الرئيسيةالملف الأسبوعي

عندما تزل ألسنة خدام الدولة

زلات لسان كلفت وزراء وزعماء أحزاب وخدام دولة مناصبهم

حسن البصري
كثيرة هي التصريحات المخالفة للأعراف الدبلوماسية، خاصة تلك التي تصدر عن وزراء وخدام الدولة وتلزم الحكومة والوطن بتبنيها، كان رئيس الوزراء السابق عبد الإله بنكيران أكثر الوزراء خروجا عن النص خاصة في خطبه أمام البرلمانيين أو في التجمعات السياسية لحزبه، تصريحاته وضعت القصر في مواقف حرجة، لاسيما مع أصدقائه في فترة رئاسته للفريق الحكومي مما ورط المغرب مع جيرانه في موريتانيا.
لكن يبدو أن شباط كان سباقا إلى استفزاز الجيران حين تحول إلى طوبوغراف يرسم خريطة الحدود مع موريتانيا والجزائر، ويشرع لنفسه حق توزيع التراب المغاربي وفق هواه، سيرا على تصريح سابق لعلال الفاسي قال فيه إن موريتانيا «هي الجهة الجنوبية للمملكة».
أما صلاح الدين مزوار، فإن حاسة التواصل عنده تحتاج إلى ضبط، خاصة حين يبيح لنفسه القيام بغارات على دول أخرى، فيسخر منها ويدفع الحكومة المغربية إلى طلب العذر من لسان لا يدور في الثغر سبع مرات.
يرى السوسيولوجيون أن الأمر يتعلق بأمرين هما صاحب التصريح، وتأثير التصريح وصداه، فبالنسبة للنقطة الأولى نجد أننا نقابل مثل تلك التصريحات غير المتوازنة أو المدروسة بسبب أن أغلب الوزراء ليس لديهم خبرة في العمل السياسي الميدانى، لم يخرجوا من رحم منظمات حزبية قوية، لم يحتكوا في العمل مع المواطنين، لذلك ليس لديهم الخبرة فيما يقال ومتى يقال، فالأبرز في غالبية الوزراء أن لهم خبرة في تخصصهم لكن ليس لديهم خبرة العمل السياسي والتواصل مع المواطنين.
في هذا الملف الأسبوعي تسلط «الأخبار» الضوء على أشهر زلات اللسان الحكومية، والتي بعثرت الأوراق ورمت بأصحابها خارج دائرة القرار، وحتمت على الدولة تحرير بيان استعطاف والتنصل من لسان سياسي سليط.

حين قال المذبوح «نعيش خريف الملكية»
لم يكن الجنرال محمد المذبوح مجرد رئيس القطب الدفاعي للملك، بل كان أكثر الضباط قربا من الحسن الثاني الذي فتح له أبواب الجاه إلا أنه لم يكن يسعى إلى ذلك، إذ كشفت زوجته زوليخة أمزيان أن المذبوح ظل يرفض «إكراميات» الملك. وحسب شهادة أوردها المؤرخ عبد الحق التازي، فإن «الحسن الثاني كان يعطي المذبوح في كل مناسبة أغلفة مالية مهمة. ولاحقا، عرفت أن المذبوح لم يكن يفتح تلك الأظرفة بل كان يضعها في خزنة حديدية في بيته، وقد تم العثور عليها مغلقة بعد مقتله، وهو ما يعني أن المذبوح لم يكن راضيا بتلك الإكراميات».
كان الرجل يعبر لزوجته عن عدم رضاه على الفساد المستشري في دواليب السلطة، وحين عينه الحسن الثاني وزيرا للبريد والتلغراف والتيلفون، غضب أشد الغضب واعتقد أن وضعه في منصب مدني هو إجراء تأديبي، أبعده عن محيط الملك. طلب الجنرال إجازة لمدة شهرين بدعوى المرض وانزوى في بيته، «وهكذا تسللت فكرة الانقلاب إلى ذهنه».
في 9 يوليوز 1971، بلغ إلى مسامع زوليخة تورط زوجها في انقلاب الصخيرات، لم تتقبل الخبر الصادم وانهارت لتدخل في غيبوبة، قتل زوجها برصاص صديقه امحمد عبابو لاختلافهما حول «تكتيك» الاستيلاء على السلطة، حتى لو نجا بجلده، ولم يقتل على يد شريكه في التخطيط للانقلاب.
دعيت أرملته لتقديم شهادتها أمام المحكمة، في قضية الانقلاب، لكنها فاجأت هيئة القضاء والدفاع، حين صرحت بأن مؤامرة الانقلاب كانت مدبرة قبل ذلك اليوم وتحديدا في 14 ماي بمدينة الحاجب، لكن سوء أحوال الطقس جعل المذبوح يأمر اعبابو بتأجيل الأمر إلى مرة لاحقة، وقالت إن زلة لسان من زوجها جعلتها تقف على المخطط، حين قال «نعيش خريف الملكية».
قال الحسن الثاني في حوار عقب الانقلاب، وهو يتحدث عن المذبوح: «أدركت أنه متورط في المحاولة عندما شرع التلاميذ الضباط في إطلاق النار، توجهت إلى جانب آخر بالقصر صحبة بعض المقربين. وهناك أخذ المذبوح بيدي قائلا: تعال معي، يجب أن أنقذكم، لذا يتعين أن نذهب لرؤية اعبابو. فأجبته قائلا: لا، لن أتفاوض مع ضابط تحت إمرتي، فابعث إلى اعبابو ليأتي إذا أردت، أما أنا فلن أخرج من هنا». هنا انتهت قصة هذا الجنرال الذي كان والده قائدا قبل أن يذبح من طرف أهل الريف بعد أن كان على علاقة مع الإسبان ومن ثم التصق به هذا الاسم.

نجيمة طاي طاي: «مرحبا بالإخوان الإسرائليين»
واجهت نجيمة غزالي طاي طاي، كاتبة الدولة السابقة المكلفة بمحاربة الأمية والتربية غير النظامية، حملة قوية حين رحبت سرا وعلانية بالوفد الإسرائيلي المشارك في الدورة الخامسة للجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط التي انعقدت في الرباط. خاصة حين أخذت الكلمة في جلسة المناقشة العامة وقالت إن المغرب يرحب بـ «الإخوان الإسرائيليين». فوجئ الحاضرون لكلمة قيلت بالفرنسية «طاي طاي» وهو ما أدخل السرور على ممثل الوفد الإسرائيلي مجلي وهبة، عضو الكنيست، الذي طلب مباشرة بعد إنهاء طاي طاي تدخلَها، الكلمة ليشير إلى أن بلاده كانت قد جمدت عضويتها في الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط منذ سنة 2006، إلا أنه حينما تقرر عقد الدورة الخامسة للجمعية في المغرب، «قررنا المشاركة». أما المنظمون فاعتبروا كلمة نجيمة مجرد «زلة لسان»، علما أنها أكدت أن الترحيب كان شاملا لكل الوفود.
ولدت نجيمة في وسط عائلي محافظ يعيش على تقاليد أهل الريف لكن والدها أصر على أن يشركها في الحياة المدرسية خلافا لما هو معمول به في تلك الفترة، إذ غالبا ما تحرم الفتاة من ولوج المدرسة وفي أحسن الأحوال تكتفي بالحد الأدنى من التعلم، لكن الأب واجه التحدي وأصر على أن تكون لنجيمة مكانة في الفصل بين الذكور الذين كانوا ينتمون لجنسيات مختلفة إذ كان الفصل يضم تلاميذ برتغاليين وإسبانيين وفرنسيين في إحدى قرى الشمال الشرقي للريف المغربي، بل إن الوالد رفض توصيات بإنهاء مسار ابنته مبكرا وواجه المعارضين بإصرار كبير، كما رفض عروض خطبة مبكرة لنجمته الصغيرة.

خرجات مزوار تغضب ستوكهولم والجزائر والرباط
سبق لصلاح الدين مزوار أن أدلى بتصريح عرضه للسخرية، حين قال في تصريح لقناه تلفزية مغربية، كشف فيه أن وزيرة الخارجية السويدية، «تفعفعات» و»تهزات»، ما جعله في مرمى وسائل التواصل الاجتماعي التي اعتبرت كلامه خارج السياق الديبلوماسي.
وقد جاء ذلك في سياق احتجاجه ضد موقف الحكومة السويدية بخصوص قضية الصحراء المغربية. واعتبر نشطاء سياسيون أن هذه الكلمة «لا تليق بدبلوماسي».
مرة أخرى تسببت تصريحات لصلاح الدين مزوار، رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب حول الجزائر، في غضب الجهات الرسمية، عبرت عنه وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي والمغاربة المقيمين بالخارج، واصفة تصريح مزوار بـ«التصرف الأرعن».
وقالت وزارة الخارجية، في بلاغ لها أصدرته الأحد الماضي، إن صلاح الدين مزوار، رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، اعتقد أنه يتعين عليه التعليق على الوضع الداخلي بالجزائر خلال مؤتمر دولي منعقد بمراكش، مؤكدة على أن «حكومة صاحب الجلالة تشجب هذا التصرف غير المسؤول والأرعن والمتهور».
وأوضحت وزارة الخارجية أن تصريح مزوار «أثار تساؤلات على مستوى الطبقة السياسية والرأي العام بخصوص توقيته ودوافعه الحقيقية»، مضيفة أن «الاتحاد العام لمقاولات المغرب لا يمكنه الحلول محل حكومة جلالة الملك في اتخاذ مواقف حول القضايا الدولية ولاسيما التطورات في هذا البلد الجار»، مشددة على أن «موقف المملكة المغربية بهذا الخصوص واضح وثابت».
وكان مزوار قد قال خلال تصريح له بمؤتمر السياسة العالمي، «إن الاحتجاجات في الجزائر تبعث على الأمل عكس ما يرى الكثيرون»، مضيفا «أن العسكر مطالب بقبول مشاركة السلطة».
مباشرة بعد بيان الخارجية المغربية، أعلن مزوار استقالته من الاتحاد العام لمقاولات المغرب الذي أصبح بدون رئيس. الاستقالة المفاجئة لصلاح الدين وكذا استقالة نائبه فيصل مكوار في شهر يوليوز الماضي، جعلت الاتحاد العام لمقاولات المغرب يعيش وضعية مؤسساتية غير مسبوقة في تاريخها، وهي وضعية لم يتم توقعها في القانون الأساسي أو في القوانين الداخلية للاتحاد.

الخلفي: المسلسلات المكسيكية تحول البلاد لماخور مكسيكي
اضطرت سفارة المكسيك بالرباط، إلى إصدار بيان احتجت فيه على تصريحات مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة سابقا، أمام مجلس النواب، معبرة عن استغرابها من «تصريحات الوزير». بيان سفارة المكسيك أفاد «بأن حكومة البلد تعبر عن عدم قبولها لما تلفظ به الوزير، لأنه يمس بسمعة شعبي البلدين، ويؤثر على روابط التقدير والإعجاب التي دائما ما ميزت العلاقات الجيدة بين البلدين».
وأضاف البيان ذاته أن «حكومة المكسيك تجدد وتؤكد على الاحترام التام لكرامة الشعب المغربي، وعلى إعجابها الصادق بثقافته العريقة، كما تتأسف على الكلمات التي وردت عن شخصية معروفة».
ويأتي هذا الاحتجاج الرسمي عقب تصريحات لمصطفى الخلفي في معرض رده على سؤال لنائبة برلمانية اعترضت على ما اعتبرته سيطرة العدالة والتنمية على الإعلام العمومي، مستفسرة «هل تريدون إعلاما سودانيا أم إيرانيا أم أفغانيا؟» ليجيبها الخلفي قائلا «هل يرضيكم أن يتحول المغرب إلى ماخور في المكسيك»؟. وجاء تصريح الخلفي المثير للجدل في معرض انتقاده لما وصفه بمشاهد مخلة بالحياء تعرض على القنوات العمومية؟
حاول الخلفي التقليل من حجم الأزمة الديبلوماسية، وبحث عن مبررات «زلة لسانه»، وقال إن عبارة «ماخور المكسيك» لم توضع في سياقها التلفزي، بل تحول نفس التصريح إلى «اتهام دولة أجنبية بالماخور».
تجاوزت القضية حدود السياسة والديبلوماسية، ذلك أن نقابة مستخدمي القناة الثانية، انتقدت بقوة تصريحات مصطفى الخلفي وزير الاتصال سابقا، حول تحول القنوات إلى «ماخور للمكسيك» بعدما اعتبرت أن انتقاد السياسات البرامجية والإخبارية «هو أمر مطلوب في كل الأحوال، غير أن صفة المهنية والطابع العلمي في النقد الإعلامي تتطلب في شخص من ينتقد عدم البقاء في دائرة الأحكام المسبقة غير المبنية على علم بما يتم انتقاده».
واعتبرت النقابة في بلاغها أن «هذه الخرجات التي لا تأخذ بعين الاعتبار صوت المهنيين كقوة فكر واقتراح، لها من الانعكاسات السلبية الشيء الكثير على وضع المؤسسات الإعلامية العمومية وعلى صورتها داخل المجتمع وفي علاقتها بالدولة».

شباط يكشف عن الحدود الترابية للمغرب مع موريتانيا
قالت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، في بلاغ صادر عنها، إنها «تابعت بانشغال الجدل الذي أثارته التصريحات الخطيرة وغير المسؤولة للأمين العام لحزب الاستقلال حول موضوع الحدود والوحدة الترابية للجمهورية الإسلامية الموريتانية».
وأضاف بلاغ الدبلوماسية المغربية أن «وزارة الشؤون الخارجية والتعاون ترفض بشدة هذه التصريحات التي تضر بالعلاقات مع بلد جار وشقيق، وتنم عن جهل عميق بتوجهات الدبلوماسية المغربية التي سطرها الملك محمد السادس، والقائمة على حسن الجوار والتضامن والتعاون مع موريتانيا الشقيقة».
«المغرب يعبر بشكل رسمي عن احترامه التام لحدود الجمهورية الإسلامية الموريتانية المعروفة، والمتعارف عليها من قبل القانون الدولي، ولوحدتها الترابية»، يؤكد بلاغ الخارجية نفسه في تعاطيه مع تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال.
وذكرت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، أيضا، أن «المغرب واثق من أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية، ورئيسها وحكومتها وشعبها، لن يولوا أي أهميّة لهذا النوع من التصريحات التي لا تمس سوى بمصداقية الشخص الذي صدرت عنه»، حسب بلاغها.
وشددت الوزارة ذاتها على أن المملكة تحدوها رغبة صادقة في تطور علاقاتها مع موريتانيا، والرقي بها إلى مستوى شراكة استراتيجية قائمة على الأواصر التاريخية القوية بين الشعبين، والثقة والاحترام المتبادلين.
زاد الموقف الرسمي المغربي في انتقاده تصريح شباط، الذي اعتبر أن «موريتانيا أرض مغربية» وأن «حدود المملكة تنتهي عند نهر السنغال»، بالقول إنه «بهذا النوع من التصريحات، التي تفتقد بشكل واضح لضبط النفس وللنضج، يساير الأمين العام لحزب الاستقلال نفس منطق أعداء الوحدة الترابية للمملكة، الذين يناوئون عودتها المشروعة إلى أسرتها المؤسساتية الإفريقية».

حوار صحفي لأحرضان مع «إلباييس» يغضب الحسن الثاني
أكبر تراجع في سلم الاستوزار هو الذي ضرب المحجوبي أحرضان، الذي تقلد وظائف حكومية عديدة، حيث عين واليا على الرباط بعد الاستقلال مباشرة، وشارك في ثماني حكومات مغربية ومن بين الوزارات التي تقلد: وزارة الدفاع في أول حكومة يشكلها الملك الحسن الثاني وقضى في المنصب بين 1961 – 1964، قبل أن يحال على وزارة الفلاحة والإصلاح الزراعي، ثم عين وزير دولة مكلف بالبريد والمواصلات في حكومة أحمد عصمان عام 1977. وعين وزيرا للتعاون في حكومة المعطي بوعبيد عام 1979، كما عين وزير دولة في حكومة محمد كريم العمراني عام 1983 بصفته زعيم حزب.
أثناء مجلس حكومي عقد غداة إحدى المعارك التي كانت تدور رحاها في الصحراء، خلال بداية الثمانينات من القرن الماضي، تدخل الوزير المحجوبي أحرضان الذي كان حينها كاتب دولة مكلف بالتعاون الدولي، وقال: «عطيوني كتيبة ديال العسكر ونهنيكم من هاد المشكل ديال الصحراء» قبل أن يذكر الحاضرين بما قام به لوقف التمردات التي شهدتها البلاد حين كان وزيرا للدفاع.
أبلغ أصحاب النوايا السيئة ملك البلاد الحسن الثاني بالخبر وأضافوا له بهاراتهم، فشد الرحال إلى مكان الاجتماع واقتحم القاعة أمام ذهول الجميع، وتوجه لأحرضان بالقول: «واش أنت بوحدك اللي وطني فهاد البلاد، راه حنا كلنا وطنيين ولكن ماشي بهاد الطريقة.»
ابتلع الوزير لسانه لفترة قصيرة قبل أن يغضب القصر من جديد، من خلال حوار أجراه مع صحيفة «إلباييس» الإسبانية قال فيه ما معناه أن «العقد اللي بينا وبين الملك هو عقد البيعة وخاص كل طرف يحترم هاد العقد». وأضاف في حوار مع مراسل الجريدة الإسبانية في المغرب ويدعى دومينغو، تحدث فيه بجرأة كبيرة قائلا: «إن المغرب مهدد بكوارث سيكون وراءها كديرة بدرجة كبيرة»، مشددا على أنه «حين ستتعرض الملكية للتهديد سيفر محيط الملك إلى سويسرا». يقول لحسن بروكسي: «قدر لي أن أحضر جلسة الحوار هاته والتي تمت في بيت أحرضان الذي لم يتوقف عند هذا الحد، بل زاد من لهيب الخلاف حين فجر الرجل قضية ارتشاء في ما يعرف بفضيحة قطاع البريد والتلفون والتلغراف. ورطني حضوري الحوار المثير للجدل في تهمة المشاركة رغم أنني كنت مجرد ضيف، وبدأ البصري يبحث عن مخرج من الورطة التي أغضبت الملك الذي رفض نشر غسيل المغرب على سطح جارتنا. استدعاني البصري إلى بيته من أجل استطلاع رأيي في قضية «إلبايس»، اعترضت على بيان حقيقة، حررته مصالح الداخلية، أطلعني عليه الوزير لإبداء وجهة نظري، بعد أن سلمه لأحد الصحافيين من جل تعميمه على الصحف، تبين لي أن البيان يتهم أحرضان ويورطه في القضية».
لكن الثالثة كانت ثابتة، إذ بلغ الملك الحسن الثاني أن أحرضان بصدد التحضير للجمع العام التأسيسي لجمعية «أكراو أمازيغ»، استدعى له كبار الشخصيات من بينها السينغالي السابق ليوبول سيدار سينغور. ارتفعت وتيرة الغضب بعد التقرير الذي نقله إدريس البصري للحسن الثاني، فقررت وزارة الداخلية بناء على توجيهات القصر منع تأسيس الجمعية، وشرعت في إعداد بديل لأحرضان، إذ «عقد مؤتمر استثنائي لحزب الحركة الشعبية سنة 1986 أقيل خلاله أحرضان وانتخبت لجنة من 8 أمناء عامين استقلوا طائرة باتجاه مراكش ليستقبلهم الحسن الثاني ويقرر تعيين امحند العنصر أمينا عاما جديدا للحزب»، على حد شهادة لحسن بروكسي.

مداخلة فاروق النبهان تدفع الحسن الثاني لتقديم بيان حقيقة
في أحد الدروس الحسنية الرمضانية، افتتح رئيس علماء المغرب الدرس الأول، واقترح الملك الحسن الثاني أن يلقي محمد فاروق النبهان مدير دار الحديث الحسنية الدرس الثاني، الذي اختار موضوعا للدرس بعنوان: «منعطفات في مسيرة الثقافة الإسلامية»، وهو أول درس يلقيه النبهان بعد تكليفه بالإدارة. تحدث الرجل في الدرس عن الثقافة الإسلامية والمنعطفات الأساسية التي اعترضت طريق هذه الثقافة، الإيجابية والسلبية، وناقش كل ذلك بموضوعية، وطرح رؤيته لمخططات الإصلاح الثقافي في العالم العربي، وأهمية النهوض بهذه الثقافة، وأكد أنه في حديثه لا يقصد المغرب ولا يستثنيه، خلال الدرس انتقد الدكتور محمد فاروق واقع الثقافة المعاصرة كما انتقد واقع العمل الإسلامي وطالب بإعداد استراتيجية موحدة للنهوض الثقافي في المدارس والجامعات، وفي المناهج التربوية، وفي وسائل الدعوة، وأكد على خطورة التحديات التي تواجهها الثقافة الإسلامية والتي تتمثل في تخلف المناهج التربوية، ودور المدارس والجامعات الأجنبية في تشويه الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامي وتسليط الضوء على الجوانب السلبية في هذه الثقافة.
يقول النبهان في موقعه الإلكتروني: «كان الملك ينصت كعادته باهتمام بالغ وعبرت عن كل أفكاري التي أؤمن بها بحرية كاملة، وتكلمت عن التراث وطالبت باختيار النافع والمفيد منه ودعوت إلى أن الاهتمام به لا ينبغي أن يكون على حساب الاهتمام بالثقافة المعاصرة وما تنتجه عقول المفكرين المعاصرين. وأخيرا وصلت إلى دار الحديث الحسنية، وأردت أن أطرح رؤيتي لمستقبل هذه المؤسسة كما أراها وكما يجب أن تكون، ورسمت ملامح هذه الدار كما كنت أريدها، وكنت اعتقد أنني أؤدي الأمانة، فإذا كانت هذه الرؤية توافق ما يريده الملك فإنه من المؤكد أن الملك سوف يشجع ذلك».
تبادل الحاضرون النظرات وانتظروا رد الملك على مدير يقدم نقدا ذاتيا لدار الحديث، خاصة حين خاطب النبهان الملك مباشرة: «يا جلالة الملك إن دار الحديث الحسنية بين خيارين لا ثالث لهما إما أن تكون أو لاتكون. وشرعت بعد ذلك في شرح تصوراتي وأفكاري حول مستقبل هذه الدار، وقلت إن الدار يجب أن تنجب جنرالات في الفكر وليست مهمتها تكوين وعاظ».
يضيف المدير بأنه كان منفعلا عندما طرح هذه الأفكار على خلاف عادته في دروسه السابقة، أحس الملك بما كان يعانيه في داخله من احتقان، ولعله التمس له العذر في ذلك.
وكانت وجوه الجالسين واجمة والأعصاب متوترة، والكل ينظر إلى ملامح الملك وهم خائفون، يترقبون ويتساءلون عما يمكن أن يكون. ولم تكن طبيعة الملك مما يقبل أن توجه إليه مثل هذه الكلمات.
ولما انتهى الدرس كالمعتاد أمسك الملك بالمكروفون، وألقى كلمة مطولة استمرت لمدة عشرين دقيقة، وكانت كلمة هادئة عاقلة أشبه ببيان حقيقة. ولما انتهت الكلمة نهض الملك وتقدم المحاضر للسلام عليه، ولم يتكلم في موضوع الدرس، ولم يعلق عليه، وانتهى المجلس، والكل حائر ومتوتر، «اعتقد البعض أنني قد وجهت النقد للحكومة وأنني أحرجت الملك في هذا المجلس، واضطر للتخفيف من أثر كلامي بالكلمة التي ألقاها بعد الدرس».

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق