كتاب الرأي

عيشوري عيشوري

حسن البصري
تمكنت عناصر الأمن على مستوى ولاية الدار البيضاء، في نهاية الأسبوع الماضي، من اعتقال عدد من الأشخاص متورطين في قضايا تتعلق بحيازة شهب نارية ومفرقعات وترويجها، وحيازة أسلحة بيضاء.
باسم عاشوراء وتحت ذريعة تخليد طقوسها الراسخة في القدم، تنشط شبكات ترويج الشهب النارية والمفرقعات وترفع رقم معاملاتها المالية إلى الأعلى، وهي تغرق سوق الكرة بكميات كبيرة من «الفيميجان» بمختلف أحجامها وألوانها.
ولأن فصائل «الإلتراس» هي الزبون الأول لهذه البضاعة التي لا تستقيم الفرجة إلا إذا انفجرت عبواتها في المدرجات، فإن تجار الشهب النارية يجدون في المناسبة فرصة لترويج «المحظورات» دون أن ينتبه المخبرون لذلك.
أعرف شابا يقتات من اقتصاد المدرجات، بدأ مساره المهني بعد أن انقطعت أوتاره الدراسية، وشرع في بيع تذاكر المباريات في السوق السوداء، قبل أن يتحول إلى بائع متجول للشهب النارية إيمانا منه بأن المباريات لا تسلم من الأذى إلا إذا سمع صوت المتفجرات. الانتقال من «مارشي نوار» إلى «الفيميجان» كلف الفتى أكثر من توقف اضطراري في مخافر الشرطة وخلف قفص الاتهام، لكنه كان يعرف كيف يتحول بقدرة قادر من مزود للسوق بالمتفجرات إلى مجرد مستهلك لا علم له بخطورة الفعل المرتكب.
وضعت السلطات الأمنية يدها على شبكة مختصة في تزويد جمهور الملاعب الرياضية وكرة القدم على الخصوص بالشهب النارية، وتم تفكيك الشبكة التي كانت تستعد لتغرق سوق الكرة بالمفرقعات قبل الدخول الكروي، وكأنها جزء من أدوات الفرجة الكروية.
تبين بعد التحقيق الأولي أن الإقبال واسع على الشهب، في صفوف الشباب، وسجلت اعترافات بوجود نية إشعالها في فضاءات بعض المؤسسات التعليمية مع الدخول المدرسي، وتأكد أن التجارة مربحة وأن كسادها في قرارات إجراء مباريات «وي كلو» بدون جمهور.
تحولت بعض أحياء العاصمة الاقتصادية، في أيام عاشوراء، إلى فضاء لمناورات بين المشجعين استخدمت فيها الشهب النارية، كانت «بروفة» حقيقية لما ينتظره الجمهور في مدرجات الملاعب، نجح فيها المناورون من تحقيق أهداف ليلة «كراكاج» في الهواء الطلق دون أن تنتبه السلطة لنوايا هذه الشبكة مادام توقيت المناورة يتزامن مع عاشوراء، التي تختلط فيها الطقوس الشعبية بأصوات المفرقعات والصواريخ العابرة للأحياء.
قيل إن كل البلاوي تأتينا من الصين، رغم أن أسلافنا رسخوا في أذهاننا بعد هذا البلد مسافات ومسافات، حين قالوا بنبرة آمرة: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، ففهم التجار الأمر بشكل آخر، وذهبوا إلى الصين لطلب المتفجرات واقتناء اللعب النارية والمائية وهلم شرا، فتحول جو الاحتفال الطفولي الذي كان يطبع هذه المناسبة من الغناء والاستمتاع بالأهازيج الجماعية والسخرية من رعب مداهم بسبب «صاروخ»، ورش المياه على المارة وإضرام النار في عجلة انتهت صلاحيتها والقفز فوق (الشعالة)، إلى ما هو أفظع حيث تحولت الأحياء الشعبية من فضاء للمرح إلى ساحة للمناورات بالذخيرة الحية.
من فرط تماهينا في طفولتنا مع هذه الفسحة الفرجوية التي تتيحها عاشوراء، كنا نردد «إلاهي اجعل كل أيامنا عاشوراء»، ومن شدة استمتاع الفتيات بحرية الاختلاط المؤقت بالشباب بفضل مناسبة روحانية، تجدهن سعيدات بالحرية المحروسة وهن يرددن المقطع المأثور: «هذا عيشور ما علينا لحكام ألالة».
اليوم يتصدى الأمن للحرية المشروطة، ويعلن الفيتو على كل من سولت له نفسه استغلال عاشوراء في تنظيم معسكر مغلق لأطفال يدخلون الأقسام التحضيرية في مؤسسة الالتراس، ونسج أول علاقة لهم بالشهب النارية، وتلقينهم تقنيات «الكراكاج» التي تحول الملاعب إلى فضاءات يكسوها الدخان وتصعب فيها الرؤية.
في عاشوراء اليوم تغيرت ملامح الاحتفال واستبدلت أهازيجها بأغاني مدرجات الملاعب، واستعان بعضهم بـ»كابو» معطل لتنشيط الأمسية، لا شيء يعلو فيها على صوت القنابل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق