GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

عندما يصمت الشعراء

عندما يصمت الشعراء

المنطق الذي تدير به الحكومة ملف احتجاجات طلبة كلية الطب قديم ومتجاوز ولا يأخذ بعين الاعتبار مستوى ووعي طلبة الطب.

أولا خاطب وزير الصحة الطلبة بمنطق أبوي مضحك عندما قال إنه يعتبرهم بمثابة أبنائه. وعندما اكتشف أن منظره بعد ما قاله أصبح يبعث على السخرية تدارك الأمر وطلب من زميله في الداخلية أن يجمع له أولياء أمور التلاميذ، عفوا، الطلبة، لكي يحذرهم من مغبة ما ينتظر أبناءهم. وهنا استعمل الوزير ما يسميه المغاربة «التبرية»، أي أنه تبرأ من هؤلاء الطلبة العاقين أمام أولياء أمورهم.

وعندما اكتشف الوزير أن رؤوس أولياء أمور الطلبة أصلب من رؤوس الطلبة أنفسهم، وبما أن رئيس الحكومة هو أكبر «معكس» في هذه البلاد وهو القائل إن الخدمة الإجبارية ستبقى ولو جاءته الصين بكاملها تطلب إزالتها، فقد انتهت الأمور إلى الحل التقليدي الذي تلجأ إليه الدولة كلما «حرافت ليها»، وهو التدخل الأمني والاعتقالات. وهو المنطق الذي دبرت به الداخلية كل أزماتها مع طلبة الطب منذ 92 وإلى اليوم.

وقد التقطت العناصر الأمنية الإشارة سريعا، حيث اقتحمت عناصر القوات المساعدة صباح الخميس بهو كلية الطب والصيدلة بالرباط، وقامت باعتقال أربعة طلبة وتفريق وقفة كان طلبة الكلية بصدد تنظيمها في إطار إضراب متواصل كانوا قد أعلنوه مطلع شتنبر الماضي.

والظاهر أن لبعض وزراء هذه الحكومة طريقة غريبة في مخاطبة الناس والتعامل مع مطالبهم. فرئيس الحكومة ينصح الطلبة الأطباء بقبول الخضوع للخدمة الإجبارية والذهاب إلى الجبال والقرى لعلاج الناس بالكلمة الطيبة ودون حاجة لأي دواء أو أجهزة طبية، لأن الشفاء، حسب رئيس الحكومة، لا يحتاج سوى للنية.

أما زميله وزير التعليم العالي، الناطق الرسمي باسم لوبي الجامعات الخاصة، فليست هذه هي المرة الأولى التي يسخر فيها من الأدب محقرا من شأن من يختارون شعبه في الدراسة الجامعية.

فالوزير الذي كل منجزه العلمي أطروحة نظرية في الاقتصاد الإسلامي، لا يمكن العثور عليها في أي مكان لسبب يعرفه الوزير وحده، يعتقد أن المستقبل يصنعه العلميون أما الأدب فلا يصنع غير العاطلين.

لقد نسي معالي الوزير الذي ضمن مستقبل ابنيه، الأولى زوجها بثري زاياني والثاني تدبر له منصب مدير في شركة بلادن، أن إسرائيل التي تعتبر واحدة من أكبر الدول العسكرية كانت ولا تزال تخشى قصائد محمود درويش أكثر من أي شيء آخر.

صحيح أن العالم يحتاج العلم والتقنية لكي يتطور، لكنه يحتاج الشعر لكي يكتشف أن أهم قيمة في الحياة هي الحب.

ما قاله وزير التعليم العالي في حق الأدبيين من تبخيس، يجعلنا مضطرين لإثارة انتباه الوزير إلى ضرورة استحضار أثر الشعر، أحد أهم شعب الأدب، وأهميته في وقتنا الحالي، حيث قيم الشهامة والشجاعة والإيثار والاعتزاز بالنفس والموطن تندثر بسرعة قياسية. فمهمة الشعراء، الذين ينحدرون من شعب الأدب، في كل العصور كانت حاسمة في الدعوة إلى الاصطفاف إلى جانب قيم الجمال والحق والعدالة، ودائما عندما تنهار الحضارات يكون الشعراء، وليس العلماء، مسؤولين عن هذا الانهيار، لأنهم سدنة المعبد حيث ناقوس الخطر الذي يجب أن يدق.

وكما قال «بريخت» في إحدى قصائده «إنهم لن يقولوا كانت الأزمنة رديئة، وإنما سيقولون لماذا صمت الشعراء؟».

كم نحن محتاجون إذن إلى شعراء معاصرين ينطقون بلسان الشعب، يعوضون كل أولئك الشعراء الذين يتزاحمون في الأنطولوجيات بلا طائل، ويتهافتون على الدعوات السخية لقراءة قصائدهم السخيفة أمام الكراسي الفارغة في الأمسيات الباردة.

الشعر، مثله مثل الصحافة، لديه وظيفة خطيرة في المجتمع، وهي وظيفة التعبير بالكلمات والصور عن كل ما يعجز الآخرون عن التعبير عنه. هناك من يستغل ملكة الشعر والصحافة في الارتزاق والتكسب والاغتناء، وهناك من يختار أن يكون صعلوكا يتهمه أسياد القبيلة بالخروج عن الطاعة، وكل واحد حر في اختيار قبيلته الشعرية.

عندما نلقي نظرة نحو الساحة الشعرية نكتشف أنها أصبحت تتزاحم بمرصفي الكلمات ومروضي الصور، والمتحذلقين الذين يجيدون الوصف والألاعيب البلاغية المقعرة، متصنعين الغموض لكي يظهروا للقارئ عميقي الخيال.

هؤلاء الذين يتهافتون على وضع أسمائهم في الأنطولوجيات الشعرية الأجنبية لكي يضمنوا أمكنتهم في لائحة أسماء المدعوين إلى المهرجانات الشعرية العالمية، حيث يمكنهم التقاط الصور وهم يتصنعون الانخطاف وهم منهمكون في قراءة أشعارهم المترجمة الفاقدة للمعنى، لكي ينشروها في ما بعد في صفحاتهم بالفيسبوك لإقناع العالم بأنهم شعراء.

والسبب وراء انتشار هذه الطحالب في الساحة الشعرية هو جهل أشباه الشعراء هؤلاء أن الشعر هو حالة وجودية وليس رصفا متحذلقا للكلمات. ويمكن أن تكون لديك روح شاعر دون أن تكون قد كتبت يوما أية قصيدة.

فالشعر هو القدرة على التمرد على السائد والثورة على المبتذل والصراخ في وجه الصمت والجبن والحقارة البشرية. وهذه الصفات غير متوفرة للأسف الشديد في شعراء اليوم.

فالغالبية الساحقة تبحث لكي تفوز بجائزة مالية مقابل حفنة من القصائد، وتريد أن تضع أسماءها في أنطولوجيات شعرية أجنبية، ومنتهى أحلام أغلبهم أن تتم المناداة عليهم للمشاركة في مهرجان شعري في الخارج.

أنا أحد خريجي كلية الآداب الذين يسخر منهم ويحتقرهم وزير التعليم العالي، وسواء لبحثير لنيل شهادة الإجازة أو بحثي لنيل دبلوم الدراسات المعمقة، أو مشروع بحثي لنيل الدكتوراه الوطنية، فإنني اخترت الشعر كموضوع للبحث ولست نادما على ذلك، لأن الشعر علمني المقاومة.

أتذكر أنه في أقسام الثانوي كان لقاؤنا الأول مع الشعر العربي. في ذلك الزمن الذهبي كان الشعراء بمثابة الصحافيين بالنسبة إلينا اليوم. يتناقلون أخبار القبائل والحروب والأمجاد والأحزان والمسرات بشكل منظوم في الأسواق والمجالس على ألسنة رواة حفظة، مهمتهم الوحيدة هي تلقف ما يصدر من الشاعر وحفظه ونشره على العموم شفويا. فالكتابة كانت عيبا آنذاك، وكل من يتجرأ على الكتابة يتم تعييره بضعف الذاكرة، وهي تهمة مخجلة توازي في فداحتها ما يسميه المحامون اليوم «السب والقذف».

في تلك العصور الجاهلية كانت القبيلة عندما يولد لها شاعر تقيم الأعراس والحفلات لأسابيع طويلة، لأن القبيلة سيكون لها لسان حالها الذي سيدافع عنها عندما يهاجمها شاعر قبيلة أخرى. وكم من حرب نشبت بسبب بيت شعري «مسموم»، أو كلمة غزل في فتاة القبيلة المجاورة مدسوسة بمكر في قصيدة هجاء.

خلال سنوات الرصاص وما تلاها من سنوات التناوب، وعندما كان اليسار الاشتراكي يريد أن يصرف موقفا أو رسالة باتجاه سائق العربة، كان شعراء الحزب وصحافيوه وكتابه يتكفلون بهذه المهمة. وكانت الافتتاحيات المسمومة تصدر «من يوم لآخر» إلى أن تصل الرسالة. وكم مطبعة تكسرت مفاصلها، وكم صحيفة تم الحجز عليها بسبب أن الأشواك التي أكلتها أفواه الانكشارية الشعرية والإعلامية نيابة عن السياسيين، كانت حادة أكثر من اللازم.

فقد عاش المغرب أزمنة كان فيها الشعراء يدفعون الفاتورة نيابة عن السياسيين، فانتهى العديد منهم في السجون والمعتقلات والمنافي، من أجل أن يصل السياسيون إلى الكراسي التي حلموا بها دائما. فالسياسي يمارس السياسة من أجل عيون السلطة ولا شيء آخر غير السلطة، وعندما يصل إليها يصنع كل ما بوسعه لكي يبقى متشبثا بها لأطول وقت ممكن.

وقد يحدث أن يمارس الشاعر السياسة، لكن من جانب عاطفي، إذ بمجرد ما يفشل في الوصول إلى السلطة أو عندما يصل إليها ويفشل في المحافظة عليها، يعود أدراجه إلى «حبه القديم»، فيعود السياسي الشاعر إلى قصائده والسياسي الأستاذ إلى جامعته ومحاضراته والسياسي الباحث إلى بطون الكتب.

وحده السياسي المحض يبقى مصرا على العودة إلى كرسي السلطة، منتهى طموحه وأقصى ما يحلم به. وفي سبيل هذا الحلم يسترخص السياسي كل شيء، بما في ذلك مبادئه التي يغيرها بحسب الظروف والمصالح.

فالسياسي كائن حربائي يتلون بألوان المرحلة، ويستطيع أن يذيب معدنه ويخلطه بأشد المعادن رداءة لكي يحصل على بريق السلطة. والسياسي لديه قناعة راسخة بأنه قادر على قولبة الجميع واستعمالهم كيفما شاء من أجل الوصول إلى هدفه. فالشعراء والصحافيون والباحثون والجامعيون والفنانون والمبدعون والرياضيون كلهم أدوات يستطيع أن يجعلها في خدمته وقتما وجد الحاجة إلى إحداها ملحة.

والواقع أن السياسي يفوض مهمة إطالة اللسان والجهر بالحقائق للشاعر، لأنه يحتاج قواربه كاملة ولا يستطيع حرق أي واحد منها. فالسياسي يستطيع أن يكون خصما لسياسي آخر، وفي الغد يمكن أن يصبح حليفه إذا ما رأى أن مصلحته تقتضي دفن الخلاف وتغيير البندقية من كتف إلى كتف.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. حميد العماري

    قد يكون السياسي من الدهاء الى حد يمكنه من استخدام الجميع لمصلحته. ..وهدا يبقى في النهاية تكتيك فقط…بينما ينخرط الفنان كليا و بشكل عميق ان هو امن بقضية ما و قرر النضال من اجلها و غالبا ما يتسم خطابه بالمباشرة لدلك نراه و بخلاف السياسي يتعرض لبطش الخصوم…هيئتت كانوا ام افرادا…..

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة