MGPAP_Top

عندما يكتب الأطباء مذكراتهم صراصير في غرف المرضى وحالات إنسانية مؤلمة

عندما يكتب الأطباء مذكراتهم صراصير في غرف المرضى وحالات إنسانية مؤلمة

«اعتدنا أن نسمع معاناة المواطن وصرخته داخل مستفشيات أشبه بغرف استقبال نحو الآخرة وعالم البرزخ. لكننا لم نسمع أبدا طبيبا يروي كيف يمضي ساعات عمره في إنعاش المرضى في ظروف صعبة للغاية. تجربة طبيب تستحق أن تُروى، لعلها تكشف لنا جانبا من محاولة الإجابة عمّن يتحمل كارثية الخدمات الطبية بالمغرب».

ظروف عمل كارثية ومستشفيات تتحول كل يوم إلى ملحقات للمقابر
من منا ليس حانقا على ما يقع في المستشفيات العمومية. قصص كثيرة ربما تكون بعدد المغاربة أجمعين، وليس في الأمر أي مبالغة، ما دامت مآسي الملايين من المغاربة بدأت بعد تجاوز عتبات المستشفيات.
العادي أن يروي الناس قصصهم، وأحيانا يكون فيها تحامل كبير على الطبيب، لكن ما ليس عاديا، هو أن يروي الطبيب نفسه كل المآسي التي يراها أمامه.
محمد الزعري جابري، طبيب مغربي شاب متخصص في جراحة الأعصاب، يروي بطريقة لا تخلو من سخرية سوداء تنتقد ما يقع في عالم الطب، ما عاشه، وما سيعيشه أيضا، خلال تجربته المهنية التي تحتم عليه الاحتكاك بمآسي الناس ومعرفة قصصهم عن قرب.
نحاول في هذا الملف مقاربة مسألة مهمة تتعلق بتحديد من يتحمل مسؤولية كل هذا العبث الذي يشهده قطاع الطب العمومي بالمغرب، وحتى الخاص أيضا. إذ أن قصصا كثيرة يتم تداولها للمتاجرة في حياة الناس داخل المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة أيضا. أخطاء طبية فادحة وهفوات بالجملة، حتى أن الخطأ الطبي أصبح عاديا، بينما أصبح غير العادي أن تتكلل العمليات الجراحية بالنجاح.
تجربة الطبيب تستحق أن تروى ليس لأنه طبيب فقط وعليه أن يعرض وجهة نظره في مأساة الطب، لكنها تستحق أن تروى لأنها تحمل تجربة متفردة لطبيب نجح في نقل أحاسيسه عبر الكتابة ليقربنا من نفسية الطبيب، التي بدا واضحا أنها لا تختلف في شيء عن نفسية المريض!
د. الزعري يروي في مذكراته، التي يمكن اعتبارها أول مذكرات طبيب مغربي مزاول لمهامه داخل المستشفيات العمومية. يروي فيها قصص ليالي المناوبة وقصصا أخرى لنهارات لم تكن عادية أبدا.
قصص إنسانية لأطفال في مقتبل العمر، قادهم الإهمال وفقر الأسرة إلى إهمال حالتهم الصحية، كقصة الطفلة إيطو التي أثرت قصتها كثيرا في الطبيب الزعري وخصص لها حلقة خاصة من مذكراته.
أمي فاطنة، قصة امرأة لخصها الزعري في مقولة له بدأ بها حكايته عن السيدة فاطنة المسنة التي عانت مع المرض داخل المستشفى العمومي الذي كان يزاول فيه الزعري مهامه كمتخصص في الأعصاب، لكنه وجد نفسه مضطرا إلى مزاولة تخصصه بوسائل متهالكة. يقول بخصوص هذه السيدة إن الموت يكون راحة بالنسبة للشخص الذي يعاني من المرض والألم. ولعله هنا ينعي مريضته التي كانت تربطه بها علاقة إنسانية أكثر من العلاقة الميكانيكية التي يربطها أغلب الأطباء مع المرضى.
يقول إنه وجد نفسه ذات صباح مضطرا إلى الحديث إليها في سريرها عن وضعيتها الصحية الحرجة، ليجدها كأغلب المريضات اللواتي أشرف على حالاتهن الصحية، غير متعلمة ولا يمكن أن تفهم حرفا مما سيخبرها به. ولأن مثل تلك الحالات تقتضي أن يشرح فيها الطبيب للمريض كل شيء وبالتفصيل الممل بخصوص آمال نجاح العملية الجراحية ومخاطرها على صحته التي تكون متهالكة أصلا، فاجأه جوابها: «افعل ما تراه مناسبا يا دكتور». لكن د.الزعري يقول إنه كان مصرا على أن يشرح لها حالتها جيدا. فجر كرسيا وجلس بجانبها وبيده ملفها الطبي وحاول أن يشرح لها نقطة بنقطة. يقول إنه عندما جلس لاحظ أن المكان بقربها يعج بالذباب أو بقايا الصراصير المتحللة، التي قال إنها تقيم بشكل دائم داخل غرف المستشفى!
يقول متحدثا عن علاقته بالمرضى، إنه يتحاشى في بعض الأحيان النظر إلى أعينهم أو أعينهن كلما كان الوضع حرجا، نظرا لقلة الإمكانيات وافتقار كبريات المستشفيات العمومية بالمغرب إلى الضروريات المطلوبة لإجراء العمليات الجراحية أو الفحوصات المستعجلة التي تكون غالبا لحالات حرجة بين الحياة والموت.
لديه ممرضة ذكرها كثيرا في مذكراته، وقال إنها تتقاضى أجرة هزيلة وتشرف لوحدها على أزيد من عشرين حالة، وهو أمر غير منطقي في عالم الطب، لأن ممرضة واحدة لا يمكنها أبدا علاج ذلك الكم من المرضى دفعة واحدة.
يقول في مقطع آخر متحدثا عن المحسوبية والزبونية، إنه كان يتذمر كثيرا ولا يهضم كيف أن المسؤولين يطلبون من الأطباء عناية خاصة بأسرة معينة، أو أن يتم إعفاء أسرة ميسورة الحال من أداء مستحقات المستشفى فقط لأن أحد أفرادها أو معارفها يعمل في القسم المالي بالمستشفى.. يقول د.الزعري إنه يتقزز من مثل هذه الممارسات التي تتكرر كل يوم في المستشفى العمومي.
في حديثه عن المستعجلات والحالات الحرجة التي تصل إلى أبوابها يوميا، يقول إنه يفكر دائما كيف أن الناس عندما يستيقظون في منازلهم صباحا، لا يتخيلون أن يومهم سينتهي في المستشفى، أمام طبيب وهم في حالة صحية حرجة. وصف هؤلاء الناس بالمساكين. يقول إنهم ربما لا يعلمون أن يومهم سينتهي بين يديه في المكتب البئيس لينعش حياتهم.
أكثر الصور إيلاما في قصص د.الزعري هي تلك التي تتعلق بالمواقف المحرجة داخل المستعجلات، حيث تأتي العائلات التي تعلق أنظارها وآمالها بالطبيب وحده. هذا الأخير نقل كيف أن الأمر لا يتوقف عنده وحده، وكشف كيف أن الطبيب المغربي يعمل بأقل من المسموح به في سلم الحد الأدنى لتقديم العلاج والمعاينة الطبية التي تكون ضرورية في تلك الحالات.
الأكثر من هذا أنه نقل قصة الإنسان. وهو ما يغيب غالبا في مواقف الطبيب عندما يدافع عن نفسه أو تحديد المسؤوليات في حوادث الأخطاء الطبية ووفاة المرضى في قسم المستعجلات بين يدي الأطباء.
يقول د.الزعري في أحد المقاطع إنه كان يفقد القدرة على التنفس كلما ازداد عليه الضغط داخل غرفة العمليات، وأنه كان يستحضر صورة الزوجة الشابة التي تنتظر زوجها الشاب ليخرج من العناية المركزة، بينما هو، أي الطبيب، كان منهمكا في محاولة وقف النزيف الذي كان آخذا في التفاقم على مستوى الدماغ. كل هذا كان يتم بالممكن فقط، في حين أنه كمتخصص، يحتاج إلى أدوات أخرى لتقديم العلاج.
يقول في أحد المقاطع متحدثا عن حالة حرجة لمواطن مغربي، إن آلة طبية لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات، تستطيع الدولة توفيرها في المستشفيات بسهولة، تلعب دورا رئيسيا في الإبقاء على حياة مريض. وكيف أنه كطبيب عليه أن يستغل الوقت لصالحه ويفكر في جزء من الثانية في حل لإنقاذ حياة المرضى، حيث أنه اضطر مرة إلى نقل مريضة إلى قسم آخر، على كرسي متحرك بعجلة واحدة فقط، وهو ما جعل العملية أصعب في حين أن كل ثانية كانت تمضي، كانت تزيد من احتمال أن تفارق المريضة الحياة. يقول إنه لو توفرت تلك الآلة التي سينعش بها المريضة في نفس الطابق لوفر الطبيب وقتا مهما للإبقاء على حياتها. هكذا تصنع المآسي في المستشفيات العمومية.
مقطع مؤثر اختار أن يسميه في مذكراته «صمت الحملان» يلخص كل شيء بخصوص الحالات الإنسانية للمرضى.
السؤال الآن، عند قراءة هذه المذكرات، هو من يتحمل مسؤولية هذا التدهور الكبير الذي تعيشه المستشفيات العمومية؟
كانت تنقصنا رواية الطبيب، ورغم أنها توفرت اليوم، لا تزال الصورة ناقصة، علنا نحدد مسؤوليات الواقفين وراء هذا العبث والاستهتار بصحة المواطنين وحياتهم.
إذا كان المواطن غير قادر على مواكبة العلاج المبكر، ولا يأتي إلى المستشفى إلا بعد أن تتفاقم حالته الصحية، وغالبا ما يأتي محمولا في سيارة إسعاف، تقل فرص نجاته كلما ازدادت كيلومترات المسافة المقطوعة بها، وإذا كان الطبيب كما سنرى في هذا الملف لا يتحمل وحده مسؤولية موت المواطنين فوق أسرّة غرفة المستعجلات.. من يتحمل إذن مسؤولية كل هذه الأرواح التي تزهق يوميا باسم الأخطاء الطبية أو الإهمال؟
يقول د. الزعري إنه اشتغل في ظروف صعبة بإمكانيات ضئيلة، واشتكى من غياب وسائل العمل الضرورية، ونقل بصدق لا شك فيه، كيف أنه كان يستحضر عيون العائلات في الممر وآمالهم المعقودة عليه، وهو يحاول إنعاش مريض في اللحظات الأخيرة، واقفا ببذلته الخضراء، بين الحياة والموت.

من يتحمل مسؤولية ما يقع في المستشفيات؟
غالبا ما تعلق المسؤوليات على المجهول خصوصا أن أرواح الناس لا تحتمل أن تتم المقامرة بها. المواطنون يحملون المسؤولية للطبيب والأخير يحملها للمستشفى، والمستشفى جماد لا يستطيع تحميل المسؤولية لأحد بعده. المشهد عبثي ويدعو إلى الرثاء.
ولأن بعض القصص التي حدثت في المستشفيات كانت لها زاويتان لتروى من خلالهما، فإننا ارتأينا أن نضع رواية مما اشتهر من مآسي المستشفيات العمومية ونضع رواية مشابهة لها، مما رواه الدكتور الزعري جابري في تجربته.
يروي هذا الطبيب كيف أنه يلامس يوميا حالات إنسانية لأرامل مهجورات، ونساء في وضعية صعبة يتخلى عنهن الجميع بما في ذلك أزواجهن، ليتركن لمواجهة الموت وحدهن في غرف باردة لا تتوفر حتى على الأسرّة الكافية لإيواء المرضى الذين يتزايد عددهم كل يوم فما بالك ببقية التجهيزات.
بكل شجاعة يعترف الطبيب الزعري بأن المستشفيات العمومية مأساوية بكل المقاييس، في وقت يكون فيه بعض الأطباء متحمسين للدفاع عن سمعة المستشفى العمومي حتى لو اضطروا إلى الكذب وادعاء أن الخدمات داخل مستشفيات الدولة تحترم المواطنين.
من يتحمل إذن مسؤولية هذه المأساة؟ شهادة الطبيب المختص في جراحة الأعصاب لا تدع مجالا للشك أن من يتحمل المسؤولية هم المسؤولون عن الوزارة وتراكمات سنوات طويلة من الفساد في التسيير داخل وزارة الصحة.
يقول الزعري في وصف إحدى الليالي التي كان خلالها مناوبا إنها كانت جحيما حقيقيا. فبعد أن انتهى من عملية جراحية في مجال تخصصه على الساعة الرابعة صباحا بين يومي الجمعة والسبت في مستشفى عمومي بالعاصمة الرباط، جاءت إليه الممرضة في فترة استراحته وأخبرته أن مريضة دخلت في غيبوبة. قبل أن يتطرق إلى حالتها تحدث عن الممرضة أولا، وقال إنها تحصل على أجر هزيل من الدولة وأنها لوحدها تشرف على أزيد من 25 مريضا، وهذا الأمر يكشف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها من جهة، وسوء التدبير الذي تتحمل مسؤوليته إدارة المستشفى ما دامت قد أوكلت كل تلك الحالات لممرضة واحدة، علما أن الأخيرة لا تعمل في جو عمل مريح.
عندما جاءت إليه الممرضة تفحص ساعة معصمه ووجد أن الساعة كانت تشير إلى الخامسة صباحا، وتذكر أن عليه أن يرسل في طلب مساعده الذي لا بد أن يكون قد استسلم للنوم. هرع الطبيب إلى غرفة المريضة ووجد ابنتها ساهرة بقربها، وحاول إنعاشها من الغيبوبة، وبعد فترة قصيرة من المحاولات التحق به الطبيب المساعد أيضا. كان على الطبيب أن يقرر على الفور. يقول إنه تذكر أن آلة يحتاجها لإنعاش المريضة كانت متوقفة عن العمل، وتذكر أن هناك آلة أخرى في قسم الإنعاش يحتاج وقتا للوصول إليها، ولأن حياة السيدة تتوقف عليه، كما يقول، فإنه اهتدى لنقل المريضة على متن كرسي متحرك، بعجلة واحدة فقط، وهو ما جعل أمر نقل المريضة متعبا للجميع.
في مثل هذه الحالات، قد يفارق المريض الحياة ببساطة، ويكون الطبيب متأكدا أنه لو توفرت له المعدات الكافية، لأنقذ المريض من موت محقق. الخلاصة من القصة أن الإهمال يؤدي إلى مراكمة مزيد من دقائق التأخير. هذه الأخيرة تقود مباشرة إلى الموت، وتجعل الطبيب يرى يوميا مرضاه يتساقطون.

هكذا يموت المرضى نتيجة الإهمال كل يوم أمام أنظار الأطباء
القصة التي رواها الطبيب الزعري، والتي تتحدث عن المريضة التي وجد الطاقم الطبي صعوبة كبيرة في نقلها إلى المستعجلات، حيث كل ثانية تأخير تقلل من حظوظ إنقاذ المريض من الموت، تذكر بقصة وقعت أطوارها بواحد من أكبر المستشفيات العمومية بالمغرب، ويتعلق الأمر بمستشفى الحسن الثاني بأكادير. حيث وقعت حادثة غريبة قبل أربع سنوات تكشف كيف أن التأخير تحول إلى أيام وأسابيع وليس دقائق فقط. شخص تجاوز عمره الخمسين سنة بقليل، توجه إلى إحدى العيادات الخاصة ليجري كشفا على المعدة، ليتضح للأطباء وجود ورم خبيث، سرطان، على مستوى المعدة. توجه المريض، بناء على نصائح الأطباء، إلى الدار البيضاء للاستفادة من جلسات علاج كيميائي للقضاء على الورم الخبيث قصد الاستفادة من جراحة استئصالية في ما بعد.
يحكي ابنه أن جلسات العلاج بإحدى المصحات الخاصة بالدار البيضاء استمرت لما يزيد عن الأربعة أسابيع، استنزفت خلالها الأشعة صحة المريض وضمر جسمه بشكل مهول، لكن الأطباء طمأنوه إلى قرب الشفاء بمجرد استئصال الجزء المريض من المعدة الذي تعرض للأشعة تمهيدا للجراحة الاستئصالية.
بحلول شهر رمضان الماضي، عاد المريض إلى أكادير ليزور الطبيب حسب الموعد المتفق عليه، ليفاجأ المريض وعائلته بأن الطبيب المتابع لحالته يوجد في عطلة، وهو ما جعله يتوجه إلى بيته في انتظار وصول الطبيب المعالج وعودته من الإجازة التي يبدو أنها كانت مفتوحة.
بعد أسبوعين كانت حالة المريض قد ازدادت سوءا، وهو ما جعل أسرته تنقله على وجه السرعة إلى المستشفى بواسطة سيارة إسعاف بعد مساومات مع سائقها لم تنته إلا بأداء تكاليف البنزين. أدخل المريض إلى العناية المركزة، وبعد ساعات من الانتظار جاء الطبيب المشرف على القسم ليفحص المريض ويخضعه لفحوصات بالأشعة للوقوف على حجم الورم وطرق استئصاله، في الوقت الذي لم يظهر أي أثر للطبيب الذي كان يتابع الحالة من بدايتها ولم يخطر المريض وأهله بموعد عطلته الذي تزامن مع الموعد الذي ضربه لهم قبل التوجه إلى الدار البيضاء للخضوع لجلسات العلاج الكيميائي.
بعد انتهاء الطبيب من الفحوصات، أخبر أسرته أن لا أمل في شفائه، لأن حالته ازدادت سوءا بعد مضي أكثر من أسبوعين على الموعد المحدد للجراحة. وأن المعدة التصقت إلى الحد الذي أصبحت معه بسمك صفحة، وبالتالي يستحيل إجراء الجراحة الاستئصالية.
السبب في تفاقم الوضع راجع إلى غياب الطبيب في الموعد المحدد للاستئصال، وهو ما جعل حالة المعدة تزيد تدهورا، وتأثير العلاج الكيميائي يتفاقم أيضا. الطبيب الذي أجرى الكشف المتأخر أكد لأهل الرجل أن العملية لو أجريت في موعدها المحدد، أي قبل أسبوعين، لتم إنقاذه، أما في الحالة تلك فإن الأمل في الشفاء يكون ضئيلا جدا. توفي الرجل بعدها بأيام قليلة، ولا شك أن الطبيب سيعود من عطلته ليجد ملف المريض لا يزال فوق مكتبه المغلق.
لماذا نورد هذه القصة؟ السبب يرجع إلى محاولة عقد مقارنة بين ما يرويه الطبيب وما يقع في المستشفيات لمحاولة فهم السبب الكامن وراء ما يراه المواطنون على أنه استهتار بأرواحهم، والحال أنه كذلك. إذ لا يمكن تفسير الممطالة في العلاج، وإعطاء المواعيد التي ترسل المرضى لبيوتهم لأشهر قبل العودة مجددا لفحص طبي، والحال أنهم يحتاجون تدخلا عاجلا. رواية الطبيب التي نوردها هنا، تشرح كيف أنه عاش تجارب مؤلمة غارقة في الإنسانية، ولم يكن يملك أمامها إلا أن يتأثر لأن مجهودات الطبيب والممرض وحدها لم تكن كافية لإنقاذ أرواح تحتاج إلى وسائل تطبيب لتحركها همّة الطبيب.

هذه أكثر الليالي رعبا في حياة طبيب الأعصاب
يقول الزعري متحدثا عن ليلة مرعبة. إنه كان متوجها من مكتبه إلى غرفة العمليات، وما إن دفع الباب حتى صادف مشهدا مرعبا سيبقى لصيقا بذهنه. قال عنه إنه واحد من أكثر المناظر التي رآها في حياته رعبا. يقول إنه ما إن دفع الباب حتى رأى شابا في 18 من عمره، ملقى بجانب زوجته ويظهر على رأسه أثر تورم دموي في الدماغ بشكل مرعب، وإلى جانبهما كانت هناك سيدة في الخمسينات من عمرها، قال الطبيب إنها في مثل عمر أمه، وكانت في وضعية صعبة للغاية.
هؤلاء جميعا كانوا يحتاجون إلى تدخل طبي عاجل. يواصل الزعري القول بأنه كان عليه أيضا أن يتحدث مع أسرة مريضة أخرى، وطلب من ذويها أن يرافقوه إلى الممر حتى يتحدث إليهم بحرية، لكن ابنة المريضة كانت قد أجهشت بالبكاء قبل أن يتكلم. يقول إنه اضطر وقتها ليعيش أصعب لحظة في حياته لأنه رأى كيف أنه عاجز تماما عن إنقاذ حياة المريضة أمام بكاء ابنتها، وتحرك داخله الإنسان ليضع نفسه مكان أسرتها وابنتها التي لم تتوقف عن البكاء. يتساءل طبيب الأعصاب ماذا سيكون مصير السيدة لو أن إدارة المشفى وفرت آلة تساوي بضعة آلاف من الدولارات، ولكم أن تتخيلوا عدد الأرواح التي سيتم إنعاشها بشكل سريع بدل مشاهدتها تفارق الحياة أمام أعين أفراد الأسرة وبحضور الطبيب.

شهادة مؤثرة من قلب غرفة العمليات
لا أحد يعلم ماذا يدور في تلك القاعة المغلقة التي تسمى غرفة العمليات. الداخل إليها مفقود والخارج منها لن يكون مولودا بالضرورة، لأن الكثيرين دخلوها مفقودين وخرجوا منها جسدا بدون روح. في شهادة هذا الطبيب، محمد الزعري، توجد إفادات كثيرة عن غرفة العمليات وينقل لنا فيها، إحساس الطبيب وهو يشرف على حالة حرجة يمكن أن تفارق الحياة في أية لحظة.
نسمع عن قطع الإسفنج التي تبقى مستقرة في جوف المرضى، وعن الأخطاء الكارثية، لكننا لم نسمع يوما عن شهادة طبيب مع العمليات المحرجة وكيف يكون إحساسه وهو يشرف على عملية بالغة التعقيد، خصوصا إذا كان الأمر متعلقا بجراحة الدماغ.
حتى لا تكون شهادة الطبيب هنا أحادية. اخترنا أن نورد قصتين لمواطنين مغاربة، سبق أن تعرضت لها الصحافة الوطنية، تتحدث عن مآسي مرضى ليس مع غرف العمليات فقط، وإنما مع الطريق إليها أيضا. رغم الانتقادات التي توجه للأطباء بخصوص ما يقع داخل غرف العمليات، فإنها تبدو رحيمة مقارنة مع القصص الآتية، خصوصا أن أبطالها لم يتمكنوا من ولوج غرف العمليات أو العناية المركزة. ستصابون بالدهشة عند معرفة السبب.
أشهر واقعة في هذا الباب، ما تعرض له حارس مرمى إحدى الفرق الوطنية السنة الماضية، من منع من الدخول إلى مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، بل لم يسمح للاعب بالنزول من سيارة الإسعاف التي أقلته من الملعب عندما كان فريقه يواجه فريق الرجاء البيضاوي، بدعوى أن العنوان المدون بالبطاقة الوطنية للمصاب يقع بسلا، في حين أنه يوجد آنذاك بمستشفى بن رشد بالدار البيضاء. امتنع المستشفى عن استقبال المريض ونصحه بالتوجه إلى سلا للاستفادة من تدخل طبي عاجل، ما دامت بطاقته الوطنية تحمل عنوان الإقامة بتلك المدينة. وهو ما يعني أنه كان ممنوعا من ولوج غرفة عمليات مستشفى عمومي.
حوادث أخرى تتشابه مع الواقعة التي تفجرت في الصحف الوطنية العام الماضي، إذ حدث مرة أن امتنع مستشفى بن رشد، مرة أخرى، عن استقبال رجل أصيب في حادثة سير على الطريق السيار، قادما من الرباط في اتجاه الدار البيضاء، ولأنه مقيم بالرباط، فإن إدارة المستشفى كانت حاسمة، ونصحت سائق سيارة الإسعاف بنقل الرجل إلى الرباط للاستفادة من الخدمات الطبية.
فور وصول سيارة الإسعاف إلى الرباط، امتنع الطبيب عن معاينة المصاب إلى حين انتهاء الشرطي من أخذ أقواله، وتحديد سبب الحادث، وهو ما أدى إلى وفاة الضحية بعد نزيف حاد وصراع من أجل البقاء.
دائما ما يسجل الناس تذمرهم من تعقيدات الإجراءات الإدارية على أبواب المستشفيات العمومية وتركيز القيمين عليها أولا على أخذ بطاقة التعريف الوطنية وملء الاستمارات وانتظار حضور الدرك أو الشرطة أحيانا، على حساب حياة المرضى الذين يكونون غالبا في حالات حرجة.
بالعودة إلى الطبيب الزعري، فإن قصته مع غرفة العمليات مثيرة أيضا. يقول عن شعوره داخل الغرفة، متحدثا عن قصة الشاب الذي تركه رفقة زوجته ممددا في مدخل بوابة الرواق المؤدي إلى غرفة العمليات، إن مشاعر كثيرة اختلطت داخله وهو يشرف على حالة الشاب الذي كان يعاني من نزيف داخلي خطير في الرأس وأنه كان يتعين عليه أن يتدخل سريعا لوقف النزيف لأن الورم أصبح كبيرا جدا. كان يتخيل ملامح زوجته في المدخل، وهي تنظر إلى الطبيب بينما كانت تحمل رأس زوجها بين ذراعيها وكأنها تستأمنه على حياة زوجها.
يقول الطبيب في هذه الحالة إنه أحس وكأنه محكوم بالإعدام في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذ الحكم. ليس في الأمر أي مبالغة لأن حياة الشاب كانت في وضع حرج للغاية، خصوصا أن الطبيب يقول هنا إنه جرب جميع الوسائل لإنقاذه من الموت. الأخطر من هذا، يقول، إنه لن يسامح أبدا المسؤولين لأنهم يجعلونه وبقية الأطباء يجرون العمليات في مثل تلك الظروف التي تفتقر إلى المعدات المناسبة، لأنه كاد يتلف كل شيء عندما تعذر عليه التحقق من منسوب الدم في دماغ الشاب المريض.
تنفس الطبيب الصعداء في الأخير لأنه استطاع إنقاذ الشاب، لكنه لم يخف حجم التوتر الذي عاشه خصوصا أنه كاد يفقد المريض إلى الأبد في لحظة من اللحظات. عندما انتهى من إجراء العملية، يقول إنه خرج من «البلوك» ولم يكن يقوى أبدا على التنفس، أحس كأنه يوجد في مكان لا يتوفر فيه الهواء، فقرر أن ينسحب إلى الخارج بحثا عن الهواء النقي. ضغط رهيب جدا في محيط غرفة العمليات.

قصص لمرضى نجوا بمعجزات
يوم الأربعاء، كباقي أيام الأربعاء الأخرى، يقول الطبيب، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا بينما كان هو منهمكا في تفقد المرضى وعندما وصل إلى المريض الحادي عشر، وقعت له قصة ذكرته بسيدة اسمها «إيطو».
يقول إن كل شيء بدأ في ليلة للمناوبة منتصف شهر يناير. إذ كان د.الزعري منهمكا في مكتبه، حتى سمع طرقا على باب المكتب، متبوعا بصوت ممرضة كانت تصيح: «دكتور الزعري دكتور الزعري. نحتاجك على الفور، هناك أب جاء مصحوبا بابنته الصغيرة».
يقول إنه خلال تفقد وضعية الفتاة، التقت عيناه بعيني الأب، وكانتا مغرورقتان بالدموع. كان يحمل بين يديه يدي الطفلة «إيطو»، مغمى عليها. لم يكن عمرها يتجاوز ست سنوات، ونادى بسرعة على الطبيب المساعد، لتنقل الطفلة إلى «السكانير» لتشخيص حالتها. يقول الطبيب إنه اغتنم الفرصة حتى يسأل الأب عن قصة طفلته «إيطو» ليخبره أنها آخر أبنائه الثمانية وأنها لا تدرس. أي أنها لا تعرف القراءة ولا الكتابة. قال الأب إنه يعمل مزارعا وأنه يشتغل موسميا، ولا يتوفر على المال الكافي لعرض ابنته على طبيب مختص لتشخيص حالتها، لذلك تأخر حتى تفاقمت وضعيتها.
كانت تعاني من التهاب خطير في الأذن، ولأن الأب لم يكن يملك الإمكانيات الكافية، لم يعرضها على الطبيب عند بدء معاناتها مع آلام الأذن، وتركها إلى أن تفاقمت حالتها ولم تعد تطيق العيش بكل تلك الالتهابات. كان المشفى بعيدا عن مسكن الأسرة بستين كيلومترا.
الدكتور الزعري يعلم أكثر من غيره أن الناس في البوادي لا يملكون مصاريف نقل المرضى عبر سيارات الإسعاف، وهذا الأمر للإشارة يتفاقم في محيط المستشفيات العمومية، لأن إداراتها تطالب المواطنين يوميا بضرورة أداء مصاريف نقل مرضاهم بسيارات الإسعاف إلى المستشفيات المركزية، مع التأكيد على أن يكون الدفع مسبقا، ولكم أن تتخيلوا عدد الأرواح التي تزهق يوميا بسبب تأخر التدخل الطبي المتخصص بسبب البعد عن المركز وعجز الأسر عن أداء مصاريف النقل بواسطة سيارة إسعاف يفترض أنها تابعة للمستشفى أو للسلطات المحلية.
بالعودة إلى حالة «إيطو» فإن الطبيب يقول إن الالتهاب تفاقم بسبب الإهمال وسبب لها غيبوبة أوجبت نقلها إلى المستشفى بعد أن قطعت العائلة كيلومترات كثيرة لإيصالها.
يقول الزعري إن علاجها كان يتطلب تدخل أطباء من تخصصات أخرى، ويعلق ساخرا إنه وبسبب إشرافه على حالات كثيرة من هذا النوع، فقد أصبح متعدد التخصصات رغما عنه.
خصص د. الزعري لإيطو مقطعا كاملا، وهو ما يعني أن قصتها أثرت فيه كثيرا، لأنها عولجت من التهاب الأذن بمعجزة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة