آخر الأخبار

عندما ينتصر الأديب

لطالما فكرت في مستقبلنا لو كانت عندنا حكومة من الأدباء، ولطالما حلمت كيف ستزدهر البلاد بهذه الفكرة المُحَمْسة. لِمَ لا نجرب؟ فماذا سنخسر؟ فمنذ فجر الاستقلال ونحن نرتجل ولم نحفل سوى باليأس والخيبة ونزيف الأمراض العصبية. ما رأيك أيها المواطن المغربي بحكومة أَدِيبة تنعش الآمال وتشجع الأحلام وترسم مستقبلا من وحي ألف ليلة وليلة، لا حكومة استغلالية وابتزازية كل همها العثور على مغارة «علي بابا»، وإيجاد سبل ذكية تنسف جيوب المواطنين البسطاء وتلهب جلودهم برفع الأسعار كلما تورطت في أزمة، أو اتفقت على مشروع شخصي يضاعف مشاريع المدارس الخصوصية وأرباح أصحاب المشاريع الصديقة، ومن الفيلات الفيحاء والسيارات الفخمة المصفحة، وأكلات المطاعم المصنفة، وحمامات الدلك والعرك والاسترخاء. حكومة تقود البلاد بلا بوصلة، تفتقر للمبادئ وللقضية وللضمير، تفرض النظام الآلي والتقني لأنها تخشى من العلماء والأدباء وتجهز على ما تبقى من ثقافة، ولا تريد صنع جيل ينتقدها؟ بربكم كيف ستزهر هذه البلاد بجهلاء مرتجلين وتافهين ومتطفلين؟ هل يعقل أن نظل نصفق ونقرع الطبول في زمن التكنولوجيا المتطورة لصناع الفساد الذين يدّعون الإصلاح ومحاربة ما يجرمونه من فساد؟
تصور معي، أيها المواطن الفطن، حكومة من الأدباء والفنانين؛ من أسماء غيورة وفاعلة في الشأن الثقافي، بدون الحاجة إلى تلك الخردة من الأدباء الذين ظهروا على حقيقتهم، والذين لم نرهم ولم نقرأ لهم ولم نسمع عنهم شيئا منذ مدة، عدا بصمتهم المعجبة التي أصبحت تترصد بنشير الفتيات البائحات بمكنوناتهن وعواطفهن بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقاعدوا عن الإبداع وانصرفوا إلى هواية القنص في هذا الفضاء الجديد الذي فتح عيونهم على عالم جديد مثير لم يحفلوا به في زمانهم.
فالمبدع الحقيقي هو الذي يكافح ويناضل ويحمل همَّ قضية يدافع عنها إلى آخر أيامه، يناقش مواضيع الساعة في المجلات وفي الجرائد وفي قنواتنا المعطوبة، ويطل علينا موسميا بجديد بنات أفكاره لا أن ينصرف إلى هواية القنص والتعالي في برج ويخلق هوة بينه وهذا العالم الدموي المحيط به وكأن الأمر لا يعنيه.. فما يحصل اليوم من اختلال وشرخ مسؤولية النخب السياسية والمثقفة والتربوية، وعلى الأديب كما المسؤول السياسي والتربوي أن يقول كلمته بأمانة ويدافع عن مصلحة العامة لا أن يفسح المجال للدجالين والأميين ليعبثوا ويتمردوا.
فمنذ الأزل كانت الكلمة للأديب والفنان، لمَ تهاون وانصاع اليوم؟ لمَ جعل كلمته السفلى إن تبقت له كلمة في زمن طاغ؟ والتاريخ يشهد بأن السلطة الأقوى كانت للإبداع وليس للسياسة. نحب الأدباء ونذكرهم ولا نتعاطف مع الحكماء والجلادين والطغاة. نعرف فان جوخ ودافينشي وبيكاسو وسيزان ودالي… ونذكر «الإلياذة والأوديسة» لهوميروس في الأدب الإغريقي، ونذكر أفلاطون وتلميذه أرسطو، وأعلام الأدب الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي. نستشهد بأقوال أستروفسكي ودوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف ومكسيم غوركي من الأدب الروسي. ومن منا لا يعرف موليير ولافونتين وفولتير وروسو وهوغو وبلزاك وفلوبير ورامبو وكامو وسارتر من الأدب الفرنسي. ومن منا لا يحفظ ويستشهد في كتبه أو في مواقع التواصل الاجتماعي بأقوال الأدب الحديث.. من منا لا يعرف أحمد شوقي والسياب والعقاد وطه حسين ونجيب محفوظ والماغوط وحنا مينه والطيب صالح وغسان كنفاني وزفزاف وشكري ودرويش وأدونيس…
نذكر كمًّا هائلا من الأدباء والفنانين في مقابل أشلاء معدودة من السياسيين الذين تركوا بصمتهم الفذة أو الدموية في التاريخ، أمّا البقية فقد نسيها التاريخ في علبة نفاياته وتنكر لها كما تنكرت له وعبثت به وعاثت فيه فسادا.
أحيانا أتساءل ماذا خلف رئيس حكومتنا والذين سبقوه ليذكر غير الزيادة في الأسعار وسلطة إقناعية باهتة ومكشوفة، وبيع بالجملة للبشر وللأعضاء الجسدية، ولتاريخ هذه البلاد (الوثائق والتحف الفنية) ولخيرات البر والبحر؟ لو خلف كل الذين تعاقبوا على قصعة هذه البلاد كتاب جيب وأسموه «كفاحي الباهت» تيمنا بهتلر، لظل أبناء وأحفاد هذا الوطن يذكرونهم على الأقل بالشتائم واللعنات، وماذا خلف وزراؤنا المتلهفون على نهب المال العام؟ فلو خلف لنا وزير التعليم مؤلفا موسوما بفشل التدبير التعليمي، لبصم اسمه أفضل من الفضائح التي شوهته. إنهم لا يخلفون سوى ماض حافل بالتشوهات والعاهات. فالأديب الحقيقي، على الأقل، يفكر في مصلحة الشعب لأنه يحترم قرّاءه، ولو ابتلي بداء الاختلاس، فلن يسرق جملا، قد يتطاول على ديك أو على فنجان قهوة ليركز ذهنه من أجل تشخيص الواقع المريض، لكنه لن يجوع أبناء الشعب ويتخم أبناءه، وحتى وإن ابتلي بداء الاستثمار فلن يذهب أبعد من استثمار ماله والمال العام في المعرفة، لأنه موقن بحاجة البشرية إلى المعرفة وإلى الرقي بالعقل لتوفير ظروف عيش تليق بالبشرية.
ولنكن واقعيين أكثر، فأغلب البلدان تعرف بأعلامها الفنية والرياضية والأدبية. وأغلب المدن ترتقي بأبنائها، تعرفنا على القاهرة مع روايات نجيب محفوظ، وعرفنا اللاذقية مع حنا مينه، وعكا مع درويش، وحيفا مع غسان، وقسنطينة مع أحلام مستغانمي، وطنجة مع محمد شكري، وروما مع ألبيرتو مرافيا وبراغ مع كافكا… ونادرا ما نجد تمثال سياسي يتوسط مدينة يطلب نصبه شخصيا، أما الأديب فلا يجبر أحدا على نحت تمثال خلوده ولا يجبر أحدا على تسمية مَعْلَمة باسمه، مساره هو الذي يخلده أو يقبره. وهذا يحيلنا إلى حاجة البشرية إلى أدباء صناع فكر وعقل وليس إلى ساسة صناع حرب. فالتاريخ يشهد أنهم يشعلون الفتيل ويحرضون البسطاء على الاقتتال حتى إذا اقتربوا من مصالحهم انسلوا وتركوا البسطاء يسبحون في الدماء.. اسألوا التاريخ عن جرائمهم.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة