبة تقتضي أن يكون الحاج المختار خارجها.
المثير في قصة الحاج المختار أنه أجبر على المغادرة، فحمل أمتعته وبعض مكونات ثروته الشخصية، لكنها صودرت منه، وتم إرغامه على التوجه نحو تطوان، كمنفى له، ليحاول التأقلم مع حياته الجديدة هناك، ويُنسى وكأنه لم يكن.
هناك معلومات تقول إن الحاج المختار، بالرغم من أنه قد عين وزيرا، فإنه كان بعيدا عن الوزارات السيادية التي أوكلت إلى أصحابها مهاما غير عادية، لكن اللعبة كانت خالية تماما من العاطفة، ولم يشفع المركز الاجتماعي ولا الرصيد التاريخي لأسرته في خدمة المخزن.. لم تشفع له كلها في بقائه في منطقته بعد عزله، رغم المحاولات التي قام بها لدى بعض خدام المخزن لجعل المحيط الجديد للسلطة يتركه في سلام. لذلك كان عليه أن يجمع أشياءه ويرحل خوفا من انتقام الناس الغاضبين الذين كان يتم تجييشهم ضد الوزراء السابقين. لذلك كان على الحاج المختار أن يخاف على حياته وحياة أبنائه، ويرحل فورا عن داره التي كانت معروفة بـ«دار الوزير»، ليفاجأ في الطريق أنه يجب عليه أن يتخلى عن كل شيء، وهكذا صودرت أمتعته وممتلكاته وأرغم على التوجه إلى تطوان ليستقر هناك بعيدا عن أجواء السلطة والوزارة.
في الفترة نفسها عُزل القائد محمد بن العلام، وهو رجل كان معروفا في القصر، وكان منزله في فاس لا يخلو أبدا من الضيوف الراغبين في الوساطة لدى القصر، بحكم أن العلام كان يشغل منصب قائد المشور، وكان مقربا جدا من الحسن الأول، لكن ما وقع جعل الدولة الجديدة تؤلب الناس ضده في فاس، ليهرب من داره، وتصبح قصته شهيرة لأن نهايته كانت مأساوية.
خرج الناس ضده إلى الشوارع، وهناك من طالب برأسه، ولم تكن الدولة لتتدخل لقمع المظاهرات التي خرجت للمطالبة برأس العلام، فقد كان الأمر يخدم طموح المخزنيين الذين كانوا يعملون على تأسيس التشكيلة الجديدة من المسؤولين.
وهكذا كانت طريقة المخزن تنجح في جعل المظاهرات تخرج ضد بعض الأسماء، خصوصا وأنهم روجوا أن أمثال العلام الذي كان قائدا للمشور، والحاج المختار الذي كان وزيرا، هم المسؤولون عن غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وكل السياسات السابقة للدولة، والتي كانت تجعل حياة الفقراء صعبة إن لم تكن مستحيلة، وهكذا تم استعمال الاحتجاجات لضمان رحيل الخصوم السياسيين حتى لا يفكروا أبدا في العودة إلى الحياة السياسية، أو الانتقام من الذين كانوا وراء قرارات عزلهم من مناصبهم.
لم يكن الحاج المختار قادرا على العودة من تطوان ليطالب بكرسي الوزارة، لأنه رأى كيف أن الناس خرجوا ضده في الشوارع، ليتأكد أن شعبيته انتهت إلى غير رجعة، وأن العودة تعني الموت في أزقة فاس، لأن المظاهرات التي خرج فيها الناس ضده وضد الوزراء المعزولين، لن ترحمه مرة أخرى بالتأكيد.
هكذا كان المخزن يستعمل الحركات الاحتجاجية والمظاهرات العنيفة التي تنزل إلى الشارع لإرهاب خصومه سياسيا.

الجوع.. الآفة التي تخرج الناس إلى الشارع عبر التاريخ

الخيط الناظم في كل الخرجات التي قام بها أجدادنا، طيلة السنوات المائة الماضية، هو الجوع. فحتى عندما استغلت الدولة احتجاجات الناس ضد غلاء المعيشة والفساد السياسي الذي يتسبب في احتكار الموارد وتضور الناس جوعا ليغتني الأغنياء أكثر، في ضرب خصومها السياسيين وتخويفهم بحجم الاحتجاجات التي تنزل إلى الأرض، والتي تكون في الحقيقة ضد الجميع وليس ضد أعداء الدولة فقط.
نجح المخزن، بفضل دهاء خدامه الأوفياء، في التخلص من خصومه السياسيين عبر احتجاجات الناس التي يحركها الجوع أساسا وليس أشياء أخرى.
المثير أنه إذا عدنا إلى ما قبل الدولة العلوية، سنجد أن السياسة نفسها تكررت في عهد دول أخرى تعاقبت على حكم المغرب.
لا بأس أن نذكر هنا، مثلا، بأيام المرينيين، وما وقع فيها من احتجاجات صنفت على أنها الأخطر في تاريخ المغرب ككل، بالنظر إلى مدتها، وعدد الضحايا الذين سقطوا بسببها. البداية مع أبي عنان المريني، الذي كان سلطانا للبلاد، فقد تعرض للقتل في ظروف غامضة تاركا خلفه عشرة من الأبناء مطالبين بالعرش من بعده، ليخوضوا حروبا طاحنة في ما بينهم، محولين البلاد إلى مستنقع كبير للدماء. كل واحد من الأبناء المطالبين بالعرش أراد تقوية جانبه بالتجار الأغنياء وزعماء القبائل والفقهاء، وتحولت البلاد إلى استقطاب للناس للدخول في حروب طاحنة راح ضحيتها الآلاف. وفي الوقت الذي كانت الدولة تغلي في صراعات داخلية، فإن الواجهة البحرية كانت تعرف تدخلات من الإسبان والبرتغاليين الذين احتلوا الشواطئ.
وهكذا سجلت في أيام الدولة المرينية أكبر حركات احتجاجية خرج خلالها الناس للمطالبة بالاستقرار بعيدا عن تطاحنات السياسة، لكن مصيرهم جميعا كان القتل بدون رحمة، لأنهم وجدوا أنفسهم وسط معركة طاحنة من الولاءات السياسية التي تم استعمالهم فيها بدون وعيهم.
ولكي تكتمل الصورة أكثر، سنذكر هنا بأرقام سبق لبعض المؤرخين أن جمعوها من باب الوقوف على حجم الكوارث التي ألمت بالمغاربة، بسبب خروجهم في الاحتجاجات التي كانت تُسيس في الغالب لتعصف بأحلامهم الاجتماعية بسبب لؤم السياسيين. وهكذا يكون القتال من أجل السيطرة على الحكم، اندلع أزيد من 180 مرة وشارك فيه أزيد من 68 سلطانا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، و25 أميرا. واستغرقت تلك الحروب عشرات السنين وغطت مآسيها الإنسانية وأريقت فيها الدماء، وعرف فيها الاقتصاد والعمران تدهورا كبيرا، إذ لا تكاد دولة تتقوى من الناحية الاقتصادية حتى يتصارع أبناء السلاطين من أجل خلافة آبائهم، وهو ما يضعف الدولة ويريق الدماء تمهيدا لصعود نجم عائلة أخرى.
عندما نقول، مثلا، إن الصراع حول الحكم في المغرب اندلع لأزيد من 180 مرة، فهذا يعني خروج أضعاف هذا الرقم في حركات احتجاجية للمطالبة بالخبز والاستقرار الاقتصادي، لكنها ووجهت جميعا بالقمع، وكان سهلا أن يتم اتهام الخارجين للتظاهر بالرغبة في إثارة الفتنة أو قلب النظام، كما وقع في احتجاجات 1965 و1984، فرغم بُعد السنوات الفاصلة بين هاتين السنتين والأحداث الضاربة في القدم التي تحدثنا عنها، فإن الخيط الناظم بينها يبقى موحدا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *